بقايا السجائر.. قنابل كميائية موقوتة فى البيوت وغرف الأطفال

«الدخان الثالث» خطر صامت يدمر جيل المستقبل بثينة عبد الحسيب: يؤدى إلى أضرار تؤثر على النمو العصبى والسلوكى

لم تعد أضرار التدخين تقتصر على المدخن، أو من يجلس بجواره فقط، فمع كل نفثة دخان تبقى آثار خفية لا تختفى بانطفاء التبغ، أو فتح النوافذ، بل تتحول إلى تهديد صامت يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل المنازل، وبينما يعتقد كثيرون أن الخطر ينتهى بمجرد اختفاء الدخان المرئى تكشف الأبحاث العلمية والتحذيرات الطبية المتتالية، عن وجه آخر أكثر خفاءً وخطورة، يعرف باسم "الدخان الثالث"، وهو بقايا سامة لا ترى بالعين المجردة تتربص بالأطفال على الأرائك والجدران والسجاد، ولعبهم المفضلة، لتتحول البيوت إلى مصادر تلوث كيميائي مستمر بالمواد الكيميائية المسرطنة، يستهدف جينات الأطفال ومناعتهم.

كشفت دراسة بارزة قدمها العالم الدكتور "بو هانغ"، في مختبر لورنس بيركلى الوطنى بكاليفورنيا، خلال اجتماع الجمعية الكيميائية الأمريكية، أن دخان السجائر يحتوى على أكثر من ٤٠٠٠ مركب كيميائي، يظل الكثير منها عالقا في الجو والأسطح بعد انطفاء السيجارة. ولا تتوقف خطورته عند هذا الحد، بل تكمن الخطورة الكبرى في أن هذه المركبات تتفاعل مع ملوثات هواء المنزل العادية مثل الأوزون وحمض النيتروز، لتنتج مواد جديدة أشد سمية، وقدرة على التسبب فى السرطان والطفرات الجينية.

وبحسب الدراسة، فإن هذه البقايا الدقيقة تلتصق بالستائر والملابس والأثاث لشهور طويلة، ولا تمحى بالتنظيف التقليدى أو التهوية العادية، لأنها تتغلغل في أنسجة المواد، مما قد يتجاوز الحدود الآمنة للمواد المسرطنة.

ا تدمير الحمض النووى للأطفال

وتشير الدراسة إلى أن مركب "ان ان اي"، الناتج عن الدخان الثالث، يتسبب فى تلف مباشر للحمض النووى ويؤدى إلى حدوث كسور في الشريط الوراثي. ويعد هذا النوع من الضرر المرتبط بتلف المادة الوراثية من العوامل التي تزيد احتمالية حدوث طفرات جينية وارتفاع خطر الإصابة بالسرطان، وهو ما يجعل الأطفال الفئة الأكثر عرضة للخطر، لثلاثة أسباب رئيسية، أولها: الزحف واللعب.. إذ يقضون وقتا طويلا على الأرض والسجاد حيث تتركز السموم المترسبة. وثانيا: وضع

اليد في الفم، وهى عادة طبيعية تسهم في انتقال

الملوثات من الألعاب والأسطح مباشرة إلى جسم

الطفل، وثالثا: امتصاص الجلد يمتص جلد الأطفال هذه المركبات الكيميائية، وأظهرت الدراسات أنها قد تبقى داخل الجسم لمدة تصل إلى سبعة أيام، بعد التعرض لها، ويعتبر الأطفال الفئة الأكثر عرضة لهذا.

وأوضح الباحثون أن التخلص الكامل من هذا التلوث يتطلب أحيانا استبدال الأثاث، وإعادة طلاء الجدران والأسطح، التي تعرضت لفترات طويلة لدخان السجائر لكن في حال تعذر ذلك بسبب التكاليف المرتفعة، ينصح الباحثون بالاعتماد على التنظيف العميق والغسيل المتكرر، واستخدام المكانس الكهربائية القوية، للحد من تراكم هذه السموم داخل المنازل، وحماية الأطفال من أخطار صحية، قد تبدأ بصمت، لكنها تترك آثارا طويلة المدى.

ا لا مستوى آمن

وتتطابق هذه الرؤية البحثية العالمية، مع تحذيرات أساتذة الطب في مصر، حيث تؤكد الدكتورة وجيدة عبد الرحمن أنور، أستاذ طب المجتمع والبيئة بكلية طب عين شمس، أن ما يسمى "دخان التبغ البارد" لا يقل خطورة عن التدخين المباشر، لأنه يحول المنزل إلى بيئة ملوثة بشكل دائم، حتى بعد انطفاء السجائر بوقت طويل. وتقول : الجزيئات الدقيقة من دخان التبغ قادرة على البقاء لفترات طويلة داخل الأماكن المغلقة فتترسب وتتفاعل مع الأوزون وحمض النيتروز في المنزل لتكوين مواد مسرطنة، وتعاد اثارتها وانتشارها مع حركة الهواء، أو استخدام المراوح وأجهزة التكييف أو حتى عند الجلوس على الأثاث ولمس الأسطحالملوثة، مما يجعل استنشاقها أو انتقالها إلى الجسم شبه حتمى، خاصة لدى الأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي.

كما تؤكد أن فكرة وجود مستوى آمن للتعرض لهذه المواد غير صحيحة علميا، لأن التراكم المستمر لهذه السموم داخل البيئة المنزلية، يزيد من احتمالات الإصابة بالأمراض المزمنة، ومشكلات الرئة والحساسية واضطرابات القلب والأوعية الدموية، فضلا عن ارتفاع خطر الإصابة بالسرطان، مع التعرض المتكرر وعلى المدى الطويل. ولذلك، تشدد على أن حماية أفراد الأسرة لا تتحقق فقط بمنع التدخين فى وجودهم، بل بمنع التدخين داخل المنزل بشكل كامل، للحفاظ على بيئة صحية وآمنة.

وفي سياق متصل، ناقش المركز القومى للبحوث خطورة تلوث الهواء الداخلي، في المؤتمر الدولى الثاني لقسم بحوث تلوث الهواء، وشدد العلماء على ضرورة تحويل الأبحاث النظرية إلى حلول تطبيقية، لحماية المجتمع من مصادر التلوث الخفية داخل البيوت، مصنفين بقايا التدخين ضمن الملوثات العضوية التي تتراكم وتتفاعل الإنتاج سموم مستدامة.

التدخين السلبي

ويوضح الدكتور عبد العظيم الجمال، أستاذ المناعة والميكروبيولوجي بجامعة قناة السويس، أن أضرار

التدخين السلبى لم تعد محل جدل علمى أو طبي، بعدما أثبتت الدراسات أن التعرض المستمر لدخان السجائر يسبب مشكلات صحية خطيرة لغير المدخنين، لا تقل في بعض الأحيان عن الأضرار التي يتعرض لها المدخن نفسه ويشدد على أن الخطورة لا تتوقف عند حدود الفرد بل تمتد لتشمل المجتمع كله، لما يترتب على التدخين في الأماكن المغلقة من تأثير مباشر على الصحة العامة، وجودة الهواء وسلامة البيئة المحيطة.

ويشير إلى أن فكرة اعتبار التدخين حرية شخصية تصبح غير مقبولة عندما يتحول الدخان إلى مصدر ضرر للآخرين، خاصة في الاماكن المغلقة التي يصعب فيها تجنب استنشاق المواد السامة المنبعثة من السجائر، وان غير المدخنين، ومن بينهم الأطفال وكبار السن ومرضى الحساسية والجهاز التنفسي، يصبحون أكثر عرضة للإصابة بأمراض خطيرة، نتيجة هذا التعرض القسرى للدخان.

ويلفت الجمال إلى أن مسئولية حماية الصحة العامة تفرض ضرورة وضع قيود واضحة على التدخين داخل الاماكن العامة والمغلقة، لأن الحرية الشخصية يجب إلا تتجاوز حدود الإضرار بالآخرين، مؤكدا أن الحفاظ على بيئة صحية ونظيفة حق أساسي للجميع، وليس امتيازا يمكن التهاون فيه.

تهديد نمو المخ والجهاز التنفسى

من جانبها، توسعت الدكتورة بثينة عبد الحسيب استشارى أمراض صدر الأطفال ورئيسة قسم الأطفال بمستشفى صدر العباسية سابقا، في توضيح المخاطر الصحية الخطيرة المرتبطة بتعرض الأطفال للنيكوتين مؤكدة أن الخطر لا يقتصر فقط على التدخين المباشر بل يشمل أيضا استنشاق الدخان أو الأبخرة الناتجة عن السجائر التقليدية والالكترونية، على حد سواء.

وتوضح أن جسم الطفل، خصوصا المخ والجهاز التنفسي، يكونان في مرحلة نمو مستمر ما يجعل الأطفال أكثر عرضة للتأثر بالمواد السامة، الموجودة في منتجات التبغ والنيكوتين، مشيرة إلى أن خلايا المخ لدى الأطفال تكون في طور التكوين والتطور وتعرضها للنيكوتين قد يؤدى إلى أضرار تؤثر على النمو العصبي والسلوكي، وربما تترك آثارا طويلة المدى على القدرات الذهنية والتركيز والانتباه، والقدرة على التعلم والاستيعاب، وقد يؤدى مع مرور الوقت إلى مشكلات سلوكية ونفسية تستمر آثارها لسنوات طويلة.

وأضافت عبد الحسيب أن الدراسات الطبية الحديثة تشير إلى أن التعرض المبكر للنيكوتين، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، قد يرفع من احتمالات الإصابة باضطرابات عصبية وسلوكية لديهم، وهو ما يثير مخاوف متزايدة لدى الأطباء والمتخصصين، بشأن التأثيرات المستقبلية لهذه المواد على الأجيال الصغيرة.

وشددت على ان التدخين السلبي من أخطر المشكلات الصحية التي تهدد الأطفال في مختلف دول العالم ويتسبب سنويا فى وفاة آلاف الأطفال، نتيجة الإصابة بأمراض خطيرة، منها بعض أنواع السرطان وأمراض الجهاز التنفسي الحادة والمزمنة، إلى جانب ارتباطه بما يعرف بمتلازمة الموت المفاجئ للرضع، وهي حالة خطيرة قد تؤدى إلى وفاة الطفل بشكل مفاجئ أثناء النوم، دون ظهور أي أعراض أو مقدمات واضحة.

وفيما يتعلق بالسجائر الالكترونية، أشارت الدكتورة بثينة إلى أن الاعتقاد السائد بأنها أقل ضررا أو أكثر أمانا من السجائر التقليدية، اعتقاد غير دقيق، مؤكدة أن الأبخرة الناتجة عنها تحتوى على مواد كيميائية وجزيئات دقيقة، قد تسبب تهيجا في الجهاز التنفسي وتؤدى إلى زيادة معدلات السعال والتهابات الشعب الهوائية لدى الأطفال، وأن التعرض المستمر لهذه الأبخرة قد يفاقم المشكلات الصحية لدى الأطفال الذين يعانون من الحساسية أو الأمراض الصدرية مثل الربو.

واختتمت عبد الحسيب حديثها بالتأكيد على ضرورة زيادة وعى الأسر بخطورة التدخين بجميع أشكاله، داخل المنازل والأماكن المغلقة، داعية إلى توفير بيئة صحية وآمنة للأطفال، بعيدا عن الدخان والأبخرة الضارة، لما لذلك من دور أساسي في حماية صحتهم الجسدية والنفسية، وضمان نموهم بشكل سليم وآمن.

وأخيرا، لخص الدكتور "بو" هانغ" القضية برمتها في تصريحه الشهير قائلا:

أقوى حجة لفرض حظر على التدخين في الأماكن المغلقة، هي في الواقع الدخان الثالث". فالخطر الحقيقي لم يعد مجرد دخان نراه بأعيننا ونستنشقه مؤقتا، بل تلوث کیمیائی صامت ومستدام، يلتصق بجدران بيوتنا ويدمر رئة ومناعة وجينات أطفالنا، دون أن نشعر.

رباب سعفان

خاص - مجلة الاذاعة والتليفزيون

خاص - مجلة الاذاعة والتليفزيون

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

وليد قناوى.. «صائد الذئاب » فى صحراء قنا: عضة الذئب أرحم من عضة البشر

اصطدت 20 ذئبا بأدوات بسيطة.. و «تشغيل دماغى»

«القاهرة» ترصد التعديات على أراضى الدولة ب «الأقمار الصناعية»

أكد الدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة أن أجهزة المحافظة مستمرة في حملاتها على العقارات المخالفة والمبانى العشوائية التي يتم رصدها...

بقايا السجائر.. قنابل كميائية موقوتة فى البيوت وغرف الأطفال

«الدخان الثالث» خطر صامت يدمر جيل المستقبل بثينة عبد الحسيب: يؤدى إلى أضرار تؤثر على النمو العصبى والسلوكى

«سكة بير المش».. قصة مكان تاريخى غيَّرت اسمه الحكايات الشعبية

الشارع به «جامع أبو حريبة» الموجودة صورته على الخمسين جنيهًا