عرفت بوكالة الملايات ووكالة الحبشى.. وأنشئت سنة 1088 هجرية (1677 م) ماهر الخولى: المبنى الأصلى تعرض لتعديلات وتدهور جزئى مثل كثير من وكالات القاهرة القديمة أبو العلا خليل: تغيرت معالم الوكالة لعدم تسجيلها ضمن الآثار
بعد تجاوزك باب زويلة، باتجاه شارع الدرب الأحمر، تتفتح أمامك صورة تتجلى فيها كل عناصر الفن والعمارة الإسلامية فأينما تولى وجهك ستقف مشدوها أمام أثر. فيأخذك الطريق أمام مسجد الصالح طلائع، وبعد عدة خطوات يطل مسجد "قجماس الإسحاقي"، المشهور بمسجد أبو حريبة، الموجودة ص ورته على ورقة العملة فئة الخمسين جنيها، وفي الجهة المقابلة له منشأة أثرية متكاملة، أو كانت كذلك، قبل أن يعرف الإهمال طريقه إليها، ولم يتبق منها إلا واجهات وأرضية متهالكة.
هذا السبيل هو سبيل محمد كتخدا مستحفظان، الذي يتكون من طابقين، العلوى كان كتابا لتحفيظ الأطفال القرآن الكريم. وللسبيل واجهة واحدة تتخذ شكل زاوية منفرجة، وعلى جانبيها شباكان لتسبيل ماء الشرب، وبجواره مسجد أحمد المهمندار. وملاصق للسبيل مبنى صغير من الخارج، لكنه مغلق على عالم أكثر براحا، وحكايات تركت أثرا على جدرانه الباقية التي اكتست باللون الأسود لتروى قصة التحول الذي طرأ عليه، وعلى حال معظم المنشآت والمباني الأثرية وتشكو التجاهل والإهمال.
هذا المبنى عرفت أن اسمه "وكالة الفحم"، لم يبق منها سوى واجهة بها باب أقل من مستوى الشارع، الذي ظهرت به عمارات من بضعة أدوار، تخطف الانتباه من هذا المبنى الذى كان يوما يضج بالحياة والحركة لم أجد أى لافتة تدل على الوكالة التي تحاصرها المحلات من الجانبين، سوى لافتة زرقاء بحجم كف اليد مكتوب عليها "وقف خيري رقم ۲۷۱، وطابقها العلوى احتله "دش" أحد جيران الوكالة لاستقبال قنوات التليفزيون، ولا أعلم سببا لوجود حوض استحمام "بانيو" مقيد بسلسلة، وقفل باب الوكالة التي لم يجد أحد الكلاب الضالة مكانا ليقضى حاجته إلا أمام مدخلها مباشرة، ولا أعلم إن كان اللون الأسود الذي كسا واجهة الوكالة بسبب أنها كانت مخصصة لتجارة الفحم، أم بفعل الحريق الذي نشب في السبيل المجاور، وكذلك أحد الورش وأثر عليها، في السطور التالية سنتعرف على حكاية واحدة من أقدم الوكالات في القاهرة القديمة.
عن وكالة الفحم، حدثنا الدكتور ماهر الخولى كبير الباحثين بالمجلس الأعلى للآثار، قائلا: هي أحد المعالم التجارية فى القاهرة القديمة، وكانت مخصصة قديما لتجارة الفحم وتخزينه وبيعه، ضمن منظومة "الوكالات" التى أنشأها المسلمون في العصور المملوكية والعثمانية لخدمة التجار والحرف، أنشئت في العصر المملوكي بالقرن ١٥-١٦ ميلادي، وكانت واحدة من وكالات متخصصة مثل وكالة العنب، وكالة الزيت وكالة الفلال، وكالة القمح، أي أن كل وكالة تسمى باسم السلعة الأساسية التي تتاجر بها.
ويضيف: كانت الوكالة تؤدى ثلاث وظائف رئيسية الأولى تخزين الفحم القادم من أقاليم الصعيد والواحات، ومناطق دلتا النيل والثانية: تجارة الجملة حيث يأتي تجار المقاهي أصحاب الحمامات العامة. المخابز البيوت الكبيرة الثالثة: إقامة التجار في الطوابق العلوية (غرف للمبيت والمخازن).
وعن طرازها المعماري، فيقول: تشبه باقی وکالات القاهرة التاريخية مدخل كبير مقوس من الحجر باب خشبی ضخم مدعم بالحديد، صحن داخلی واسع مكشوف طوابق علوية تحيط بالصحن، حجرات تخزين في الدور الأول.
وأضاف الخولي: مازال اسم "وكالة الفحم" مستخدما حتى اليوم، والمنطقة تحولت إلى ورش نجارة وحدادة ومخازن، ومحال أدوات ومهمات، والمبنى الأصلي تعرض لتعديلات وتدهور جزئی، مثل كثير من وكالات القاهرة القديمة.
أما المؤرخ الإسلامي أبو العلا خليل فيوضح أن الاسم الأصلى لوكالة الفحم هو وكالة الملايات أو (وكالة الحبشي)، ويعود تاريخ إنشائها لسنة ١٠٨٨ هجرية (١٦٧٧م)، وأنها وقف خيري رقم ۲۷۱، ويقول: هذه الوكالة هي وكالة يوسف أغا الحبشي، بشارع الدرب الأحمر - درب الأنسية، تقع تجاه قبة جامع قجماس الإسحاقي، وهي مجاورة لجامع المهمندار (المدرسة المهمندارية من الجنوب، ويجاورها من الشمال آخر درب الأنسية (حارة اليانسية) والذي يتعطف خلف الوكالة، حيث تطل عليه الواجهات الخلفية للوكالة. ورد ذكر الربع المعروف بالحيشلي بخط الدرب الأحمر وقد وردت على خريطة الحملة بهذا الاسم "وكالة الملايات" وبرقم ١٩٤ بالقسم الثامن وورد ذكرها في عام ۱۷۷۰ م باسم "وكالة الحبشي" بالدرب الأحمر.
ويضيف: أنشأ هذه الوكالة محمد كدخدا الحبشي وانتقلت إلى يوسف أغا قزلار دار السعادة، في عام ١٠٨٨ هجرية (١٦٧٧م) وكان ملحقا بها سبيل ومكتب ولا تزال الوكالة قائمة، عدا الربع أعلاها فقد أزيل. وكذلك بقى السبيل والمكتب، وليست بالوكالة نقوش تاريخية في الوقت الحالي، ولكن يوجد نقاش بداخل السبيل التابع لها، وفيه "إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطك مستقيما (۲) وينصرك الله نصرا عزيزا (۳) هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (٤) ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وأنشأ هذا السبيل المبارك الأمير محمد كتخدا مستحفظان، كان الله له على الدوام سنة ١٠٨٨.
ويكمل هناك نقش آخر على شباك السبيل ونصه "أمر انشا ایله بوجای قدیم اولدی احیا زهى محل عظیم بر طرفده سبيلك الحق حلو بارد صولی شفای سلیم همدخى فوقى مكتب أطفال بولدی اکرام تلم خیری یتیم، دار دولت أغلسي يوسف أغا سعد وعزنده ذاتي اوله مقیم بو وكاله بناسی اتمامى اسم باكيله انك اولدی وسیم حسن وضع ایله عقل معماری یازدی تاریخنی بنايه عظيم (سنة (۱۰۸۸)، وترجمة النص: "أمر بإنشاء هذا الموضع القديم فصار عامرا ما أجمله من محل عظيم، وفى طرف منه يوجد السبيل، وهو بمائة الحلو البارد شفاء للعميل، ويوجد فوقه أيضا مكتب للأطفال، فكان للأيتام إكراما وخيرا تاما إنه الأغا دار الدولة يوسف أغا جعله الله مقيما في السعد والعزة، إذ أتم بناء هذه الوكالة، فأصبح اسمه الطاهر وسيما، وبحسن الهيئة كتب معمار العقل، فقال تاريخها على البناء عظيما (سنة (۱۰۸۸).
ويقول خليل: هذه الوكالة مستعملة الآن لبيع الفحم داخل المدخل)، وبواجهتها دكاكين متعددة النشاط ومكان الربع أعلاه عبارة عن غرف بسيطة مستعملة ورشا مختلفة.
ويضيف هذه الوكالة تقع عند انعطافة الطريق السلطاني الرئيسي، وهذه المنطقة كانت تسمى البرادعيين الذي كان يؤدى إلى قلعة الجبل (قلعة القاهرة)، وهى من ضمن الوكالات التي تضم إلى جوارها سبيلا ومكتبا لها واجهة مبنية بالحجر الدستور المشهر (النحيت) وتشتمل على حوانيت يتوسطها مدخل الوكالة، وقد ارتفع منسوب الشارع على هذا المدخل، ويهبط إليه بدرج إلى الباب، وللباب مصراعان من الخشب المدعم بأشرطة حديدية والباب يؤدى إلى دهليز معقود يفضي إلى صحن مستطيل، وقد تغيرت معالم الوكالة لعدم تسجيلها ضمن الآثار. أما الربع فلا تزال هناك بقايا حوائط من الطوب عمودية على الواجهة، تقع بين الغرف التي تشبه العشش الآن، والمقامة على الوكالة، ومن المفترض أن تسجل أثرا تابعا للسبيل".
ويشير على باشا مبارك إلى سبيل محمد كتخدا في كتابه "الخطط التوفيقية"، باسم "سبيل يوسف أغا" ومؤسسه "يوسف أغا" وهو "قزلار أغا دار السعادة" وذلك التعبير يعد لقبا وظيفيا، يدل على الأمير يوسف الذي كان يرأس جماعة الطواشية المكلفة بإدارة وحراسة أجنحة إقامة فتيات العائلة الملكية بقصور السلطان العثماني في الأستانة، عاصمة الإمبراطورية العثمانية، وتلك الأجنحة المخصصة للنساء تعرف بدار السعادة، وقد أنشأ فوق السبيل كتابا لتعليم أيتام المسلمين، وملحقا به وكالة اسمها "وكالة الفحم" يباع فيها الفحم، وكانت من أوقاف الحريم التي أوقفها محمد کتخدا دار السعادة.
كان المعرف في ذلك الوقت أن يبنى المنشئ - سواء كان أميرا، أو وجيها من أعيان المدينة - سبيلا لسقى الماء كعمل خيرى، ويوقف "وكالة تجارية" أو مجموعة حوانيت لإنفاق ريعها وإيجاراتها بشكل دائم على تشغيل هذا السبيل من شراء الحبال، ودفع أجر المزملاتي الذي يسقى الناس، وصيانة صهريج المياه السفلى.
وتحدد حجة الوقف الأجور المرتبطة بالمنشأة؛ حيث كان يُصرف من ريع إيجارات الوكالة أجر شهرى لـ" المزملاتي"، الشخص المسئول عن رفع المياه من الصهريج وتطهير كاسات الشرب، وأجر لـ"شيخ الكتاب" الذى يعلم الأطفال القرآن والكتابة في الطابق العلوى.
فيذكر على باشا مبارك أن سبيل يوسف أغا في شارع البراذعة من خط الدرب الأحمر على يمنى السالك من باب زويلة، أنشأه المرحوم يوسف أغا، قزلار أغا دار السعادة، وأنشأ فوقه مكتبا لتعليم أيتام المسلمين القرآن العظيم، ويصرف عليهما من ربع وقفهما، وفى حجة وقفيته المؤرخة بسنة إحدى وتسعين وألف، أنه وقف جميع ما هو في ملكه وهو الوكالة - وكالة الفحم والصهريج والمزملة والمكتب والمساكن والأروقة والحوانيت وبيت القهوة المقابل لذلك، والحوانيت والمساكن على ذلك، بخط الدرب الأحمر بالشارع الأعظم يمنى السالك ويسرته طالبا لسوق البراذعيين وقد جاء في حجة وقفه أن تخصص أملاك الأمير لتصرف على نفسه، ثم على قدر عينه من عتقائه ومن بعد المصاريف التي عينها للخيرات على جميع طوائف الأغوات المستعدين لخدمة الحرم النبوى بالمدينة المشرفة، وشرط ملء الصهريج، وأن يصرف للمزملاتي في كل شهر تسعون نصفا فضة وثمن كيزان وأدلية، وغير ذلك خمسة وأربعون، وشرط أن يكون بالمكتب عشرة أيتام، لكل منهم شهريا أربعة أنصاف بدل الجراية، وللمؤدب شهريا أربعون نصفا، وللعريف عشرون، ولكسوة المؤدب والعريف والأيتام سبعمائة وخمسون نصفا فضة، وبرسم وقود قنديل داخل المزملة في رمضان خمسة عشر نصفا، وشرط أن يصرف فى كل يوم سبعة أنصاف ونصف فضة، يعدلها خمسة عشر عثمانيا، لمن يكون خطيبا بالحرم النبوى وشرط للإمام بالحرم كل يوم خمسة أنصاف فضة يرسل ذلك سنويا عند توجه الحج، وشرط أن يصرف المدرس حنفى يقيم بجامع المؤيد بإوان الحنفي في كل يوم خمسة أنصاف فضة تعدلها عشرة عثمانية.
بين التفاصيل التي ذكرها على باشا مبارك عن السبيل وحجة وقفه ترى عالما يملؤه الخير، وتتوجه عمارة لیست فقط بديعة الشكل، لكنها ذات تأثير أكثر جمالا، ووظيفة مهمة في المجتمع، لكن زيارة واحدة للشارع ومرورك أمام نفس المكان المذكور في الخطط التوفيقية، ستصدمك، ليس لأن على باشا مبارك أخطأ في الوصف، بل لأن الزمن تغير، وتبدل حال الأثر ليشع قبحا نتاج الإهمال.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
هانى بيتر: يجب التعامل مع الحملة ضدنا ك «حرب سمعة».. وعدم السماح بخلط الأوراق حسام هزاع: بالأرقام.. مصر بلد الأمن...
حالة تأهب فى جميع المنافذ والمعابر.. وتفعيل إجراءات الحجر الصحى لمنع التسلل مصر خالية تماماً من الفيروس.. ودرجة الحرارة أبرز...
ضيق الشرايين التاجية الأكثر انتشارًا
حصلت على المركز الأول فى السباحة على جامعة المنيا