الرقابة فى مواجهة «بلطجة» السرفيس

خطة حكومية من 3 محاور للسيطـرة على مواقف سيارات الأجرة وحماية المواطنين العوضى: «مافيا السرفيس» ستصطدم بجدار من القانون والرقابة الإلكترونية شعراوى: الدولة لن تترك الميكروباصات خارج السيطرة

بين عشية وضحاها، يجد المواطن نفسه فى مواجهة مباشرة مع "مافيا" لا ترحم؛ سائقون يفرضون قانونهم الخاص، يقسمون خطوط السير بمزاجية، ويضاعفون التعريفة ضاربين بالقرارات الرسمية عرض الحائط. ومع تحريك أسعار الوقود الأخير، تصاعدت حدة الأزمة، مما استوجب فتح ملف الرقابة الحكومية على مصراعيه. "الإذاعة والتليفزيون" فى هذا الملف تلتقى بصناع القرار فى لجان "النقل"، "الطاقة"، و"المحليات" بمجلس النواب والشيوخ، لرصد ملامح "الخطة المحكمة" لضبط الشارع المصري.

فى قراءة تحليلية للمشهد الاقتصادي، يستهل المهندس طارق الملا، رئيس لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، كلامه عن ملف "توقيت" زيادة أسعار الوقود، موضحاً أن القرار لم يكن وليد الصدفة أو رغبة فى اختيار "الحل الأسهل"، بل هو نتاج ضغوط عالمية غير مسبوقة وتوترات جيوسياسية أدت لاشتعال أسعار الطاقة عالمياً.

ويؤكد الملا أن الدولة كانت أمام خيارين: إما استمرار النزيف فى الموازنة العامة مما يهدد قطاعات أخرى كالتعليم والصحة، أو التحريك المدروس للأسعار لضمان استدامة تقديم الخدمة البترولية وتأمين الاحتياجات الاستراتيجية. ويرد الملا على تساؤل "البدائل المفقودة" مؤكداً أن الحكومة لم تتجاهل الحلول الأخرى، بل توسعت فى مشروعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، لكن هذه المشروعات تتطلب استثمارات ضخمة ومدى زمنياً طويلاً لتؤتى ثمارها.

وحول دور البرلمان، يشدد على أن اللجنة تراجع دورياً مخصصات الدعم لضمان وصولها لمستحقيها، وأن رؤية الحكومة تستهدف "صفر دعم" للمواد البترولية للقطاعات التجارية مع الحفاظ على حماية الفئات الأكثر احتياجاً. ويختتم الملا بالتأكيد على أن عهد الدولة أمام المواطن يتبلور فى "لجنة التسعير التلقائي"؛ فكما ارتفعت الأسعار لمواجهة الأزمات، فإنها ستنخفض بالضرورة حال تراجع أسعار النفط العالمية واستقرار سعر الصرف، وهو التزام لا تراجع عنه لضمان التوازن بين التكلفة الفعلية والقدرة الشرائية.

وعلى الجانب الآخر، وعلى صعيد الردع والرقابة الميدانية، يكشف النائب وحيد قرقر، رئيس لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب، عن ملامح "الخطة المحكمة" التى وضعتها اللجنة بالتنسيق مع وزارة الداخلية والمحافظات لمواجهة ما أسماه "إرهاب المواقف"، ويوضح قرقر أن الأزمة ليست فى زيادة الوقود فحسب، بل فى "سلوكيات" بعض السائقين الذين استغلوا الموقف لتقسيم خطوط السير لمسافات قصيرة ومضاعفة الأجرة، وهى جريمة يصفها بـ "الخيانة للأمانة".

ويؤكد قرقر أن الخطة تعتمد على ثلاثة محاور رئيسية: الأول هو "الرقابة الذكية" من خلال التوسع فى تركيب أجهزة GPS على كافة ميكروباصات السرفيس لرصد التحركات ومنع الخروج عن خط السير، والثانى هو "الأكمنة المتنقلة" التى تضم عناصر من مباحث المرور بملابس مدنية داخل السيارات لرصد التلاعب بالتعريفة لحظياً. أما المحور الثالث، فهو "التشريع الرادع"، حيث يطالب قرقر بتعديل قانون المرور لتغليظ العقوبات لتصل إلى الحبس الوجوبى والغرامة التى لا تقل عن 10 آلاف جنيه، مع سحب الرخصة نهائياً فى حال تكرار المخالفة.

وحول "عقد الإذعان" الذى يفرضه السائقون، يشدد رئيس لجنة النقل على أن الحكومة ملزمة بإعادة النظر فى التعريفة وخفضها فور تراجع أسعار الطاقة عالمياً، مشيراً إلى أن البرلمان يراقب تنفيذ هذا البند بكل صرامة لضمان ألا تتحول الزيادة المؤقتة إلى حق مكتسب للسائقين.

من جانبه، يضع النائب محمود شعراوي، رئيس لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، "مشرط" الجراح على الأزمة الهيكلية فى المحليات، مؤكداً أن الحل الجذرى لا يكمن فى العقاب فقط، بل فى "البديل القوي".

ويكشف شعراوى عن خطة وزارة التنمية المحلية والمحافظات للدفع بأسطول حديث من أتوبيسات النقل الجماعى التى تعمل بالغاز والكهرباء لتغطية كافة الخطوط التى يسيطر عليها "أباطرة السرفيس"، مؤكداً أن المنافسة هى الوسيلة الأنجع لكسر احتكار هؤلاء السائقين. وبشأن ملف "التوك توك" الشائك، يوضح شعراوى أن الدولة لن تترك هذه المركبات خارج السيطرة بعد الآن؛ حيث بدأت خطة شاملة لتقنين أوضاعها ومنحها تراخيص رسمية وربطها بتعريفة ملزمة يحددها كل حى وفقاً للمسافات، مع توقيع عقوبات قاسية تصل للمصادرة النهائية للمركبات غير المرخصة. ويرد شعراوى على منتقدى أداء المحليات مؤكداً أن هناك "غرف عمليات" مفعلة على مدار الساعة فى كل محافظة لتلقى شكاوى المواطنين، وأن هناك توجيهات لرؤساء الأحياء بالنزول الميدانى للمواقف، مشيراً إلى أن المرحلة القادمة ستشهد "تطهيراً" كاملاً للمواقف من البلطجة والتعريفة العشوائية، مع العمل على تطوير البنية التحتية للمواقف لتصبح ذكية ومراقبة بالكاميرات بالكامل لمنع التلاعب "بالمزاج".

ويستعرض اللواء أحمد العوضي، وكيل مجلس الشيوخ، البعد الأمنى والاجتماعى لهذه المواجهة، معتبراً أن حماية المواطن من "جشع" المتلاعبين بالتعريفة هى قضية أمن قومى بامتياز.

ويرى العوضى أن الحرب الأمريكية الإيرانية وتداعياتها على ممرات الطاقة فرضت واقعاً عالمياً صعباً، لكن الدولة المصرية تمتلك أدوات الصمود؛ حيث تعهدت القيادة السياسية والحكومة بأن تكون هذه الزيادات فى أضيق الحدود وبما يحقق التوازن الاقتصادي.

ويؤكد العوضى أن مجلس الشيوخ يدفع نحو "رقابة مجتمعية" بجانب الرقابة الحكومية، من خلال تشجيع المواطنين على عدم دفع مليم واحد زيادة عن التعريفة المقررة والإبلاغ الفوري، مع ضمان سرعة استجابة الأجهزة الأمنية. وحول إلزام السائقين بخفض الأجرة مستقبلاً، يوضح العوضى أن هناك آليات قانونية تتيح للمحافظين تعديل التعريفة هبوطاً بقرارات إدارية فورية، وأن البرلمان سيفعل أدواته الرقابية لمحاسبة أى مسؤول يتكاسل عن تطبيق هذا التراجع.

ويختتم العوضى حديثه مؤكداً أن "مافيا السرفيس" ستصطدم بجدار من القانون والرقابة الإلكترونية، وأن الدولة المصرية ماضية فى مشروعها القومى لتطوير النقل (المترو والقطار الكهربائى والمونوريل) ليكون المواطن هو الطرف الأقوى فى المنظومة، ولتختفى ظاهرة "تحكم السائق فى الركاب" إلى الأبد، فى ظل رؤية جمهورية جديدة تضع كرامة المواطن وحمايته الاقتصادية فوق كل اعتبار.

 	حنان موج

حنان موج

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

الرقابة فى مواجهة «بلطجة» السرفيس

خطة حكومية من 3 محاور للسيطـرة على مواقف سيارات الأجرة وحماية المواطنين العوضى: «مافيا السرفيس» ستصطدم بجدار من القانون والرقابة...

خطة الحكومة للحفاظ على المخزون الاستراتيجى من الأدوية الحيوية

رئيس شعبة تجارة الأدوية: لا احتكار فى سوق الأدوية.. والإنتاج المحلى يغطى 90 % مساعد رئيس هيئة الدواء: متابعة دقيقة...

جرثومة المعدة.. الإزعاج الكبير

لو شعرت بحرقان مستمر أو وجع "بيسمّع" فى ضهرك بعد الأكل، أو دائما عندك إحساس بالنفخة.. فيجب عليك أن تعرف...

فى الصعيد .. الموروث الشعبى تصنعه الأمهات

سيدات نقادة.. يُعِدن الحياة للأفران الطينية