يَشهد العالم اليوم تحولًا جذريًا في كافة المجالات بفضل التقدم التكنولوجي السريع؛ لاسيما بعد ظُهور الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المُتنوعة. وقد أحدث هذا التطور تَأثيرًا بَالغًا على قِطاع التَعليم؛ حَيثُ أصبح التَعلُم الإلكتروني المَدعُوم بِالذكاء الاصطناعي يُمثل أفقًا جَديدًا فِي مَسيرة التَعَلُم. ولاشك في كَون التَعلُم الإلكتروني بوابة المعرفة المفتوحة، فهو العملية التعليمية التي تتم خارج نطاق الفصول الدراسية التقليدية، ففيه يَتعلم الدارسون مِن خلال التفاعل مع الأجهزة الرقمية، والأنظمة الإلكترونية.
ولقد أصبح لهذا النوع مِن التعليم ضَرورة مُلِحَة فِي عَصرنا الحالي؛ نظرًا لكونه يُوفر العديد من المزايا، ومنها؛ أولًا: الوصول إلى المعرفة في أي وقت ومن أي مكان، فيُزيل التَعلُم الإلكتروني الحواجز الجُغرافية والزمانية، مِمَا يُتيح للطُلاب التَعلم فِي أي وَقت مُناسب لهم، وَمن أي مكان يتواجدون فيه. وثانيًا: التعلم الذاتي بمرونة، وهذا يمنح المُتعلمين القُدرة عَلى تَحديد وتيرة وتوجيه عَملية التعلم الخاصة بهم، مِمَّا يُعزز الاستقلالية والمسئولية.
وثالثًا: التَنوع فِي أساليب التَدريس، مِما يوفر مجموعة واسعة من الأدوات والتِقنيات التي تُتِيح للمُعَلمين تَقديم المحتوى التعليمي بِطُرقٍ مُبتكرة وَمُشوقة، وهذا يُزيد من جاذبية التَعلُم.
وإن دققنا النَظر؛ فإن الذكاء الاصطناعي شريكٌ ذكيّ في رحلة التعلُم، فهُو مُحَاكاة للقُدرات الذهنية البشرية فِي الآلات؛ مثل: التَعلُم، وَالاِستدلال، وَحَل المُشكلات. وَقد أحدث هذا التطور ثَورة فِي عِدة مجالات من بينها التعليم، فَمِن خِلال قُدرته عَلى تَحليل البيانات الضَخمة وَاِتخاذ القرارات الذكية، يُقدم الذكاء الاصطناعي مَجموعة وَاسِعة مِن الإمكانيات التي من شأنها إعادة هيكلة تَجرُبة التَعلم، ومنها: أولًا: التَعلُم المُخصص؛ فَيُمكن لِلأنظمة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي تحليل بيانات الطلاب بِشكل فَردي، وَتحديد نِقاط قُوتهم وضَعفهم، وَمِن ثَمَّ تَوفير خُطَط تَعليمية مُخَصصة لِكُل طَالب عَلى حدى، مِمَا يَضمن حُصول كُل طَالب عَلى الدَعم الذِي يَحتاجه لِتحقيق أقصى اِستفادة مِن عَملية التَعلُم.
وثانيًا: التقييم التكيفي المستمر؛ فتمتاز هذه الأنظمة الذكية بالقُدرة على تقييم أداء الطلاب بِشكلٍ مُستمر، وَتَقديم مُتابعة فورية، وهذا يُساعد الطُلاب عَلى تَحديد نِقاط التَحسُن والفعالية الخاصة بِهم وَالعمل على تطويرها.
وثالثًا: المساعدون الافتراضيون؛ فيُمكِنُنا من خلال الذكاء الاصطناعي تَطوير مُساعِدين اِفتراضيين قَادرين عَلى الإجابة عَلى أسئلة الطُلاب، وَتقديم الشُروحات، وَتَوفير الدَعم التِقني عَلى مَدارِ السَاعة. ورابعًا: تحسين تجربة المستخدم بناءً على تَحليل سُلوك المُستخدمين، وَتَقديم تَجربة تَعليمية أكثر تَخصيصًا وإثارة للاهتمام، مِمَّا يُزيد مِن حماسِ الطُلاب، وَرَغبتهم فِي التَعَلُم المُستَمِر.
والتساؤُل الذي يفرض نفسه بِقُوة الآن: ما هي فوائد دمج الذكاء الاصطناعي مع التَعلُم الإلكتروني؟ وفي حقيقة الأمر؛ إن لدمج الذكاء الاصطناعي مع التَعلُم الإلكتروني عِدة فوائد، منها؛ أولًا: زيادة كفاءة التعلم؛ فسيُساهم تَوفير مُحتوى تَعليمي مُخَصَص وَتَقييم مستمر فِي زِيادة كفاءة التَعلُم، وَتَقليل الوقتْ وَالجُهد اللازمين لتحقيق الأهداف التعليمية.
وثانيًا: تعزيز التفاعل من خلال منح أدوات تَعاون مُتطورة تُتِيح للطُلاب التَفاعُل مَع بعضهم البعض وَمَع المُعلمين، وبناءً عليه خلق بيئة تعليمية افتراضية تُعزز روح الفَريق وَالتعاون. وثالثًا: تَوسيع نِطاق الوُصول إلى التعليم؛ فَيُمكن للتَعلُم الإلكتروني المَدعوم بِالذكاء الاصطناعي الوصول إلى فِئاتٍ أكبر مِن المُتعلمين، بِما فِي ذلك ذوي القُدرات الخاصة، والقاطنين في المناطق النائية. ورابعًا: تَطوير المَهارات المستقبلية؛ مثل: المهارات الرقمية، والتفكير النقدي، وحل المُشكلات، وهي المهارات اللازمة للنجاح في عَالم العَمل المُتَغيِّر.
وعلى الرغمِ من دَور الذكاء الاصطناعي المُهم في التَعلُم الإلكتروني؛ فعلي الجانب الآخر هُناك العديد من التحديات التي يَجب التغلب عليها لضمان نجاح دمج الذكاء الاصطناعي في التَعلُم الإلكتروني، منها: أولًا: أن تكلفة التطوير وَتنفيذ أنظمة الذكاء الاصطناعي عالية، مِمَّا يُمثل عَائقًا أمام بعض المُؤسسات التعليمية. وثانيًا: يُوفر الذكاء الاصطناعي الخُصوصية وَالأمن الذي يضمن حماية بيانات الطلاب الشخصية مِن الاختراق. وثالثًا: الفجوة الرقمية؛ فلابُد من العمل على تقليص الفجوة الرقمية، وتوفير الأجهزة والبنية التحتية اللازمة لجميع الطلاب للاستفادة من التَعلُم الإلكتروني.
ورابعًا: دَورُ المُعلِم؛ فيجب إعادة النظر فِي دور المعلم في ظِل وُجود الذكاء الاصطناعي، نظرًا لتحول المُعلِم مِن النَاقِل لِلمعلومات إلى المُرشد وَالمُدَرِب الذِي يُساعد الطُلاب عَلى تطوير مَهارات التَفكير النَقدي والإبداع.
ولا يُمكنُنا تَوقُع مُستقبل التعليم فِي ظِل الذَكاء الاِصطناعي؛ لكننا نُجزِم بأن سَيُصبح بِإمكان الذكاء الاصطناعي تَوفير تَجارُب تَعليمية مُخصصة لكلِ طَالب، وَتَحليل نقاط القوة والضعف لَديه، مع تَقديم مُحتوى تَعليمي يُنَاسب نَمط تَعلُمه وَسُرعته. كما سَيُصبح التَعلم عَملية مُستمرة طُوَال الحَياة؛ فسيعمل الذكاء الاصطناعي على تَقديم دَورات تَدريبية قَصِيرة وَمُحَدَدة الأهداف تُساعد الأفراد عَلى تَحديث مَهاراتهم والمعرفة لديهم. وستكون البيئات التعليمية أكثر تَفاعلية وإثارة للاهتمام، وسيتمكن الطلاب من التفاعل مع نَماذج الذكاء الاصطناعي التي تلعب دَور المُعَلِم أو الزَميل. أضِف إلى ذلك تقييم أداء الطلاب بِشكلٍ مُستمر، مِما يُساعدهم عَلى تَحسين أدائهم. وستصبح هذه التقنيات جُزءً لَا يتجزأ من العملية التعليمية؛ حَيثُ يُمكن للطُلاب استكشاف العوالم الافتراضية والتعلم من خلال التجارب الحِسية. وأخيرًا سَيَتعاون المُعلمون والطُلاب مع أنظمة الذكاء الاصطناعي لِتحقيق أهداف التعلم، وسيقتصر دور المعلمون على تَوجيه العَملية التعليمية، وَتَقديم الدَعم العَاطفي للطُلاب، بَينما يتولى الذكاء الاصطناعي مَهامٍ أُخرى؛ مِثل: تَصحيح الوَاجبات، وتقديم الشروحات.
ولابد من الاستعداد لهذا المُستقب من خلال تطوير المهارات الرقمية لدى الطلاب والمعلمين، بما في ذلك البرمجة وحل المشكلات والتفكير النقدي، وخَلق بيئات تعليمية مرنة قادرة على التكيف مع التغيرات التكنولوجية السريعة، وَتشجيع التعلم التعاوني والتفكير الإبداعي، وكذلك توفير برامج تدريبية للمُعلمين هدفها التعريف بكيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، ودراسة آلية دمجها في خططهم الدراسية. وهذا لن يتأتي إلا من خلال بيئة تحتية من شأنها توفير إنترنت عالي السرعة وأجهزة رقمية في جميع المدارس، مع الدعم التِقني اللازم. وَمُوازنة المهارات التقنية مع تطوير المهارات الاجتماعية والعاطفية لدى الطلاب، مِثل: العَمل الجَماعي، والتواصل الفَعَّال، وحل النزاعات.
وهُناك العديد من الأمثلة على تطبيقات الذكاء الاصطناعي الناجحة، نذكر منها: أولًا: المساعدون الافتراضيون للطلاب، فتُستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي مِثل: Khan Academy Kids) (Socratic &؛ للإجابة عَلى أسئلة الطُلاب بِطريقةٍ تَفاعلية وَشاملة، كما يُمكن للطُلاب طَرح أسئلتهم صوتيًا أو كتابيًا، وَيَحصلون عَلى شَرحٍ مُفَصَل وَمُبَسط لِلمَفاهِيم الصَعبة. وثانيًا: منصات التعلم الذاتي المُخَصصة مثل: (Coursera & Duolingo)؛ لِتحديد مُستوى الطالب، وَتَكييف المحتوى التعليمي وفقًا لاحتياجاته وقدراته، كما يَتم تَتَبُع تَقدُم الطالب وَتعديل خُطَّة التَعلُم بِشكلٍ مُستمِر. ويُمكنُنا الاستفادة مِن هَذه التَجارُب لِتَطوير التَعليم فِي بِلادنا عَن طَريق تَطوير منصات تَعليمية وَطنية ذَكية مُتكاملة قَادِرة عَلى اِستخدام الذكاء الاصطناعي لِتقديم مُحتوى تَعليمي مُخصص لِكُل طَالب، وَتَوفير أدوات تَقييم وَتَفاعل مُتطورة. وَكذلك تَدريب المُعلمين على اِستخدام التِقنيات الحَديثة، وَاِكتساب المَهارات اللازِمة لِاستخدام الذكاء الاصطناعي فِي العَملية التعليمية. وَضَمان تَوفُر إنترنت عَالي السُرعة وأجهِزَة رَقمية فِي جَميع المَدارس، وَتشجيع الطُلاب وَالمُعلمين عَلى الاِبتكار وَتَطوير تَطبيقاتهم الخاصة بِاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، مِمَّا يُساهم فِي إيجاد حُلول مُبتكرة لِتحديات العَملية التَعليمِيَّة.
وَخِتامًا؛ فيُعد دَمج الذكاء الاصطناعي في التَعلُم الإلكتروني فُرصة لِتحقيق نَقلة نَوعية فِي مَجالِ التَعليم؛ حَيثُ يُمكِن للذكاء الاصطناعي أن يُوفِر تَجربة تَعليمية أكثر تَخصيصًا وَفَعالِيَّة، وَمَع ذَلك يَجب التَعامُل مَع هَذا التَطوُر بِحذرٍ شديد، وَتَخطيطٍ جَيد؛ لِضمان تَحقيق أقصى اِستفادة مِن هَذه التِقنيات الجَديدة، وَتَجَنُب أي آثارٍ سَلبية مُحتَمَلة.
* كاتب المقال : أحمد محمد عبد الشافي ،مُدير إدارة التعليم عن بُعد ورئيس فريق المشروعات بالأكاديمية العربية للعلوم الإدارية والمالية والمصرفية
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
أعلنت وزارة التعليم العالى والبحث العلمي، عن خطة عاجلة للعام 2026، تتضمن إنشاء 17 جامعة تكنولوجية جديدة فى مختلف أنحاء...
السفيرة نائلة جبر: «أسيوط» تأتى على رأس المحافظات المصدرة للهجرة غير الشرعية السفير حداد الجوهري: «الخارجية» نجحت خلال الفترة الماضية...
أول مصرية تحقق ميدالية ذهبية فى اللعبة
عندما يغيب النور لا بد من البحث عن منفذ آخر للضوء، فالحياة لا تقف عند فقد حاسة من الحواس، فالإيقاع ...