الزوار من كل الجنسيات يتزاحمون أمام واجهات العرض الزجاجية لقاعة الفرعون الصغير الملك الصغير نشأ بدون أم وتولت المربية «مايا» تربيته وتزوج من «عنخ أس أن با اتون» وكان يحبها جداً القناع الذهبى صار أيقونة للحضارة المصرية ويزن أكثر عشرة كيلوجرامات من الذهب الخالص وتزينه أحجار اللازورد والعقيق والفيروز
تشهد قاعة مقتنيات الملك توت عنخ آمون بالمتحف المصرى الكبير، ازدحامًا وتهافتًا غير مسبوق، لا سيما أن طريقة عرض المقتنيات تحول الزيارة من مجرد مشاهدة قطع أثرية إلى الاندماج مع قصة الملك توت عنخ آمون منذ شبابه وصولًا إلى حياته الأبدية، ثم اكتشاف مقبرته، وتتيح تجربة بصرية وروحية فريدة". فمع أولى الخطوات يلتقى الزائر بكرسى الملك، كرسى العرش المصنوع من مزيج الخشب والذهب والفضة والزجاج والألباستر المصري، والذى يؤرخ لبداية عصره كأحد ملوك الأسرة الثامنة عشرة من الدولة الحديثة.
وقال الدكتور حسين عبد البصير المشرف العام الأسبق على مشروع المتحف المصرى الكبير ، ومدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية: يُعد اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون فى وادى الملوك عام 1922 من أعظم الاكتشافات الأثرية فى التاريخ الحديث، وقد شكّل حدثًا عالميًا هزّ اهتمامات العلماء وعشاق التاريخ والفن على حد سواء. قاد هذا الكشف العالم البريطانى هوارد كارتر، بعد خمس سنوات من البحث المضنى والحفريات الدقيقة فى المنطقة، والتى تطلبت صبرًا وإصرارًا هائلين. كانت المقبرة شبه محفوظة بحالتها الأصلية، واحتوت على كنوز ملكية مذهلة من الذهب والمجوهرات والتحف الفنية، تعكس عظمة الحضارة المصرية القديمة وفنونها وطقوسها الدينية، بالإضافة إلى الحياة الملكية للملك توت عنخ آمون الذى حكم مصر لفترة قصيرة لكنه ترك إرثًا خالدًا من الفن.
أسرار الفرعون الذهبي.
وأضاف عبدالبصير: فى القاعتين المخصصتين لمقتنيات الملك الذهبى توت عنخ آمون داخل المتحف المصرى الكبير، حيث يتوهج الضوء كأنّه خرج من قلب الشمس القديمة، تتلألأ آلاف القطع الأثرية التى ما زالت، بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام، تتحدث عن ملك لم يعرف أن الخلود ينتظره فى عالم آخر. الزوار من كل الجنسيات يتزاحمون أمام واجهات العرض الزجاجية، تلمع عيونهم بالدهشة، يتبادلون النظرات الصامتة والأنفاس المبهورة. إلى اليوم، لا يزال الملك الشاب يحتفظ بقدرته الفريدة على أسر القلوب وإشعال الخيال، حتى اضطرت إدارة المتحف إلى إغلاق القاعتين مؤقتًا من شدة الزحام، قبل أن تُفتح من جديد لاستقبال أفواج العاشقين للذهب وللسر وللتاريخ.
وتابع: وُلد توت عنخ آمون نحو عام 1341 قبل الميلاد، فى زمنٍ كانت فيه مصر تمر بواحدة من أعقد فتراتها الدينية والسياسية، بعد ثورة أبيه الملك اخناتون التوحيدية التى حوّلت وجه العقيدة المصرية من تعدد الآلهة إلى عبادة آتون وحده. وعندما تولى الصبى العرش فى التاسعة من عمره، كان مجرد رمز لعودة الأمور إلى نصابها القديم. لم يكن ملكًا محاربًا ولا مصلحًا كبيرًا، بل كان طفلًا يجلس على عرش يتجاوز عمره الألف عام، يُدير شؤون البلاد رجال البلاط والكهنة الكبار. ومع ذلك، فإن سنوات حكمه القليلة — التى لم تتجاوز عشرة أعوام — أعادت لمصر توازنها الروحي، وأرجعت اسم آمون إلى المعابد، واسم طيبة إلى القداسة، وكأن هذا الطفل كان قدرًا يرمم كسر الروح المصرية.
لكن الموت، الذى يختار الملوك أحيانًا كما يختار الفقراء، جاء مبكرًا. فى التاسعة عشرة من عمره، أغلق جفنيه إلى الأبد، تاركًا خلفه أسئلة لم تُجب بعد: هل مات مريضًا؟ أم اُغتيل؟ أم سقط من عربته الحربية؟ تعددت الفرضيات، لكن الحقيقة الوحيدة أن جسده دُفن فى مقبرة صغيرة بوادى الملوك، لم يكن معدًا لها فى الأصل، وكأن القدر أراد أن يُخفيه عن العالم ليُعيد اكتشافه فى الزمن المناسب.
فى عام 1922، وبعد ثلاثة آلاف عام من الصمت، سقطت أول شعلة فى ظلام الوادى حين أزاح البريطانى هوارد كارتر الستار عن مدخل المقبرة رقم (KV62) . كان المشهد كأنه مشهد من الأسطورة: آثار ذهبية، وصناديق مرصعة، وتماثيل مذهبة، وعربات حربية، وأسرة جنائزية، وأدوات طعام، وتيجان ومجوهرات، وأقنعة مذهلة — أكثر من خمسة آلاف قطعة تفيض بالحياة والموت معًا. وقف اللورد كارنارفون، ممول البعثة الأثرية، مذهولًا وهو يسمع من كارتر عبارته الخالدة: "نعمٌ، أرى أشياء رائعة!" ومنذ تلك اللحظة، وُلدت أسطورة توت عنخ آمون من جديد، لتطغى على كل ملوك مصر القديمة.
وواصل عبد البصير الحديث: اليوم، تُعرض هذه الكنوز فى قاعتى الملك الشاب بالمتحف المصرى الكبير فى مشهد يوازى عظمة الاكتشاف نفسه. تتصدر القاعتين التحفة الخالدة: القناع الذهبي، الذى صار أيقونة للحضارة المصرية. قطعة من الجمال المطلق، صُهرت من أكثر من عشرة كيلوجرامات من الذهب الخالص، تزينها أحجار اللازورد والعقيق والفيروز، وتتقاطع على جبينها رموز الحماية الأبدية — الكوبرا وأنثى العقاب. هذا القناع لم يكن زينة، بل جواز سفر أبدى للخلود، يربط بين روح الملك وجسده فى العالم الآخر. أمامه يصمت الزوار، وكأنهم أمام وجه الإله ذاته.
إلى جواره، تتراص العربات الحربية، التى كانت رفيقة الملك فى الاحتفالات وربما فى الصيد. عجلاتها الرشيقة، وأخشابها المزخرفة، تكشف عن عبقرية المصريين القدماء فى فن الصناعة والهندسة. كما تُعرض الأسِرّة الجنائزية التى حملت أشكال المخلوقات الأسطورية، وكأنها حُراس الملك فى عبوره من عالم الأحياء إلى أفق الآلهة. وهناك التماثيل الخشبية المذهبة التى وقفت تحرس المقبرة بصمت أبدي، والصناديق المزخرفة التى احتوت على ثياب الملك وأوانيه ومراياه وعطورِه، وأخيرًا الحُليّ والمجوهرات التى تجمع بين رقة الفن ودقة العقيدة؛ إذ كان كل حجر كريم يحمل معنى مقدسًا وطاقة سحرية تحفظ جسد الملك وروحه.
واستطرد عبدالبصير: تقع قاعات الملك توت عنخ آمون على يمين الدرج العظيم بالمتحف المصرى الكبير، كأنها بداية الرحلة المتحفية الكبرى، وروعة سردية الحضارة المصرية. يدخل الزائر القاعة بعد أن يمر بعصور المجد ويرى تمثال رمسيس الثانى وآثار البهو العظيم، ليجد نفسه فجأة أمام عالم ذهبى غارق فى الضوء والأسطورة. الإضاءة المدروسة تجعل الذهب يتوهج كأنه ينبض، والمسار الداخلى للقاعة صُمم ليحاكى رحلة الروح فى العالم الآخر من الظلام إلى النور، ومن الأرض إلى الخلود.
عن سر الهوس الأبدى بتوت عنخ آمون
قال عبد البصير: ربما لأننا أمام حالة نادرة من التقاء الجمال بالمأساة، والدهشة بالغموض. كان اكتشاف مقبرته حدثًا لم يتكرر: مقبرة ملكية كاملة لم تمتد إليها يد لص، محفوظة كما تركها المصريون القدماء قبل آلاف السنين. ثم جاءت الأسطورة التى غذّاها الإعلام الغربى عن "لعنة الفراعنة"، حين مات عدد من المشاركين فى الاكتشاف فى ظروف غامضة، فاشتعل الخيال الشعبى من الشرق إلى الغرب، وتحول الملك الشاب إلى لغز أسطورى يثير الرعب والإعجاب معًا.
أما الفن، فقد كان أبلغ من أى لعنة. فكل قطعة من مقتنياته تنطق بالعبقرية المصرية التى جمعت بين الهندسة والروح، بين الجمال والقداسة. الأجانب حين يقفون أمام القناع الذهبى يرون فيه إعجاز البقاء؛ كيف يمكن لإنسان أن يطل من وراء أكثر من ثلاثة آلاف عام بهذا الصفاء والجلال؟ والمصريون حين ينظرون إليه يرون انعكاس هويتهم الأولى، يرون فى عينيه ملامحهم القديمة ووهج حضارتهم التى لا تنطفئ.
إن قصة توت عنخ آمون ليست حكاية ملك صغير وكنز كبير فحسب، بل قصة الإنسان فى مواجهة الفناء، قصة بحث دائم عن الخلود عبر الفن والجمال. لم يكن الملك يعلم أن موته المبكر سيكون بوابته إلى الأبدية، وأن اسمه سوف يُنقش فى ذاكرة البشر أكثر من أى ملك آخر.
ومع افتتاح المتحف المصرى الكبير، وعودة كنوزه إلى موطنها الأخير عند أقدام الأهرامات، عاد توت عنخ آمون ليُبهر العالم من جديد. فى كل يوم، تمتد الصفوف الطويلة من الزوار أمام القاعتين، وجوههم مزيج من الرهبة والإعجاب، وكأنهم على موعد مع سرٍّ لا يُقال إلا همسًا. يقفون أمام القناع الذهبى فى صمت كأنهم فى معبد، وفى لحظةٍ من السكون العميق، يبدو وكأن الملك الشاب يبتسم فى هدوء، كما لو كان يعرف أن الجمال وحده لا يُبهر، بل يُخلّد.
فى كتاب "أسرار الملك الذهبى يأخذنا عالم الآثار الدكتور حسين عبد البصير فى جولة أثرية فريدة، تبدأ من دهاليز المتحف المصرى الكبير مرورًا بكنوز المقبرة المذهلة فى وادى الملوك، وصولًا إلى البلاط الملكى فى طيبة حيث نشأ الملك الطفل توت عنخ آمون وجلس على العرش وهو فى التاسعة من عمره ليحكم إمبراطورية الشمس.
يكشف الكتاب عن تفاصيل نادرة الحدوث قادت إلى أعظم الاكتشافات الأثرية فى التاريخ، ويعيد سرد سيرة الفرعون الشاب فى سياقها العائلى والسياسى والدينى الكامل:
من عصر جده الملك أمنحتب الثالث الملقب بـ"الملك الشمس"، مرورًا بعهد أبيه أخناتون الموحِّد الكبير، وصولًا إلى اللغز المحير لمومياء الملكة نفرتيتى ورسائل تل العمارنة التى فتحت نافذة على الدبلوماسية المصرية القديمة وعلاقاتها الدولية فى أوج الإمبراطورية.
يشدد د حسين قائلًا: المقبرة لم تكن مجرد موقع دفن، بل كانت نافذة على حضارة عريقة، تكشف تفاصيل الحياة اليومية والدينية والفنية فى مصر القديمة، وتوضح كيفية التعامل مع الموتى والاعتقاد فى الخلود، وتعرض مستوى البراعة فى صنع الذهب والمجوهرات والتحف الفنية. وما تزال هذه الكنوز تجذب الباحثين والزوار من كل أنحاء العالم، لتصبح رمزًا للروعة الفنية والتاريخية للمصريين القدماء، ولتسلط الضوء على شغف الإنسان باكتشاف أسرار التاريخ.
لعنات فتح المقبرة
هذا الملك النجم دائما مسلط عليه الأضواء ويقول د.زاهى حواس فى كتابه "الملك الذهبي": "إن قصة كشف المقبرة، وما حدث من لعنات للورد كارنافون ممول الكشف وهوارد كارتر جعلت العالم يثير العديد من القصص الخيالية عن لعنة توت غنخ آمون ومن أجمل القصص التى تُقال عن الملك الصغير توت هى عندما عرض المعرض فى لوس أنجلوس وكان قناع الملك توت عنخ آمون الذى يعتبر أيقونة الآثار المصرية ضمن المعروضات وعندما شاهدت القناع سقطت فجأة على الأرض بعد أن فاقت سألها بعض الزوار عن سبب ما حدث فقالت لم أستطع أن أقاوم إغراء أجمل شخصيتين الأول توت غنخ آمون والثانى كارى جرانت وهو من أشهر فنانى السينما فى هوليوود.
ويروى حواس فى كتابه أن الأدلة تشير إلى أن توت غنخ آمون قد ولد وتربى كأمير فى تل العمارنة وتعد مقبرة مربيته "مايا "بسقارة من أجمل المقابر من حيث النقوش مما يدل على المكانة الخاصة التى كانت تملكها مايا فى البلاط الملكى وفى قلب الملك الصغير وقد تشير تلك العلاقة إلى أن الملك الصغير قد تربى من دون أم ولذلك كان متعلقا بمربيته ارتباطا شديدا وتزوج الملك الصغير من اخته غير الشقيقة ابنة نفريتى الرابعة "عنخ أس أن با اتون" ومن الواضح أنه كان تربطهما علاقة حب قوية، ويبدو ذلك من المناظر التى نقشت على قطع الملك فترى الملكة واقفة، أما توت وتعطيه أزهارا وتصطحبه فى رحلات الصيد الملكية، ولا يوجد شك أن الملك توت بدأ حكمه على نفس عقيدة أبيه حيث نقش على العديد من متعلقاته الشخصية بمقبرته اسم "توت غنخ آتون "وليس توت عنخ آمون أى أن الإله أتون كان لا يزال هو الإله الأعظم فى البلاط الملكي، واستطاع كهنة آمون بطيبة أن يعيدوا إلههم إلى مكانته السابقة من خلال الملك الصغير، فقام بتغيير اسمه هو وزوجته باستبدال آتون بأمون، وعندما تولى الملك توت حكم البلاد قرر الملك توت ترميم المعابد المهجورة وإعادة الأمور كما كانت فنال الإله آمون رع مكانته السابقة فى طيبة، والإله بتاح فى منف وشارك الملك الصغير فى العديد من الطقوس والأعياد الدينية مثل عيد الأوبت فى الكرنك والأقصر وقد تم تدوين ذلك بالتفصيل على جدران معبد الأقصر
الملك الذهبى كان من محبى الصيد
يروى د.زاهى حواس فى كتابه قصة حب الملك الصغير، للصيد فيقول: من الواضح أن الملك الذهبى كان من محبى الصيد حيث شيد العديد من الاستراحات فى مناطق عديدة، وتعلم الملك ركوب الخيل وقيادة العجلات الحربية التى دُفنت معه فى المقبرة، كما تدرب الملك فى صحراء منف، وتم الكشف عن استراحته الملكية 1920 بالجيزة جنوبى معبد الوادى الخاص بالملك "خفرع"، ويعتقد العديد من العلماء أن توت قد تدرب بمنف ويبدو أن الاستراحة ظلت مستخدمة منذ عهد الملك توت وحتى عهد الرعامسة على أقل تقدير.
ويكشف حواس عن تفاصيل مقبرته فى وادى الملوك فيقول: "نظرًا لصغر سن الملك توت عند وفاته، لم يستطع أن يبنى لنفسه مقبرة ضخمة فى وادى الملوك مثل ملوك مصر من قبله، ودُفن فى مقبرة صغيرة كانت مخصصة لأحد نبلاء البلاط الملكي، وفى أغلب الظن كانت مخصصة لآى وكان المشرف على المقبرة هو شخص يدعى معايا، وكان يحمل لقب أمين خزائن الملك توت والمشرف على تشييد الجبانة ولعب دورًا فى مراسم الجنازة وبناء المقبرة، بالإضافة إلى ضابط الجيش نخت مين، وعدد من كبار الموظفين وتم تجهيز جسد الملك توت للتحنيط فى سبعين يوما فى مكان يعرف باسم "بر نفر" أى البيت.
روايات اكتشاف المقبرة
ويكشف حواس فى كتابه الملك الذهبى: وجد العديد من الروايات المختلفة، عن اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، ووفقا لواحدة من تلك الروايات، فقد وصل كارتر إلى الحفائر فى الصباح الباكر، من يوم 4 نوفمبر، ووجد أن الجو فى الموقع متغير فالكل هادئ، لا أحد يغني، وتعلو نظرة من الترقب وجه كل فرد من أفراد العمل، وقد حفر الساقى حسين حفرة أبقى فيها جرات الماء، وجلس فوق درجة منحوتة فى الصخر، وفى هذا المكان فور أن نظف العمال بعض الرمال، وجدوا أنها بداية سلالم.
أمر كارتر رجاله بإزاحة المزيد من الرمال، فعثروا على منحدر مكون من 15 درجة، عرض كل درجة 1٫60م وعمقه 4م، وبعدها اشتغل كل الرجال والأولاد النهار كله، وعند المساء وجدوا أن السلالم تؤدى إلى مدخل مسدود بأحجار وملاط، وكان سطح الحائط كله والملاط مختوماً بختم الجبانة الملكية، وهو ابن آوى والأسرى التسعة، فى البداية اعتقد كارتر أن المقبرة أو (الخبيئة)، لأنه لم يكن متأكداً فى البداية ماذا تكون، لم يدخلها أحد، ولكن لاحظ بعدها منطقة فى الركن العلوى ليده اليسرى قد أعيد تبليطها وختمها، وهذا يشير إلى أن المقبرة تم دخولها من قبل، ولكن تم إعادة تأمينها منذ القدم، فربما تكون غير سليمة تماماً، ولكن ما زالت تحتوى على متاعٍ كثير .
أرسل كارتر تليغرافًا إلى اللورد كارنارفون قائلاً: (أخيرًا توصلنا إلى اكتشاف عظيم فى الوادي، مقبرة رائعة بأختام سليمة مكتشفة ومنتظرة وصولك، تهانينا)!!، وفى 23 نوفمبر جاء على الفور اللورد كارنارفون، وابنته السيدة إيفيلين هيربرت، واصلين إلى محطة الأقصر حيث قابلهما المحافظ وكارتر.
وفور وصول كارنارفون بدأت أعمال التنظيف فى الركن الشرقي، وكانت بئر السلم خالية وبعدها أصبح المدخل بأكمله واضحاً للعيان، ونزولاً إلى المنتصف، عُثر على العديد من طبعات الأختام التى تحمل اسم توت عنخ آمون، وفى 25 نوفمبر وقبل يوم واحد من الكشف العظيم، بدأ العمال فى إزالة ملاط الكتل الحجرية للمقبرة، وخلفها وجدوا ممراً منحوتا فى الصخر.
شارك فى أعمال الحفر عدد من العلماء والمصورين، ومنهم بيرتون رئيس المصورين الذى عمل سابقًا مع ثيودور ديفيز، والعالم آلان جاردن الذى كتب فى قواعد اللغة المصرية القديمة ويعد من كبار علماء البيولوجيا، وكذلك المؤرخ الأمريكى هنرى جيمس براستد الذى أصبح أول مدير لمدرسة شيكاغو بالأقصر . كما شارك المعلم الخاص لكارتر بيرسى نيويبرى، والأمريكيان والتر هاوسر وليندسى فوت هول.
استغرق تنظيف المقبرة حوالى عشر سنوات، واستُخدمت أدوات دقيقة للغاية. كما استُخدم جهاز تصوير متطور ليستطع كارتر تصوير الآثار ونقلها بحرص شديد، وكانت أشهر الصور تلك التى التقطها كارتر من أعلى حجرة الدفن . نزل المدخل بسلم إلى أسفل قليلًا باتجاه الحجرة الأمامية، وكانت جدران الدرج مزينة برسومات جميلة ذات ألوان قوية، وفى منتصف الدرج ثبت رقم (6×4×3) إشارة إلى قياسات الحجرة أمامه.
كانت المقبرة تتكون من عدة حجرات متصلة مثل معظم مقابر وادى الملوك، إذ يؤدى المدخل إلى الحجرة الأمامية ثم إلى حجرات جانبية. تبلغ مساحة حجرة الدفن حوالى (4×3×4.6) أمتار، ويوجد فى الجدار الشرقى منها مدخل يؤدى إلى حجرة تخزين تُعرف باسم «الحجرة السِكلن». ويبدو أن هذا لم يكن تصميم المقبرة الأصلى للملك، إذ يبدو أن التصميم الأصلى كان مخصصًا لمسارات وممرات أخرى، ولكنه عُدِّل على عجل.
لاحظ كارتر وجود آثار اقتحام قديم للمقبرة، مثل كسرات الدبش والأحجار المتساقطة، كما عثر على قطع مختلطة من الحجر والخشب والزجاج والخزف، بعضها من صناديق أثاث ملكى وبعضها قطع صغيرة من الفخار والزجاج، مما يؤكد دخول اللصوص للمقبرة قديمًا، وعثر أيضًا على رأس رائع من الحجر الجيرى للملك وكأنه يمثله كإله.
بلغ طول الممر حوالى ٧.٦ متر، وكان مليئًا بالأنقاض، ويؤدى إلى مدخل آخر مختوم بالطين يحمل أختام حراسة المقبرة، ما يدل على أن المقبرة فُتحت فى عصور قديمة وأُعيد غلقها رسميًا.. فى الساعة الرابعة عصرًا يوم 24 نوفمبر 1922، قام كارتر بفتح فجوة صغيرة فى المدخل الثاني، ونظر منها إلى الداخل بينما يقف اللورد كارنارفون بجواره. سأله اللورد: «هل ترى شيئًا؟» فأجابه كارتر بجملته الشهيرة : «نعم أشياء رائعة»! كانت القاعة تلمع بأضواء الذهب فى كل مكان، فى منظر لم يكن أحد يتوقعه منذ آلاف السنين.
وفى 29 نوفمبر 1922 تم افتتاح المقبرة رسميًا، وخلال السنوات العشر اللاحقة جرى توثيق ونقل أكثر من خمسة آلاف قطعة فنية منها، وهو عدد لم يتخيله أحد. كانت عملية إخراج الأثاث والعربات الملكية وغيرها دقيقة للغاية، وكان من أبرز مساعدى كارتر والتر ماس، كما ساعدهم الكيميائى الكبير ألفريد لوكاس الذى لعب دورًا مهمًا فى ترميم وحفظ القطع الأثرية حتى وفاته عام 1928.
تبلغ مساحة الحجرة الأمامية نحو 8 أمتار، وقد دخل إليها اللصوص وتركوا بداخلها قطعًا كثيرة مختلطة، مما صعّب على كارتر مهمة إخراجها، استغرق تنظيف ما بين 600 إلى 700 قطعة حوالى شهرين تقريبًا.
احتوت الحجرة على صناديق وكراسى وألعاب وبعض القطع الصغيرة المغطاة بأقمشة مزخرفة. كما وُجد صندوق صغير تحت سرير يصور اللبؤة يحتوى على الأوانى الكانوبية الخاصة بالملك، وهو الوحيد الذى بقى محفوظًا من العصور القديمة، كما وُجد صندوق آخر يحتوى على عصا استخدمها الملك الشاب، وظهرت على بعض الصناديق أسماء ملكية مثل نفر نفرو آتون ومريت آتون.
حجرة الدفن
وفى 17 فبراير 1923م أزال كارتر الكتل من المدخل، بين الحجرة الأمامية والحجرة الواقعة إلى الغرب، وقد وجد نفسه وجها لوجه مع مقصورة ذهبية ضخمة، يبلغ طولها 6.4 م وعرضها 4م، وقد ملأت الحجرة بأكملها، ولم يتبق حولها سوى مساحة صغيرة تقل عن المتر، وكانت المقصورة تشبه الجزء الخارجى من الدمية الروسية، وداخل المقصورة توجد ثلاثة نعوش أصغر من المقصورة، كلها من الخشب المطلى بالذهب، ومحاطة بتابوت كوارتزیتی مستطيل، مزخرف بأشكال لأربع إلهات مجنحات، وقد نشرن أجنحتهن لحماية الملك.
وفى 28 أكتوبر 1925، تم رفع غطاء التابوت، فظهر للمنقبين المندهشين القناع الذهبى الرائع والمطعم باللازورد، والعقيق الأحمر، الكوارتز، الأوبسيديان، الفيروز والزجاج الذى كان يعلو وجه المومياء، ويعد هذا القناع الجنائزى الذى يرتدى فيه الملك غطاء الرأس النمس. ومتوج بحية الكوبرا والإلهة العقاب، واللحية المجدولة المعقوفة الخاصة بالآلهة، والقلادة العريضة واحدة من أعظم قطع الفن المصري، وعلى الجزء الخلفى من القناع يوجد نقوش لنصوص دينية.
ويبدو أن الكهنة القدامى، قد قاموا بصب كمية كبيرة من الرانتنج على المومياء الملكية، مما تسبب للمومياء والقناع فى أن يلتصقا بالتابوت، وهذا جعل من الصعوبة فحص المومياء، وقد قام فريق التشريح المكون من دوجلاس ديرى، من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وصلاح بك حمدى من الإسكندرية، بفحص المومياء وتابوتها، وفى ١١ نوفمبر ١٩٢٥ بدأ فك اللفائف، الفريق وجد المومياء فى حالة سيئة مبدئيًا، نتيجة كثرة السوائل التى تم سكبها على المومياء بالإضافة لكثرة القطع التى تغطى المومياء.
وكان يوجد أكثر من ألف قطعة ملفوفة مع المومياء، غالبيتها من الذهب، وكما ذكرنا من قبل تشمل بعض التعاويذ، وعقودا من شتى الأنواع، وأساور وحليا لأصابع اليد والقدم.
وحول تفاصيل جنازة الملك الصغير، يقول حواس فى كتابه: "نرى تابوت الملك راقدا على سريـر كـانـوبـی، بداخل مقصورة فى طريقه، ليستقر على سطح قارب، فيتم سحبه على القارب، بواسطة حاشية الملك بمزلاج وبينما هم يسحبون القارب، يتكلم النبلاء ويقومون بتوديع الملك فى سلام إلى الغرب، وقد كتب أعلى مومياء الملك «الإله الطيب، سيد الأرضين، نب خبرورع، له الحياة للأبد» وقد حملت المقصورة الملكية والمومياء التى بداخله أشكالًا صـغــيــرة لإيزيس ونفتيس.
أما الحائط الغربى فهو أهم جدران المقبرة، أساس جوهر العقيدة. كان الغرب مكان العالم الآخر، المكان حيث تغرب الشمس عند الليل، لذلك يمكن إعادة ميلاده فى الصباح، وفى مقبرة توت عنخ آمون، وقد خصص هذا الحائط لفصل من كتاب ما هو موجود فى العالم الآخر (يسمى أحيانًا كتاب الموتى)، وفى الصف العلوى نرى قارب الشمس، يحمل خبرى الجعران الذى يمثل شروق الشمس، وقد أعطاه شكلين لأوزوريس الثناء والتقدير، ونرى أمام القارب خمسة آلهة واقفة، بينها الإلهة ماعت وحورس.
والحائط أسفل هذا الصف مقسم إلى 12 خانة، تحتوى كل خانة على قرد البابون، يمثل كل قرد إحدى ساعات الليل الاثنتى عشرة، ويجب على الملك أن يعبر خلال تلك الساعات الاثنتى عشرة التى تمتلئ بالمخاطر، قبل أن يبعث هو والشمس من جديد فى الصباح.
وعلى الحائط الشمالى لحجرة الدفن توجد ثلاثة مناظر، تظهره الأولى مرتديا التاج الأزرق، أو خوذة الحرب بصفته وريث العرش، وجلد الفهد الخاص بالكهنة، بصفته المؤدى طقس فتح الفم على المومياء الأوزيرية لتوت عنخ آمون، وكان هذا الطقس هو الذى يتم من خلاله تجهيز جسد الملك لاستقبال القرابين فى العالم الآخر، ويظهر المنظر التالى نوت، إلهة السماء مانحة، مثل حتحور، على الحائط الشرقى تحية النى نى، لشكل واقف لتوت عنخ آمون، ممسكًا بالصولجان والمقمعة وعلامة العنخ، ويعد النص الذى يعلو هذا المنظر الملك بالحياة الأبدية، أما آخر منظر على هذا الحائط، فهو يصور توت عنخ آمون مطوقا، من قبل أوزوريس، رب العالم الآخر، وخلف الملك نرى روحه المزدوجة أو الكا، ونرى بين ذراعيه علامة الكا، التى تعلو رأس هذا الشكل، الاسم الحورسى لتوت عنخ آمون (الثور القوى).
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
أعلنت وزارة التعليم العالى والبحث العلمي، عن خطة عاجلة للعام 2026، تتضمن إنشاء 17 جامعة تكنولوجية جديدة فى مختلف أنحاء...
السفيرة نائلة جبر: «أسيوط» تأتى على رأس المحافظات المصدرة للهجرة غير الشرعية السفير حداد الجوهري: «الخارجية» نجحت خلال الفترة الماضية...
أول مصرية تحقق ميدالية ذهبية فى اللعبة
عندما يغيب النور لا بد من البحث عن منفذ آخر للضوء، فالحياة لا تقف عند فقد حاسة من الحواس، فالإيقاع ...