أمينة رزق ويوسف بك وهبى ومصطفى النحاس كانوا أشهر زبائنه المحل متحف شاهد على الصناعة منذ أكثر من قرن
وسط ضجيج الباعة الجائلين وازدحام الشوارع بالمركبات، ورغم القبح والعشوائية التى قد تبدو على المكان؛ حيث التلوث السمعى والبصرى، هناك تحديدا يتواجد الجمال، شاخصا فى مكانه ليكون شاهد عيان، وسجلا تاريخيا يحكى حكاية مكان.
فى ميدان العتبة الصاخب، هناك محل يحمل رقم 3، عندما تدفع أحد أبوابه للدخول فيه، فكأنما ركبت "آلة الزمن" التى سوف تأخذك إلى أواخر القرن التاسع عشر، عندما فر "فرنسيس بابازيان" الأرمنى من الجيش العثمانى، وقفز فى مركب لا يعرف وجهته، ولكنه فوجئ بعد عدة أيام من إبحاره أنه فى مدينة "الإسكندرية".
وصل "بابازيان" الجد إلى القاهرة فى نهاية عام 1903 واستأجر محلا فى منطة "العتبة الخضراء" عندما كانت درة القاهرة، مقر محلات التجار الخواجات حسب التعريف فى ذلك الوقت؛ كصيدناوى، وشملا، عمر أفندى، وتم تصميم المحل على الطراز "الفرنسى" لتصليح "الساعات السويسرى".
المحل من الداخل تحفة فنية فى تصميماته العريقة، ومتحف قياسا لما يحويه بين جدرانه، من ساعات حائط وساعات جيب كانت فى زمانها أحدث ما وصلت إليه الصناعة السويسرية، الهدوء الذى يكتنف المكان يجعلك تنفصل عن العالم الخارجى وضجيجه، ولا يشغلك إلا صوت دقات وحركة البندول، وكأنك عدت إلى الوراء قرنا من الزمان، لم يعشه "بابازيان" لأنه الجيل الثالث، ولكنه ورث كل حكايات المحل التى رويت عنه كما ورث جدرانه ومحتوياته .
يقول بابازيان: "أصولى أرمينية، وأنا من الجيل الثالث الذى ورث المكان والمهنة، ولكنى مصرى حتى النخاع، أتحدث الأرمينية، التى تدرس فى الكتب، أما لهجتى فهى مصرية عامية صميمة، فأنا أفهم "النكتة" المصرية ولا أفهم "الأرمينية"، وعندما دخلت الجيش لأداء الخدمة العسكرية، كانوا يتهكمون على اسمى، الذى ليس مصريا.
ويضيف "بابازيان": المكان تغير طبعا، لكننا حافظنا على الطابع القديم للمحل والذى لم يتغير منذ إنشائه سنة 1903، وحرصنا على عدم المساس به، ما يجعلنى منفصلا عن ضوضاء المكان وعشوائية الباعة الجائلين، ومن يدخل يعش عبق المكان".
أما عن زوار المكان القدامى والحاليين فقال: "الحال بالتأكيد ليس كما كان، وكلما مر الزمن يتغير الحال، والاهتمامات، فالمحل منذ بداياته كان لا يتعامل إلا مع الساعات "السويسرى" لأنها تحمل قيمة، وتحتاج لدقة فى التعامل معها، وبعد سنوات حاليا اضطررنا لتصليح "اليابانى، والصينى" لأن الذوق تغير، وإمكانية شراء ساعة سويسرى الآن ليس سهلا، لكن رغم ذلك كل شىء ممتع ورائع، كما أننا مع ميراثنا للمهنة والمكان توارثنا الأبناء، والأحفاد الذين ورثوا ساعات أجدادهم ويقدرون قيمتها ومستمرون فى الحفاظ عليها، فهم زبائن دائمون للمكان، ومنهم من عاصر الجيل الثانى على أيام والدى، ويحكى لى حكايات، فالمكان بالنسبة لى أو للزبائن ليس تاريخ عمر الساعات، ولكنه تاريخ إنسانى، يضمه المحل كما أنه معلق على الحوائط".
أما عن أشهر زبائن المحل فيقول: "طبعا كان الوزراء فى العصر الملكى، لكن نادرا ما ياتى أحد منهم للمحل، فكان يرسل الساعة مع السائق، أو السكرتير لتصليحها، وكنا نعرف صاحبها، فؤاد باشا سراج الدين، والنحاس باشا، ويوسف بك وهبى وأمينة رزق كانا يأتيان للمحل لأنهما كانا يعملان بجوارنا فى المسرح القومى ليصلحا ساعاتهما، لكن الأجيال الجديدة فالكثير منها لا يهتم بالساعات، الاهتمام أصبح باقتناء الموبايل، إلا من ورثوا من أجدادهم ساعات قيمة ويداومون على الحفاظ عليها، ويأتى للمحل زبائن من أنحاء العالم لتصليح ساعاتهم القديمة للشهرة العالمية، والأسعار ليست غالية بالمقارنة بأماكن أخرى، والدقة هى أهم شىء فى هذه المهنة، ولذلك لا أستطيع فتح فروع أخرى باسم المحل، لأنه سوف يتطلب وجودى فيه، وسيأتى مكان على حساب الآخر فأفقد مصداقيتى".
المكان الذى يوجد فيه المحل يطلق عليه "ممر الساعات" وأعتقد أنهم جاءوا للمكان لشهرة "بابازيان" وتأسيسه لهذه المهنة، حتى أصبح سوقا رائجا لكل أنواع الساعات، ولكل باحث عن بداية مشروع للتجارة فى الساعات فالبداية من هنا من هذا "الممر".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
أعلنت وزارة التعليم العالى والبحث العلمي، عن خطة عاجلة للعام 2026، تتضمن إنشاء 17 جامعة تكنولوجية جديدة فى مختلف أنحاء...
السفيرة نائلة جبر: «أسيوط» تأتى على رأس المحافظات المصدرة للهجرة غير الشرعية السفير حداد الجوهري: «الخارجية» نجحت خلال الفترة الماضية...
أول مصرية تحقق ميدالية ذهبية فى اللعبة
عندما يغيب النور لا بد من البحث عن منفذ آخر للضوء، فالحياة لا تقف عند فقد حاسة من الحواس، فالإيقاع ...