المناسبات.. فرحة الأسرة وعبئها الكبير

تتوالى المناسبات، وتجد الأسرة المصرية البسيطة نفسها مطالبة بالوفاء بأعباء كثيرة اضافية .. ما يضعها أمام تحديات مالية مرهقة ..

 فها هو موسم العودة إلى المدارس بما يحمله من مستلزمات وأقساط يتزامن هذا العام مع أكثر من مناسبة. أبرزها اقتراب شهر رمضان المبارك. وكلها مناسبات تتطلب مصاريف إضافية يصعب تأجيلها أو التغاضى عنها، فتزامن هذه المناسبات في فترة زمنية قصيرة وضع الأسر ذات الدخل المحدود - بل وحتى تلك المتوسطة - في اختبار قاس من نوع خاص تتشابك فيه الأعباء الاقتصادية مع الضغوط النفسية والاجتماعية...

في هذا التحقيق لبحث عن حلول إيجابية وواقعية تساعد الأمر على إدارة هذه الالتزامات المالية دون أن تتكبد المزيد من الأعباء.. لا سيما وأن البيانات الاقتصادية الأخيرة تحمل بارقة أمل في الفراج تدريجي للأزمة وتظهر مؤشرات مشجعة على بدء انحسار موجة الغلاء ما يفتح الباب أمام توقعات بتحسن تدريجي في الأداء الاقتصادي وتخفيف الضغوط عن كاهل المواطنين.

فيحسب أحدث بيانات رسمية فإن التضخم السنوى في مصر بدأ يتراجع تدريجيا إذ بلغ ١٤,٩ في يوليو ٢٠٢٥ وتراجع أكثر إلى ۱۳۰۹٪ في يوليو بعد أن كان عند ٣٨٪ في سبتمبر ۲۰۲۳ ما يشير إلى تباطؤ في وتيرة الغلاء وإن كان لا يزال بالغ الارتفاع...

وتوقع خبراء اقتصاديين في استطلاع أجرته "رويترز" أبريل ٢٠٢٥ انخفاض التضخم إلى نحو ۱۲٫۲٪ في العام المقبل (٣٦/٢٠٢٥) مع استمرار تأثير الإصلاحات الاقتصادية وبرنامج صندوق النقد الدولي.

تقول فاطمة الزهراء - موظفة وأم لثلاثة أبناء أحرص على التخطيط المالي المسبق، فمع بداية كل عام أخصص جزءا من دخلى الشهري لتكاليف المناسبات التي أعلم أنها ستأتي في وقت متقارب، مثل شهر رمضان والعيد أو بداية الدراسة والمولد النبوي إذ اعتمد على جدول مصروفات محدد واقوم بشراء الاحتياجات الأساسية قبل فترة من الموسم لتجنب ارتفاع الأسعار.

وأتابع كذلك العروض والخصومات التي تطرحها المحلات التجارية قبل المناسبات لتخفيف العبء المالي.

حلول بسيطة

ويقول خالد حسين محامي في مثل هذه الفترات من العام أجد نفسي مضطرا إلى اللجوء للجمعيات الشهرية أو تقسيط مشترياتي عبر بطاقة الائتمان خاصة مع تراكم الالتزامات مثل رسوم المدارس بنفس توقيت دخول أحد المواسم أو الأعياد، فيرغم أنى لا أميل إلى الاستدانة بطبيعتي لكنني أرى أن توزيع المدفوعات على عدة أشهر هو الخيار الأكثر منطقية وواقعية خصوصا في ظل تزايد الأعباء المالية بدلا من تحملها دفعة واحدة.

بينما ترى أم سارة ربة منزل أن تحديد الأولويات أمر بالغ الأهمية فليس من الضروري شراء ملابس جديدة لكل مناسبة أو تكرار أساليب الاحتفال ذاتها كل عام... فالاحتفال البسيط داخل المنزل كاف لإدخال الفرحعلى قلوب الأطفال، كما أنه يتيح فرصة الادخار المال استعدادا لبداية العام الدراسي... وتؤكد أن التعويض لا يكون دائما ماديا، فالمعنى الحقيقي للاحتفال يكمن في المشاركة والدفء العائلي

دخل إضافي

ویری محمد ابراهيم الذي يعمل في مجال التجارة الإلكترونية إنه عند تزامن عدة مناسبات أو ارتفاع النفقات يسعى إلى تأمين دخل إضافي مؤقت سواء من خلال توصيل الطلبات أو بيع منتجات موسمية عبر الإنترنت، ويؤكد أن هذا العمل الإضافي يساعده بشكل كبير في تغطية المصاريف الطارئة وتخفيف الأعباء المالية.

وتعتمد منى أحمد - سكرتيرة - وسيلة أخرى فتقول

أحيانا نضطر كعائلة للاعتماد على دعم الأقارب خاصة في المواسم التي تزداد فيها المصاريف، مثل دخول المدارس مع المواسم أو الأعياد، ففى مثل هذه الفترات يكون التعاون بيننا مهما سواء من خلال الاقتراض بشكل ودي أو بشراء المستلزمات بالجملة وتقسيمها بيننا... بصراحة التكافل الأسرى يلعب دورا كبيرا في مساعدتنا على تجاوز هذه الأوقات الصعبة وتخفيف العبء العالي كما أقوم أحيانا بادخار جزء بسيط من مصروف البيت اسبوعيا تحسبا لأي طارئ، فهذا المبلغ غالبا ما يكون طوق النجاة عندما تتزاحم المناسبات وتتزايد النفقات حتى وإن كان المبلغ صغيرا إلا أن تراكمه على مدار العام يحدث فارقا.

تقشف مؤقت

أما "ياسر على" صاحب سوبر ماركت فيرى أن بعض الأسر تلجأ أحيانا إلى التقشف المؤقت لشهر أو شهرين حيث تقلل من المصروفات وتعتمد بشكل أكبر على الطعام المنزلي ويقول: من المهم في مثل هذه الحالات أن تشرح لأبنائنا طبيعة الوضع حتى يدركوا الظروف التي تمر بها.. ففرس الوعي لديهم جزء أساسي من التربية وتفهمهم يسهم بشكل كبير في تجاوز الأسرة لتلك المرحلة الصعبة بروح من التعاون والتفاهم.

وتقول سارة مصطفى طالبة جامعية: "أحرص على مساندة أسرتي بكل ما استطيع فأعمل خلال العطلات وفي مواسم رمضان والأعياد في المحال التجارية، كما أحاول تقليل طلباتي الشخصية، واستخدم ما أملكه بدلا من شراء الجديد الأشعر بأنني أساهم في تخفيف العبء المادي عن عائلتي.

أما كريم على صاحب مشروع صغير لبيع الإكسسوارات عبر الإنترنت فيقول: أحرص دائما على تنويع وتحسين المنتجات التي أقدمها بما يتناسب مع كل موسم، فعلى سبيل المثال في بداية العام الدراسي أركز على توفير الأدوات المكتبية التي يحتاجها الطلاب بينما خلال شهر رمضان ابتكر وأعرض ديكورات رمضانية مميزة تناسب الأجواء الاحتفالية هذه الأرباح الموسمية تلعب دورا أساسيا في تغطية مصاريفي المالية مثل الإيجار وأقساط الدراسة مما يجعل استمراري في المشروع أمرا مهما جدا بالنسبة لي.

خطوة أولى نحو التوازن

يشير الدكتور أكرم رضا الخبير في الشئون الأسرية والتربوية إلى أن الديون في البيوت المصرية شهدت ارتفاعا ملحوظا نتيجة التسهيلات والإغراءات المرتبطة بالقروض البنكية الشخصية الاستهلاكية، والتي تشمل بطاقات الفيزا التي تتيح التسوق بمبالغ تتجاوز دخل الأسرة وهو ما أدى إلى تراكم الأعباء المالية على الأزواج والزوجات وزاد من صعوبة السداد، ويقول: إن النزعة الاستهلاكية المرتفعة التي تميز الكثير من الأسر المصرية اسهمت بشكل كبير في هذا التورط حيث وجد كثيرون أنفسهم مثقلين بديون لا يدركون كيف أو متى أو حتى لماذا اقترضوها بل إن البعض لا يعلم كيف يخرج منها.

وفيما يتعلق بالاستقرار العادي للأسرة يؤكد الدكتور "رضا" أهمية الحوار بين الزوجين حول أفكارهما ومشاريعهما وخططهما للسنة القادمة، مشيرا إلى أن بعض الأزواج يفضلون التفكير بصمت ووضع الخطط والتنفيذ بعيدا عن الزوجة إما لعدم الثقة في وعيها أو خوفا من ردة فعلها في حال الفشل، وهو ما يؤدى إلى شعورها بالتهميش وزيادة طلباتها الأمر الذي يفاقم الضغوط المالية

ويرى أن الجلوس المناقشة والمصارحة يمثل خطوة أساسية نحو التوازن المادى للأسرة، كما ليه إلى خطورة إخفاء الزوج للدخل الحقيقي عن زوجته لأن ذلك قد يسبب مشكلات كبيرة في حال شعرت الزوجة بذلك. حيث تبدأ في الضغط . عليه ماديا اعتقادا بأنه يخفى أمواله لهدف معين مما يسهم في تضاعف الديون ويزيد من الأعباء.

ويضيف: من المهم أيضا أن يصارح الوالدان أبناءهم بحدود الدخل، حتى لا يمارس الأبناء ضغوطا زائدة خاصة على الأم التي تستجيب في كثير من الأحيان لمطالبهم، حيث تداثر بمقارنات مع الأقارب أو الزملاء فضلا عن الإتفاق الزائد على الوجبات السريعة والمشروبات الغازية التي تستنزف جانبا كبيرا من الميزانية، وعن القواعد الإيمانية التي تسهم في زيادة الرزق أشار الدكتور رضا إلى ضرورة التمسك بالتقوى وحسن التوكل على الله والاستغفار الذي يعد من أهم أسباب الفرج وتيسير الأمور إلى جانب بر الوالدين وصلة الرحم التي تعد من أبرز مفاتيح البركة في الرزق، كما أكد أهمية المحافظة على الصلاة والتكبير والشكر والصدقة باعتبارها سيلا روحية وعملية لتعزيز البركة في المال محذرا في الوقت نفسه من الممارسات التي تقلل الرزق

كما أوضحت دكتورة صفاء إسماعيل - أستاذ علم النفس الاجتماعي ورئيس قسم علم النفس بجامعة القاهرة، أن كل أسرة تمر بمراحل حياتية تتطلب موازنة مالية متجددة، فعند قدوم مولود جديد تحتاج الأسرة إلى تخصيص ميزانية خاصة، وكذلك مع دخول الأبناء إلى المدارس تزداد المصاريف، ومع تغير الفصول تفصل الشتاء تظهر حاجة اشراء الملابس والمستلزمات الجديدة، والمشكلة الأساسية التي تواجه كثيرا من الأسر في مجتمعاتنا هي غياب ثقافة كتابة الميزانية وعدم توثيق المصاريف في دفتر خاص، حيث يعتمد كثيرون على الإتفاق بشكل عفوي وإذا ما نفذت الأموال يتجهون مباشرة إلى القروض أو السحب باستخدام البطاقات الائتمانية مما يؤدى إلى تراكم الديون ودخول الأسر في دائرة الفقر.. فكتابة الميزانية تسهم بشكل كبير في تحقيق الاستقرار المالي، حيث تتيح للزوجين فرصة الادخار وتشكل وسيلة جيدة التخطيط للمستقبل، كما تقلل من المفاجات غير المتوقعة في حالات الطوارئ وتساعد في اتخاذ قرارات مالية مدروسة، فقد تواجه الأسرة مشروعين وترغب في المشاركة في كليهما. وهنا يأتي دور الميزانية في تحديد الأولويات وتوجيه القرار نحو الخيار الأنسب، وتشير إسماعيل إلى أهمية تسجيل الإيرادات والمصروفات بدقة على أن تشمل بنودا رئيسية مثل الطعام والأقساط الشهرية سواء كانت للسيارة أو السكن أو الجمعيات التعاونية ومصروفات الأولاد والزوجين، وكذاك فواتير الخدمات من كهرباء وماء واتصالات، ويتم تسجيل هذه البيانات بشكل أسبوعى وفق حجم الدخل المتاح، ويتم الالتزام بالصرف ضمن حدود الميزانية دون تجاوز عند استلام الراتب فيتم تقسيم المبلغ ووضعه في أظرف مخصصة لكل بند بشكل أسبوعي.

كما تنصح بأن تتعامل الزوجة بذكاء في الاستفادة من مواسم العروض والتخفيضات الشراء الاحتياجات الأساسية مثل الملابس، ورغم التزام الزوجين بالميزانية قد نظرا ظروف استثنائية تضطرهما للجوء إلى الاقتراض، وهذا توصى إسماعيل بالتفكير مليا قبل اتخاذ هذه الخطوة من خلال طرح عدة أسئلة ضرورية. وهي هل الأمر الذي ستقترض لأجله ضروري للغاية، هل توقيت الاقتراض مناسب ولا توجد التزامات مالية أخرى قائمة، هل سيتسبب القرض في عبء على الميزانية، وما هو نوع التأثير المتوقع ما هي القرارات التي سنتخذها الضمان سداد الدين، وما هي النفقات التي سنستانتي عنها خلال فترة السداد، وكم من الوقت سنحتاج لتسديد كامل المبلغ ؟

خاص - مجلة الاذاعة والتليفزيون

خاص - مجلة الاذاعة والتليفزيون

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

حي الحسين ..هنا عاصمة تجارة السبح في شهر رمضان

مع حلول شهر رمضان، يقبل كثير من المصريين على شراء السًبح لاستخدامها في الذكر والتسبيح، أو لتقديمها كهدايا رمضانية مميزة...

مى حسن صاحبة مبادرة «حلة وصل»: الطبخ ونس ولغة مشتركة يفهمها الجميع

هو المكان الذي تشعر فيه المرأة دوما بأنها الملكة، يوما بعد يوم، يبوح المطبخ لها بأسراره - ولم لا -...

رمضان.. الثمرة المحرمة على مرضى القلب

كثير من مرضى القلب يتمنون التمكن من صيام الشهر كاملا، رغم ما يعانون منه ويقف بمعزل عن تحقيق غايتهم، لذا...

الإضاءة.. سمة كل الأديان

من أهم طقوس الاحتفاء بشهر رمضان المبارك لم يكن الاحتفاء بالضوء والنور مقتصراً على المسلمين والأقباط


مقالات

كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م
مقياس النيل
  • الجمعة، 06 مارس 2026 09:00 ص