مواجهة بين المستأجرين والملاك حول قانون الإيجارات الجديد

الإذاعة والتليفزيون تواصل فتح القضية

فى مناقشة موسعة تعكس حجم الجدل المجتمعي، تناولت مجلة "الإذاعة والتليفزيون" الصراع المتصاعد بين الملاك والمستأجرين حول مشروع قانون الإيجارات القديمة، الذى أثار حالة من الانقسام بين طرفين يتنازعان على ما يعتبره كل منهما حقاً مشروعاً وبينما تؤكد الحكومة على حيادها وحرصها على الحفاظ على السلم الاجتماعي، يتمسك الملاك برفع الظلم التاريخى الواقع عليهم، فى حين يرى المستأجرون أن التعديلات المقترحة تُهدد استقرارهم الاجتماعى والاقتصادي.

أكد مصطفى عبد الرحمن، رئيس ائتلاف ملاك العقارات القديمة، أن مشروع القانون الحكومى المقترح بشأن العلاقة الإيجارية للعقارات القديمة لا يزال يتضمن العديد من النقاط الخلافية الجوهرية التى لا تُنصف الملاك ولا تحقق مبدأ العدالة الاجتماعية، مضيفًا  أنه فى جلسة الاستماع التى عقدتها لجنة الإسكان بمجلس النواب يوم الأحد 11 مايو 2025، وعدد من أعضاء البرلمان، أكدنا فيها هذا الكلام.

وأوضح عبد الرحمن أن الائتلاف تلقى دعوة رسمية من مجلس النواب لحضور الجلسة، حيث بدأت بكلمة افتتاحية للدكتور عطية الفيومي، رئيس لجنة الإسكان، ثم طلب منه الحديث كممثل عن الملاك، حيث مُنح عشر دقائق لعرض مطالبهم، والعشر دقائق كانت جيدة من حيث الشكل، لكن الحقيقة أن مشكلات الملاك لا يمكن اختصارها فى دقائق. نحن نحمل إرثًا من المعاناة المستمرة منذ عقود، ونتحدث عن عقارات تُدار بعقود مجحفة لا تواكب الواقع الاقتصادى أو الاجتماعي، ولا تراعى حقوق الطرف الأضعف فى المعادلة وهو المالك".

وانتقد مصطفى عبد الرحمن المهلة التى نص عليها المشروع الحكومى لتحرير العلاقة الإيجارية، والمحددة بخمس سنوات، معتبرًا أنها فترة طويلة وغير مبررة، وتؤجل حل الأزمة وتفاقم معاناة الملاك، ونحن نسأل، لماذا 5 سنوات؟ لماذا ننتظر هذا الوقت فى حين أن الوضع قابل للحل الفورى إذا وُجدت إرادة حقيقية؟ يجب أن تكون العقود محددة المدة، ولا تزيد عن ثلاث سنوات، وبعدها يُترك الطرفان لتحديد العلاقة على أسس تعاقدية حرة وعادلة".

كما انتقد رئيس الائتلاف أيضًا الحد الأدنى المقترح فى مشروع القانون، وهو 1000 جنيه للوحدة السكنية، قائلًا: هذا المبلغ لا يكفى حتى لصيانة سلم عمارة قديمة. نحن نطالب برفع الحد الأدنى للإيجار ليكون 2000 جنيه فى المناطق الشعبية، و4000 فى المناطق المتوسطة، و8000 فى المناطق الراقية. نحن لا نبالغ، بل نتحدث عن أرقام تُناسب السوق وتُمكن المالك من الحفاظ على العقار وصيانته.

وفى ما يتعلق بالإيجارات التجارية، أبدى عبد الرحمن اعتراضه على آلية التقييم التى نص عليها القانون الحكومي، والتى تقضى برفع الإيجار إلى خمسة أضعاف القيمة الحالية، وما فائدة خمسة أضعاف إذا كان الإيجار الحالى 30 جنيهًا؟ نحن لدينا محلات تؤجر بـ30 جنيهًا وتُحقق أرباحًا تفوق 150 ألف جنيه شهريًا، نطالب بوضع حد أدنى 5000 جنيه للمحال التجارية، بما يراعى طبيعة النشاط التجارى الذى يُدر أرباحًا كبيرة يوميًا".

واستنكر مصطفى عبد الرحمن استمرار تحميل الملاك مسؤولية اجتماعية على حساب حقوقهم، متسائلًا: من قال إن المواطن البسيط يجب أن يدعم تاجرًا أو مستأجرًا؟ الدولة هى المسؤولة عن دعم محدودى الدخل، لا أن يُترك المالك لعقود يدعم المستأجرين من قوته، نطالب الدولة، بصفتها الضامنة، أن توفر سكنًا بديلًا أو دعمًا ماليًا لمن لا يستطيع.

وفى حال رفض البرلمان تمرير مشروع القانون، أكد مصطفى عبد الرحمن أن الملاك سيتجهون إلى المسار القضائى للمطالبة بتحصيل القيمة السوقية العادلة للعقارات، وسنرفع دعاوى أمام المحاكم كلٌ حسب منطقته. وسنُطالب بقيمة إيجارية عادلة، وفقًا لتقديرات الخبراء العقاريين. لن نسكت بعد الآن على هذا الظلم، وإذا أُغلق باب التشريع فباب القضاء مفتوح.

وردًا على سؤال حول ما إذا كان مشروع القانون قد يُهدد السلم الاجتماعي، أجاب مصطفى عبد الرحمن بالنفى القاطع، معتبرًا أن هذه المخاوف تُضخم عبر وسائل التواصل الاجتماعى فقط، "الدولة سبق وأن تعاملت مع ملفات أكثر حساسية كالأراضى الزراعية وتعديات البناء. الموضوع بسيط، والإرادة السياسية موجودة، الدولة ملتزمة دستوريًا بتوفير سكن بديل أو دعم إيجاري. لا توجد أزمة على الأرض، بل هناك تحريض على منصات التواصل الاجتماعى فقط".

وشدد مصطفى عبد الرحمن على أن الجهة الوحيدة المخولة بالتفاوض هى الحكومة، وليس المستأجرين، قائلًا: "نحن لا نسعى إلى صدام مع المستأجرين، ولكن التفاوض معهم لن يُجدي، فهم ليسوا أصحاب قرار. نطالب بحوار مباشر ومنظم بين ممثلى الملاك والحكومة، ومشاركة أعضاء البرلمان، للاتفاق على صيغة عادلة تُنهى الأزمة.

وشدد مصطفى عبد الرحمن على عدم وجود شبهة عدم دستورية فى استمرار العقود غير محددة المدة، والتى عطلت مبدأ "العقد شريعة المتعاقدين"، وقال: "المادة 18 من قانون 136 لسنة 1981 أوقفت العمل بمبدأ التعاقد الحر، ونحن نطالب بإعادة النظر فى هذه المادة، ومراجعتها دستوريًا، بما يُعيد للمواطن المالك حقه فى التعاقد الحر دون قيود".

وأكد مصطفى عبد الرحمن أن الائتلاف سيواصل تحركاته القانونية حتى تتحقق العدالة المنشودة، وأن الملاك لن يقبلوا باستمرار هذا الوضع الاستثنائى بعد اليوم، قائلًا: "نحن لا نطالب بالمستحيل، بل نطالب بحقنا الذى كفلته لنا الدساتير والشرائع.

من جانبه قال شريف الجعار، رئيس اتحاد مستأجرى مصر، نحن فى دولة قانون، دولة مؤسسات، والحديث عن الإيجارات القديمة لا يمكن فصله عن أحكام القضاء المصري، لاسيما المحكمة الدستورية العليا، التى أصدرت سلسلة من الأحكام النهائية الملزمة التى فصلت فى هذه المسألة. فقد أصدرت المحكمة أكثر من 40 حكمًا بشأن الامتداد القانوني، وكان الحكم الأبرز فى 1995، واستُكمل مؤخرًا بحكم صدر فى 9 نوفمبر الماضي، جميعها أكدت أن الامتداد القانونى لعقود الإيجار القديمة لا يجوز إلا لورثة المستأجر الأصلى من الدرجة الأولى، ولمرة واحدة فقط.

وأضاف شريف الجعار أن هذا الحكم ليس رأيًا فنيًا أو اجتهادًا فقهياً، بل هو حكم نهائى بات وملزم، صادِر عن أعلى محكمة فى الدولة، والتى تُعد محكمة قانون، لا تضع تشريعًا بل تفسره وتحدد مدى دستوريته. وبالتالي، فإن أى محاولة للالتفاف على هذا الحكم عبر قانون يخالفه، هو اعتداء على الدستور ذاته.

وتابع شريف الجعار موضحًا الأثر المجتمعى لهذه الأحكام، فالناس فى الشارع فاهمة كويس جدًا أن الأحكام دى حسمت الموضوع. العامل، الحرفي، الحلاق، البواب، كلهم عارفين إن فى حكم قضائى نهائى بيحمى وجودهم فى مساكنهم، يمكن مش عارفين إذا كان الحكم دستورى أو مدنى أو استئناف، لكنهم فاهمين إن المحكمة قالت كلمتها، وإن حقوقهم سارية بحكم القضاء. واللى حصل إننا انتقلنا من حالة الغموض إلى اليقين القضائي.

وانتقد رئيس اتحاد المستأجرين ما وصفه بـ"الازدواجية" فى المعايير بين الوحدات السكنية والتجارية قائلاً: لا أفهم كيف يمكن أن يُطرح مشروع قانون يضع معايير قاسية جدًا على المستأجر السكني، فى حين يُسمح للأماكن التجارية بتحقيق مكاسب مضاعفة دون رقابة كافية. يتم حساب القيمة الإيجارية على الوحدات التجارية بما يعادل خمس أضعاف السكنية! هل هذا عدل؟ المحكمة الدستورية قالت صراحة إنه يجوز للمشرع التدخل فى تحديد الأجرة، لكنها أكدت أن الامتداد القانونى خارج صلاحية المشرع. وبالتالي، فلا يجوز الخلط بين الحق فى تحديد القيمة والحق فى الإقامة.

وانتقد شريف الجعار ما وصفه بـ"حالة من التضليل الإعلامي" التى تصاحب مناقشات هذا القانون، قائلاً: "ما يُقدَّم فى بعض وسائل الإعلام للمجتمع على أنه تفسير للحكم الدستورى لا يمت للحقيقة بصلة، فى الصفحة رقم 12 من الحكم الصادر فى 9 نوفمبر الماضي، قالت المحكمة بوضوح إن الامتداد القانونى محكوم بنطاق واضح ومحدد، ولا يجوز للمشرع توسيعه أو تقليصه، ومع ذلك، نسمع من يزعم أن المحكمة أعطت الضوء الأخضر لوضع  قيمة إيجار مطلقة، وهذه مغالطات تنذر بخطر كبير على السلم المجتمعي."

وتطرق شريف الجعار إلى الأثر الاجتماعى المحتمل فى حال تمرير مشروع القانون بصيغته الحالية، قائلاً كيف ستتعامل الدولة مع أصحاب المعاشات؟ ماذا عن من يتقاضون معاش «تكافل وكرامة»؟ هؤلاء يعيشون فى مساكن قديمة يدفعون إيجارات رمزية لأنها المأوى الوحيد لهم. هل سيُطلب منهم فجأة دفع إيجارات السوق الحر؟ هل سيوفر لهم صندوق الإسكان الاجتماعى بدائل؟ هل من المعقول أن نلقى بأعباء كهذه على فئات هشّة أساسًا؟.

وأضاف: "أى قانون يتجاهل الفروق بين المناطق الشعبية والمناطق الراقية، أو يتعامل مع مساكن مبنية فى الخمسينيات كما لو كانت أبراجًا فى العاصمة الإدارية، هو قانون جائر، المطلوب الآن هو التفكير بعقلية تراعى البعد الاجتماعى والتاريخى والسكنى لكل حالة.

وعن موقف الحكومة من مشروع القانون، قال شريف الجعار: "الحكومة اليوم واقعة تحت ضغوط هائلة، خاصة من قِبَل مجموعات من الملاك الجدد، وبعض الشركات العقارية ذات النفوذ، واللى بتمثل مصالح ضخمة، وهؤلاء لهم صوت عالٍ، وأحيانًا أيادٍ خفية، تُحرك المشهد بشكل خطير. الحكومة بلا شك مبتلاة، لكنها يجب أن تصغى أيضًا لصوت الشارع.

وأكد أن الحكومة اختارت إحالة المشروع للبرلمان، وهذا من حقها، لكن البرلمان أمامه مسؤولية تاريخية، فالبرلمان هو صاحب الكلمة الآن، وعليه واجب التدقيق والدراسة والتمحيص، والاستماع لكل الآراء، وألا يتعجل تمرير قانون بهذه الخطورة دون ضمان العدالة الدستورية والاجتماعية، وإذا رفض البرلمان المشروع، فإن الحل الطبيعى هو الالتزام بالحكم القضائى وتنفيذه عبر المحاكم العادية دون قوانين تُلبس العباءة القانونية لانحياز اجتماعى واضح."

وشدد شريف الجعار أن الحل الوحيد هو احترام الأحكام القضائية النهائية، وتطبيقها بكل وضوح، ودون أى تحايل تشريعي. نحن مع دولة القانون، ومع البرلمان، لكننا فى ذات الوقت نحذر أن أى خروج عن نصوص المحكمة الدستورية هو تفكيك للسلم المجتمعي، وفتح لباب الفوضى القانونية."

رشا حافظ

رشا حافظ

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مطالب بحزمة حكومية خاصة لحماية الفئات المتضررة من قانون الإيجار القديم
«روشتة» تفكيك ألغام قانون الإيجار القديم
ايجار

المزيد من تحقيقات

مطالب بحزمة حكومية خاصة لحماية الفئات المتضررة من قانون الإيجار القديم

النائب إيهاب منصور: التطبيق العملى يواجه مشكلات تخص الفئات غير القادرة ماليًا

السكر.. والطريق إلى صيام آمن

ينتظر الناس الشهر الفضيل للصيام والتقرب إلى الله، ومن بين هؤلاء أصحاب الأمراض خاصة المزمنة، وبعضهم يخاطر بنفسه من أجل...

حكايات الياميش من أول «فطار» لآخر يوم صيام

في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى...

أغانٍ وفوانيس وزينات.. رمضان فى الحارة زمان

لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م