فى تقرير لمركز « دعم واتخاذ القرار»..التاريخ المنسى ل «موائدالإفطار الجماعى

يحدث أحيانا أن تقرأ خبرا طريفا حول تسجيل المصريين رقما قياسيا جديدا ضمن موسوعة جينيس بتنظيمهم لأضخم مائدة إفطار فى التاريخ.. هذا ما حدث مثلا قبل سنوات حين بلغ طول إحدى الموائد أكثر من 3000 متر بما يكفى لاستيعاب سبعة آلاف صائم !!

 

سنة بعد أخرى، يتنافس المصريون فى تنظيم تلك الموائد بدافع من فطرتهم السليمة لا لكى يحطموا الأرقام، ولكن لكى يرسوا معنى التكافل الاجتماعى، حتى صارت تلك الموائد طقسا رمضانيا يجمع الأغنياء والفقراء على حد سواء.. ولنا في الذاكرة القريبة أسوة حسنة في الإفطار الجماعي بحي المطرية والذي شهد إقبالا يزيد عن عشرة آلاف صائم يوميا. بينما أشارت إحصائية صدرت قبل بضع سنوات عن جامعة الأزهر أكدت أن عدد المستفيدين من موائد التراحم تجاوز الثلاثة ملايين إنسان.

كل ذلك يستدعى السؤال عن جذور تلك الموائد منابعها الدينية.. وتطورها فى الحياة المصرية على مدى شهر رمضان.. وفي ذلك تقرير سابق صدر عن مركز دعم واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء.

في البداية يشير التقرير إلى تعدد الروايات حول نشأة "موائد الرحمن" لدى المؤرخين، فهناك من يرجعها إلى العهد النبوي، حيث قدم على الرسول (ص) وفد من الطائف ليعلنوا إسلامهم، فكان يرسل لهم طعام الإفطار والسحور، واقتدى به الخلفاء الراشدون حتى أسس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب" دارا لإفطار الصائمين باسم "دار الضيافة".

أما عن مصطلح مائدة الرحمن"، فقد ظهر بكثرة في عهد الدولة الأموية، مرتبطا بشيخ الإسلام، الليث بن سعد بن عبد الرحمن"، الفقيه المصرى الشهير، فقد كان محبا لعمل الخير، وكان يساعد الفقراء والمساكين، كما أنه كان دائم القيام بإعداد موائد طعام خارج منزله للفقراء وعابري السبيل، وهنا جاء المسمى الحقيقي للمائدة على اسم جده عبد الرحمن".

وبحسب التقرير، تجمع المصادر التاريخية على أن موائد الرحمن في شكلها الحديث بدأت في عهد الأمير أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية، قبل ألف ومائة عام تقريبا، حينما دخل مصر يوم السابع من شهر رمضان المبارك، وقام بالاستقلال عن الخلافة العباسية.

قرر "أحمد بن طولون التقرب من شعب مصر، فقام بإعداد وليمة كبرى للتجار والأعيان، بل وأمرهم بفتحمنازلهم، ومد موائدهم لإطعام الفقراء، فكانت هذه الوليمة هي البداية الحقيقية لفكرة موائد الرحمن في مصر، حتى أصبحت معلمًا مصريا رمضانيا، ثم عربيا وإسلاميا.

بعد أقل من قرن، وتحديدا عام ۹۷۲ م، وعقب دخول الخليفة المعز لدين الله الفاطمى" مصر، في شهر رمضان قرر هو الآخر أن يقيم الولائم والموائد الرمضانية لشعب مصر، فكان يأمر الحكام وكبار رجال الدولة والتجار والأعيان، بعمل تلك الموائد، وأطلق عليها أسم "سماط الخليفة".

يعد الخليفة المعز لدين الله" الفاطمي، أول من وضع تقليد الإكثار من المآدب الخيرية، وهو أول من أقام مائدة في شهر رمضان، يفطر عليها أهل الجامع العتيق عمرو بن العاص"، وكان يخرج من قصره ۱۱۰۰ قدر من جميع ألوان الطعام، لتوزع على الفقراء.

أما في عصر المماليك والعثمانيين فقد تراجعت "موائد الرحمن" التي كانت تعرف وقتها بـ "دار الفطرة" بسبب الحروب، وعندما جاء الاستعماران الفرنسي والإنجليزي، بدأت الجمعيات الخيرية تعيد إحياء موائد الرحمن للفقراء، وكانت تقام قبالة "باب الديلم" و "مشهد الحسين"، ومحلها اليوم بجوار الميدان القبلى الجامع الحسين تجاه بوابة الباب الأخضر.

مع بداية مصر الحديثة، وطيلة عهد دولة أسرة محمد على باشا، كان لموائد الرحمن دور مهم في القصر، ففى عهد الملك فاروق كان يسمح بإقامة موائد الرحمن داخل قصر عابدين، لعموم الشعب المصرى، وقام أيضا بتخصيص عدد من المطاعم المنتشرة في القاهرة الإعداد موائد للرحمن، فيما تتولى إدارة القصور الملكية دفع قيمة مأكولات الإفطار والسحور.

بدءا من عام ١٩٦٧، تولى بنك ناصر الاجتماعي في مصر الإشراف على موائد الرحمن بشكلها الحالي في المساجد المختلفة من أموال الزكاة، ومن أشهر تلك الموائد المائدة المقامة بجوار الجامع الأزهر، والتي يفطر عليها أكثر من 4 آلاف صائم يوميا.

كانت موائد الرحمن تتركز قديما بجوار المساجد العريقة، مثل مسجد الحسين والسيدة زينب والأزهر وذلك لتوافر أعداد كبيرة من التجار في هذه المناطق لكن مع مرور السنوات بدأت بعض الهيئات في مصر في توفير موائد الرحمن، مثل وزارة الأوقاف والجمعيات الخيرية والأهلية، كما تشرف وزارة الصحة على مراقبة ما يقدم فى هذه الموائد من أطعمة ومشروبات حرضا على سلامة المترددين عليها.

امتدت مشاركات المواطنين المصريين في إعداد موائد الرحمن، وكان من بين تلك الموائد مائدة "البابا شنودة" بطريرك الكنيسة المصرية، بما تمثله من دليل حي على المشاركة الوجدانية بين عناصر الشعب المصري.

وبحسب التقرير، يعد من أشهر موائد الرحمن، مائدة "فوزي إسكندر"، في أسوان - والذي اختير سفيرا للنوايا الحسنة فى الاتحاد الأوروبي وهو تقليد سنوى بدأه قبل أكثر من ٤٠ عاما في الثمانينيات، حيث اعتاد أن يقيم كل عام في رمضان مائدة إفطار تجمع أبناء مدينة "كوم أمبو"، مسلمين ومسيحيين، ويمتد التجمع ويستمر حتى السحور.

وفي دراسة أجرتها جامعة الأزهر عام ۲۰۱۸، قدرت عدد المستفيدين من موائد الرحمن في رمضان بنحو ٣ ملايين شخص يوميا، وتتكلف هذه الموائد نحو ملياري جنيه، نصفها فى القاهرة فقط، وينظمها أكثر من ١٠ آلاف مؤسسة أو شخص أو جمعية خيرية.

Katen Doe

هبة السيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

رمضان

المزيد من تحقيقات

جامعات تكنولوجية جديدة.. وتعزيز التعليم والأنشطة الطلابية خلال 2026

أعلنت وزارة التعليم العالى والبحث العلمي، عن خطة عاجلة للعام 2026، تتضمن إنشاء 17 جامعة تكنولوجية جديدة فى مختلف أنحاء...

مراكب الموت.. نعوش تسير فى البحار

السفيرة نائلة جبر: «أسيوط» تأتى على رأس المحافظات المصدرة للهجرة غير الشرعية السفير حداد الجوهري: «الخارجية» نجحت خلال الفترة الماضية...

فاطمة محمود: الكاراتيه الحركى.. حقق أحلامى

أول مصرية تحقق ميدالية ذهبية فى اللعبة

إيناس وليم صاحبة مبادرة تعليم المكفوفين الموسيقى: النغم.. تواصل وإحساس

عندما يغيب النور لا بد من البحث عن منفذ آخر للضوء، فالحياة لا تقف عند فقد حاسة من الحواس، فالإيقاع ...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص