«سانت كاترين» الدير الوحيد بالعالم الذى يضم مسجدًا بين مبانيه الأثرية

الدير يتبع الكنيسة اليونانية حاليًا.. وفى القرن العاشر أعلنت روسيا هيمنتها عليه القديسة «كاترين» ابنة حاكم الإسكندرية اعتنقت المسيحية واستشهدت دفاعًا عنها

تتمتع مدينة سانت كاترين بقيمة تاريخية وروحانية كبيرة، حيث تعد ملتقى للديانات السماوية الثلاثة، خاصة بعد تنفيذ مشروع التجلى الأعظم الذى تحدثنا عنه فى الحلقة السابقة، وتستكمل "الإذاعة والتليفزيون" فى السطور التالية الحديث عن أهم المعالم التاريخية فى تلك المدينة التى ليس لها مثيل فى العالم كله، ومن أهم تلك المعالم دير سانت كاترين.

يقع دير سانت كاترين فى جنوب سيناء بمصر أسفل جبل كاترين -من أعلى الجبال فى مصر- بالقرب من جبل موسى، ويقال إن هذا الدير أقدم أديرة العالم، لذلك يعد مزارا سياحيا كبيرا، حيث تقصده أفواج سياحية من جميع بقاع العالم.

يتبع دير سانت كاترين حاليا الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية، على الرغم من أن الوصاية على الدير كانت لفترات طويلة للكنيسة الأرثوذكسية الروسية، حيث يعود تاريخ دير القديسة كاترين إلى مطلع القرن الرابع الميلادى. قبل أن تصير المسيحية ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية على يد الإمبراطور قسطنطين الكبير، حيث ذاع صيت امرأة مسيحية آنذاك فى الإسكندرية اسمها كاترين، واشتهرت بقدرتها على إقناع الوثنيين باعتناق المسيحية، وحاولت سلطات الإسكندرية إقناعها بالتخلى عن رسالتها السامية لكنها رفضت، فحكم عليها بالإعدام، لكن جثمانها - كما قيل- اختفى بعد تنفيذ الحكم وظهر على جبل سيناء، وقيل إن الملائكة هم الذين نقلوه إلى هناك على أجنحتهم، ووضعتها الكنيسة المسيحية فى منزلة القديسين، وأنشأت ديرا على جبل سيناء تخليدا لذكراها، ومنذ ذلك الحين صار المسيحيون فى العالم المسيحى كله يقومون بالحج إلى دير القديسة الذى يعتبر الأعلى ارتفاعا من جبل موسى بنحو 400 متر، وكان الصعود إليه محفوفا بالمخاطر، لذلك شهد القرن العاشر الميلادى إنزال بقايا القديسة إلى كنيسة مسيحية واقعة بالقرب من الجبل حيث تم تشييد دير القديسة.

أعلن القياصرة الروس أنفسهم كرعاة رئيسيين للدين المسيحى الأرثوذكسى بعد انهيار الامبراطورية البيزنطية فى القرن الخامس عشر الميلادى. وتحول دير القديسة كاترين فى سيناء إلى عنايتهم الخاصة، حيث أعلنت روسيا عام 1689 رسميا رعايتها للدير، وذلك بسبب أن كاترينا تعتبر إحدى القديسات الأكثر حبا وأهمية فى روسيا، حتى أن وسام القديسة كاترينا كان أعلى وسام يقلد للنساء الروسيات قبل عام 1917، وتخليدا لهذا الحدث تم تصنيع تابوت خاص لبقايا القديسة كاترين يحتفظ به لحد الآن فى مذبح الكنيسة الأرثوذكسية بالدير.

يذكر أن الدير به الكثير من المخطوطات المقدسة وعدد كبير من الكتب النادرة والقيمة جدا، ومن بينها مخطوطات قديمة باللغة الروسية يعود تاريخها إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر، كما يوجد بالدير مقطتفات من المخطوطات المسيحية باللغة الجورجية القديمة يعود تاريخها إلى القرنين التاسع والعاشر الميلاديين، وتقع المكتبة فى الطبقة الثالثة من بناء قديم جنوب الكنيسة الكبرى، وتضم المكتبة إلى جانب المخطوطات النادرة عددا من الوثائق والفرمانات التى أعطاها الخلفاء والحكام للدير.

دير القديسة كاترين يشتهر بعلّيقة موسى التى ذكرت فى العهد القديم، وهى تنبت داخل جدرانه بالقرب من جبل سيناء، وتجتذب عليقة موسى الحجاج من أنحاء العالم المسيحى.

 القديسة كاترين

كانت القديسة كاترين ابنة حاكم الإسكندرية، وقد اعتنقت الدين المسيحى دون بقية أسرتها، فأراد أبوها أن يلهيها عن إيمانها بجميع المغريات، ومنها محاولته لتزويجها، إلا أن جميع محاولاته باءت بالفشل، فأمر بتعذيبها حتى ماتت، لكن الملائكة حملت جثمانها واختفت به بعد وفاتها حتى اكتشف بعد 500 عام على قمة الجبل الذى أقيم عنده الدير وسمى باسمها، وتعود القيمة الأثرية للدير إلى احتوائه كنيسة تاريخية بها هدايا قديمة من ملوك وأمراء، ومنها ثريات من الفضة، وفى الدير بئر يقولون إنها بئر موسى، كما أنه قد بنى حول شجرة يقال إنها شجرة موسى التى اشتعلت بها النيران فاهتدى إليها موسى ليكلم ربه، وقد جرت على مر التاريخ محاولات لاستزراع تلك الشجرة خارج الدير، لكن باءت المحاولات بالفشل، ولم تنم الشجرة فى أى مكان آخر خارج الدير.

الدير يمثل قطعة من الفن التاريخى المتعدد، فهناك الفسيفساء العربية والأيقونات الروسية واليونانية واللوحات الجدارية الزيتية والنقش على الشمع وغيره، كما يحتوى على مكتبة تعد ثانى أكبر مكتبات المخطوطات بعد الفاتيكان، ويحتوى على نزل للزوار وبرج أثرى مميز للأجراس. ويقوم على خدمة الدير بعض أفراد من البدو، وبالإضافة لرفات القديسة كاترين، توجد بالدير "معضمة" تحوى رفات جميع الرهبان الذين عاشوا فى الدير، ومسموح بالزيارة فى الدير من الصباح الباكر حتى الظهر، وبعد ذلك يغلق الدير أبوابه أمام الزوار ليتفرغ الرهبان لواجباتهم الدينية.

 كنيسة الموتى

كان للدير مدخل وحيد، وهو باب صغير على ارتفاع 30 قدم، وقد صمم لحماية الدير من الغرباء والدخلاء، حيث كان الناس يرفعون ويدلون بصندوق يحركه نظام من الروافع والبكرات، أما الآن فهناك باب صغير أسفل سور الدير، وبالدير كذلك غرفة مخصصة لجماجم الرهبان الراحلين، وهى من المزارات المعروفة فى الدير، وربما يصاب البعض بالخوف والرعب عند مشاهدتها، لكنهم يحتفظون بهذه الجماجم وبقايا العظام للذكرى. وأطلق على هذه الغرفة "كنيسة الموتى".

 شجرة العليقة

تقع "العليقة" داخل الدير فى نفس الموقع الذى كلم فيه موسى عليه السلام ربه فى وادى طوى، كما جاء ذكر القصة فى القرآن الكريم، وفى الدير كذلك "كنيسة العليقة" التى تقع خلف كنيسة الدير الرئيسية بجوار العليقة المقدسة ومقام النبى هارون، وكذلك يوجد داخل الدير العديد من الآبار مثل "بئر موسى" و"بئر اسطفانوس"

 الكنيسة الرئيسية

كبرى كنائس الدير يرجع تاريخها إلى عهد الإمبراطور "جيستيان" فى القرن السادس الميلادى. وقد صممت على شكل البازيليكا الرومانية الذى كان شائعا وقت بنائها عام 527م، وتقع الكنيسة فى الجزء الشمالى من الدير وتسمى الكاتدرائية، وقد عرفت باسم كنيسة التجلى. وفى داخل الكنيسة صفان من الأعمدة يبلغ عددهم 12 عمودا ترمز لحوارى السيد المسيح الاثنى عشر، وعلى كل جانب يوجد هيكل باسم أحد القديسين، كما يوجد التابوت الذى وضع بداخله رفات القديسة كاترين داخل صندوقين من الفضة، فى أحدهما جمجمة القديسة، وفوق الصندوق تاج من الذهب المرصع بالأحجار الكريمة، ويحتوى الصندوق الآخر على يدها اليسرى التى تحلت بالخواتم الذهبية والفصوص الثمينة، وتتدلى الثريات الثمينة فى الكنيسة التى تشبه متحفا للفنون، أما أقدس مكان فى الكنيسة فيقع خلفها، ويمكن الوصول إليه من الجانبين، وهو هيكل الشجرة التى يعتقد أن موسى وقف أمامها عندما تجلى الله له وخاطبه.

 المسجد الفاطمى

المسجد الفاطمى واحد من أشهر المناطق الأثرية الدينية فى دير سانت كاترين، حيث بُنى عام 500 هـ / 1106م، وجاء بناؤه داخل الدير كثمرة للعلاقة الطيبة بين المسلمين والمسيحيين التى شهدت ذروتها فى ظل الخلافة الفاطمية، كما عمل الفاطميون أثناء فترة حكمهم على بناء المساجد فى الأماكن المقدسة، يقع فى الطابق العلوى للدير ويمكن لأى شخص أن يشاهد المسجد من خارج أسوار الدير، ويعتبر المسجد  فى دير سانت كاترين محطة مهمة للحجاج فى طريقهم إلى مكة، حيث كان طريق الحج القديم من محافظات الوادى والدلتا يمر بمنطقة سانت كاترين ثم نويبع، وكانت الجمال أو الخيول هى وسيلة المواصلات آنذاك، حيث نجد أن الحجاج المسافرين إلى الأراضى المقدسة تركوا كتابات تذكارية داخل المسجد وخارجه، ما زالت على محراب الجامع إلى الآن وتعرف بالمخربشات كنوع من أنواع الذكرى أثناء المرور بالوادى المقدس فى رحلة الحج إلى بيت الله الحرام بمكة المكرمة، وضمت أسماء الحجاج العابرين بأرض سيناء عبر الوادى المقدس، ويعتبر المسجد مثالا لهندسة معمارية فريدة من نوعها، ويقع فى الجزء الشمالى الغربى داخل الدير ويواجه الكنيسة الرئيسية، ويمكن أن تشاهده من خارج الدير، حيث تتعانق مئذنته مع برج الكنيسة، وتخطيطه كمستطيل ينقسم إلى ستة أجزاء بواسطة عقود نصف دائرية من الحجر الجرانيتى موازية لجدار القبلة وأربعة متعامدة عليه وله ثلاثة محاريب، المحراب الرئيسى متوج بعقد ذى أربعة مراكز كالموجود فى الجزء القديم من الجامع الأزهر، وله منبر خشبى آية فى الجمال، ويعد هذا المحراب أحد ثلاثة منابر خشبية كاملة من العصر الفاطمى. وللمسجد مئذنة جميلة، تتكون من دورتين قطاعهما مربع فى منظر لا يتكرر إلا فى مصر من خلال الوحدة التى تجمع الأديان السماوية الثلاثة داخل سور دير سانت كاترين.

الحلقة القادمة نستكمل روحانيات «سانت كاترين».

Katen Doe

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

جامعات تكنولوجية جديدة.. وتعزيز التعليم والأنشطة الطلابية خلال 2026

أعلنت وزارة التعليم العالى والبحث العلمي، عن خطة عاجلة للعام 2026، تتضمن إنشاء 17 جامعة تكنولوجية جديدة فى مختلف أنحاء...

مراكب الموت.. نعوش تسير فى البحار

السفيرة نائلة جبر: «أسيوط» تأتى على رأس المحافظات المصدرة للهجرة غير الشرعية السفير حداد الجوهري: «الخارجية» نجحت خلال الفترة الماضية...

فاطمة محمود: الكاراتيه الحركى.. حقق أحلامى

أول مصرية تحقق ميدالية ذهبية فى اللعبة

إيناس وليم صاحبة مبادرة تعليم المكفوفين الموسيقى: النغم.. تواصل وإحساس

عندما يغيب النور لا بد من البحث عن منفذ آخر للضوء، فالحياة لا تقف عند فقد حاسة من الحواس، فالإيقاع ...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص