سبيل السلطان «مصطفى الثالـث» آخر الأسبلة العثمانية بالقاهرة

يجمع بين العمارة المصرية والتركية والهولندية/ وصفه المؤرخ الفرنسى «جومار» بالنموذج الرائع للفن الإسلامى / ترميم السبيل بدأ عام 2008 بتمويل من السفارة الهولندية

فى منطقة السيدة زينب؛ على الجهة المقابلة لمسجدها الشهير، يلفت النظر مبنى لا يزال محتفظا بروعة تصميمه وعمارته الفريدة، حتى تشعر بأنك أمام لوحة فنية مرسومة بدقة عالية، على الرغم مما طغى عليها من عوامل شوهت جانبا كبيرا من جماله؛ هذه اللوحة الفنية الرائعة، أو هذا المبنى هو سبيل "السلطان مصطفى خان الثالث".

حول سبيل "السلطان مصطفى خان الثالث" تتراص أكوام الملابس المتنوعة التى يبادر الزبائن بتفحصها من حين لآخر غير عابئين بالأثر الذى توارى خلف فرشات البضائع ونداءات البائعين.

"عماد عثمان" - الباحث فى الآثار الإسلامية، قال: إن السبيل أنشأه "السلطان مصطفى الثالث بن السلطان أحمد الثالث" فى سنة ١١٧٢ هجرية، ١٧٥٨ ميلادية، وهو مبنى على الطراز العثمانى، وقد كتب عليه: خير السلطان ابن السلطان مصطفى خان خلد الله ملكه".

ويتميز السبيل بواجهته الخارجية المقوسة، وهى ذات ثلاث دخلات كبرى معقودة، وترتكز على أربعة أعمدة رخامية اسطوانية البدن، وفــى الــــوسـط ثلاثة شبـابيــك للتسبيـــل بتغشيـــة، ويتقدم الواجهة داير رخامى لوضع كيزان الشرب، كما يتقدم الواجهة مصطبة حجرية ودائرية أيضا، والسبيل من الداخل عبارة عن حجرة تلى باب الدخول ملحقة بحجرة التسبيل وتتقدمها، ثم حجرة السبيل ذات الواجهة المقوسة بثلاثة شبابيك كما أن هناك ملاحق للسبيل، أما جدران حجرة التسبيل فتقع  فى جزئها السفلى وزرات رخامية من ألواح مستطيلة يحيط بها إطارات من الرخام الخردة المختلف الألوان، وجزئها العلوى مغشى بالبلاطات الخزفية باللون الأزرق على أرضية بيضاء، وبين الوزرة الرخامية والتغشية الخزفية يوجد إزار خشبى مزخرف برسوم زيتية ذات عناصر نباتية قريبة من الطبيعة، أما الصهريج فيقع على يسار الداخل للحجرة الملحقة التى كانت تحتوى على فتحة نزول للصهريج وسدت الفتحة الآن تماما، إلا أن فوهة الصهريج ما زالت موجودة.

وبالنسبة للكتاب، قال "عثمان": "نجد أن حجرة الكتاب تأخذ نفس مساحة حجرة التسبيل، ويتقدمها حجرة ملحقة بها يجاورها دورة مياه"، أما فيما يتعلق بحالة السبيل المعمارية، فأضاف "عثمان": "السبيل تم ترميمه عدة مرات من قبل لجنة حفظ الآثار العربية، وفى عام 2012، قامت وزارة الآثار بمشروع ترميم السبيل والكتاب الذى بدأ منذ عام 2008، لكنه توقف فترة ثم استؤنف العمل به، وقامت السفارة الهولندية بتمويل هذا المشروع".

السبيل يحتوى على  قطع زخرفية تنتمى للريف الهولندى بالجنوب وللعصور التاريخية الهولندية، أحضرها السلطان العثمانى "مصطفى الثالث" من هولندا للجمع بين الثقافة المصرية والتركية والهولندية فى آن واحد داخل هذا السبيل والكتاب.

وقال "عثمان" إن السبيل كانت شغله جمعية شرعية وتركته، وهو الآن مغلق، ويتبع مناطق تفتيش آثار جنوب القاهرة، أما عن حالته المعمارية فهى جيدة جدا، وقد علمت أن جمعية القرآن الكريم التى صدر لها قرار إخلاء تعد بروتوكولا لإعادة الاستغلال وعمل الصيانة على نفقتها، فالسبيل يتميز بأنه الوحيد الذى توجد به بلاطات خزفية من هولندا تمثل الحياة فى الريف الهولندى وعملها أتراك تابعون للسلطان مصطفى.

أما عن منشئ السبيل "السلطان مصطفى بن السلطان أحمد الثالث" (١١٢٩ هجرية -١١٨٧هجرية) فهو أحد خلفاء الدولة العثمانية، وولد السلطان مصطفى الثالث سنة ١١٢٩ هجرية، وتولى الحكم بعد ابن عمه عثمان الثالث سنة ١١٧١ هجرية،  وكان عمره وقتها اثنين وأربعين عاما، وفى عهده قامت الحرب بين روسيا والدولة العثمانية.

ومن جانبه أشار الباحث فى التاريخ "أبو العلا خليل" إلى أن سبيل السلطان مصطفى له خمسة أعمدة من الرخام وثلاث مزملات، وشبابيكه من النحاس الأصفر وأرضه مفروشة بالرخام الترابيع وبابه بالقيشانى وبدائره إزار رخام بمرايات رخام ملون، وفى الأعلى إزار خشب و قيشانى، فسقفه من الخشب النقى الذى يمتاز بصنعة بلدية منقوش بالليفة  الذهبية ومكتوب بدائرة هذه العبارات الشعرية: "هذا سبيل بديع، وضعه عجب، أنشأه ملكنا السلطان، من شرفت به الممالك، واستعلى به التاج، خليفة الله، من دانت لهيبته كل البرية، أفراد وأزواج، نسل الملوك الأولى صانوا الممالك أن يجول فيها من الكفار أفواج، أدام  ذو العرش للإسلام صولته".

 وأضاف الباحث فى التاريخ أن السبيل كما ذكر على باشا مبارك فى "الخطط التوفيقية" يعلوه مكتب على بابه رخامة  مكتوب عليها "أنشأه السلطان ابن السلطان مصطفى حسان خلد الله ملكه سنة اثنين وسبعين ومائة وألف"، ووهذا المكتب يعرف الآن بمكتب السيدة، وهو من المكاتب الأهلية، الشعائر تقام به، وجملة من الأطفال يتعلمون القرآن والخط والنحو والحساب والألسن فيه، ولهم معلمون برواتب شهرية من طرف ديوان الأوقاف، ولهم امتحان سنوي".

يعتبر هذا السبيل هو الثانى والأخير الذى شيد لسلطان عثمانى بمدينة القاهرة، ويضم شتى الفنون والصناعات التى تمثل أروع ما وصل إليه الفن العثمانى، فنلاحظ زخرفة واجهاته الرخامية وتغشيات شبابيكه النحاسية وكسوة جدرانه الداخلية بالوزرات الرخامية والبلاطات الخزفية، ومن حيث التكوين المعمارى والشكل العام لواجهاته بزخارفها، يعد السبيل صورة مكررة لسبيل السلطان محمود الذى شيد قبل ذلك بثمانية  أعوام، إلا أنه يختلف عنه فقط فى دقة التنفيذ وروعة التصميم، خاصة فى زخارف الواجهة الخارجية، فمن حيث التكوين المعمارى يحتوى على واجهة مقوسة على جانبيها مدخلان أحدهما بحارة جانبية تسمى "حارة منج".

والسبيل من الداخل عبارة عن حجرة تلى باب الدخول ملحقة بحجرة التسبيل ذات الواجهة المقوسة بثلاثة شبابيك، كما أنه هناك ملاحق للسبيل والصهريج على يسار الداخل للحجرة الملحقة التى كانت تحتوى على فتحة نزول للصهريج سدت الآن تماما، إلا أن فوهة الصهريج بها مازالت موجودة.

 ويذكر الدكتور "عرفة عبده" فى كتابه "القاهرة..رحلة فى المكان والزمان" أن "جومار" العالم والمؤرخ الفرنسى وأحد العلماء الذين جاءوا مع حملة نابليون، أشار إلى أن أسبلة القاهرة نشأت من مؤسسات أوقفها الأمراء والأثرياء لراحة السكان، ولا توجد مدينة أوروبية تحوى هذا القدر من الأسبلة، قائلاً إنه كانت هناك جمال مخصصة لنقل الماء من فروع النيل إلى هذه الأسبلة بدون توقف، وهذا السبيل هو من أجمل أسبلة القاهرة المشيدة على الطراز التركى، ومع ذلك طالته يد الإهمال بقسوة، وقد أمر ببنائه  السلطان مصطفى خان الثالث سنة ١١٧٢ هجرية/ ١٧٥٨م، ويعد نموذجا رائعا للفن الإسلامى فى مصر العثمانية، وقال العالم الفرنسى إن مدخل السبيل فى "حارة منج" اشتهر بسبب وجود بيت "إبراهيم  كتخدا السناري" بهذه الحارة، أما المدخل الثانى للسبيل فهو على ميدان السيدة زينب، أما الكتاب فمساحته نفس مساحة حجرة التسبيل، وملحق به حنفية كانت مخصصة لشيخ الكتاب أو "العريف"، وملحق بالكتاب أيضا دورة مياه، وتزدان واجهة الكتاب ببائكة محمولة على ثلاثة عقود، كما أن هذا السبيل هو الثانى الذى شيد لسلطان عثمانى بالقاهرة، فالسبيل الأول هو سبيل "السلطان محمود خان" بالحبانية.

 

 	 إيناس مرشد

إيناس مرشد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

الاستعانة بـ«الروبوت» فى العمليات الجراحية لأول مرة فى مصر

أعلنت وزارة الصحة المصرية مؤخرًا عن بدء تشغيل أول روبوت جراحى فى مستشفيات الوزارة بمعهد ناصر،

ضحايا الكلاب الضالة.. بين القتـل والإصابات الخطرة

من دفتر أحوال الشرطة وفقاً لتقارير الداخلية حوادث العقر منتشرة فى فى أكثر من محافظة

العنف ضد المرأة.. جرس إنـذار لمجتمع فى أزمة

عبير عاطف: يجب تبنى استراتيجية شاملة لتعزيز مهارات التفاهم والهدوء النفسى قبل الزواج إبراهيم عطية: الظروف الاقتصادية تؤدى إلى شجار...

رودينا تامر: أم كلثوم قدوتى الفنية

حصلت على المركز الأول فى الغناء على مستوى الجمهورية