يعرض هيكله محنطاً فى متحف «محمد على» بالمنيل.. المصريين كانوا حريصين على التبرك بالمحمل عن طريق لمسة أو بالرؤية من بعيد
لا تزال ذكريات المحمل حاضرة فى قلوب المصريين قبل أذهانهم؛ هم يعرفون أن كسوة الكعبة المشرفة كانت تخرج من بلادهم فى احتفال مهيب كل عام، ويفخرون بذلك، فالمصريون يبجلون كل ما يتعلق بفريضة الحج وبالذهاب إلى الأراضى المقدسة فى بلاد الحجاز، حتى إنهم يتذكرون آخر الجمال التى تشرفت بنقل الكسوة على ظهرها من القاهرة المحروسة إلى أم القرى مكة.
"نبيل" و"مبروك" هما أشهر جملين حملا على ظهريهما كسوة الكعبة المشرفة، و"مبروك بالتحديد لا نزال نحتفظ بهيكله المحنط فى قاعة الصيد بقصر الأمير محمد على بالمنيل، وترجع فكرة الاحتفاظ بهيكل الجمل "مبروك" إلى تاريخ قيام ثورة 23 يوليو عام 1952م، حيث تم تجميع مجموعات من المحنطات الحيوانية، وخصص لتلك المحنطات أحد ممرات قصر الأمير "محمد على توفيق" بالمنيل لتعرض على الجمهور تحت مسمى متحف الصيد.
ترجع ملكية تلك المجموعة من المحنطات الحيوانية إلى كل من الملك فاروق والأمير يوسف كمال، وهما اللذان اشتهرا بولعهما الشديد بالصيد، بالإضافة إلى مجموعة الأمير "محمد على توفيق" التى وردت إلى قصره كإهداءات شخصية بصفته ولى عهد المملكة، وتضم المجموعة العديد من المقتنيات، أغلبها لحيوانات وطيور وزواحف محنطة وكذلك رؤوس وقرون لغزلان وجاموس، وبعض الحيوانات المفترسة، وفى مجملها تتميز بتنوعها الغنى، حيث تضم بعض الفصائل الحيوانية من البيئة المصرية، إلى جانب حيوانات تعيش خارج البيئة المصرية، مثل بعض الطيور الأوروبية المهاجرة وبعض الحيوانات الأفريقية الضخمة.
ويقف هيكل الجمل "مبروك" بين هذه المحنطات شامخا، كأنه ينظر ناحية الزائرين مرحبا بهم، ولا زال محتفظا بهيكله العظمى بالكامل، لم ينقص منه عظمة واحدة، حتى رأسه؛ التى بمجرد النظر إليها، شعر أنها لحيوان على قيد الحياة، وخلف هيكل الجمل "مبروك" يوجد الهودج الذى كان يحمله على ظهره، أو ما تبقى منه، وبالقرب من دولاب العرض الذى يحوى هيكل "مبروك" توجد لوحة تروى قصه المحمل مكتوبة باللغتين العربية والإنجليزية، وكتب فيها: "كانت مصر تتولى إرسال كسوة الكعبة كل عام إلى بلاد الحجاز، لما اشتهرت به من نسج أفضل وأفخر أنواع الأقمشة، وقد بدأ الأمر عندما قام عمر بن الخطاب بكساء الكعبة بالقماش المصرى المعروف بالقباطى، حتى أصبح سلاطين العصر المملوكى يلقبون بلقب (خادم الحرمين الشريفين)، وكان المشرف على تصنيع الكسوة يسمى (ناظر الكسوة) كما سمى الأمير الذى يتولى نقلها للحجاز (أمير المحمل)، وكانت تصنع بدار الكسوة الشريفة بدرب الخرنفش بحى الجمالية التى تأسست عام 1233 هجرية، واستمر العمل بها حتى عام 1962، إلى أن توقفت مصر عن إرسال كسوة الكعبة لتنال السعودية شرف صناعتها".
كانت كسوة الكعبة تخرج فى موكب يتقدمه جمل، وبداخل هودج الجمل الكسوة المشرفة، وخلفه مجموعة أخرى من الجمال تحمل المياه والأمتعة للحجاج، بالإضافة إلى الجند الذين يحرسون الموكب حتى الحجاز، بجانب مجموعة من أتباع الطرق الصوفية المحملة بالطبول والمزامير والرايات، وكان الجمل الأول الذى يحمل الكسوة يطلق عليه "نبيل"، فيما يطلق على الجمل الثانى "مبروك"، ونقش على الهودج، وكذلك على ما تبقى من المحمل، شعار المملكة المصرية، ووضع على طرفه شعار المملكة المصرية من النحاس أيضاً.
من الجدير بالذكر أن بعثة المحمل كان يرافقها أطباء وصيادلة لتقديم الإسعافات المحتملة خلال رحلة المحمل، كما قال "مجدى شاكر" كبير الأثريين بوزارة الآثار، لافتاً إلى أن سبب تسمية موكب كسوة الكعبة بالمحمل يرجع إلى أن موكب كسوة الكعبة «المحمل» كان يطوف شوارع مصر قبل أن ينطلق فى رحلته إلى الحجاز، وكانت كسوة الكعبة تخرج فى موكب مهيب يتقدمه جمل ضخم يحمل الهودج الكبير بداخله الكسوة، وخلفه مجموعة جمال أخرى تحمل المياه والأمتعة للحجاج، وقال شاكر: أطلق على الجمل "الحاج مبروك" بدلاً من الجمل القديم الذى كان يسمى "الحاج مسعود"، وهو جمل من أسيوط أسندت إليه مهمة حمل هودج كسوة الكعبة إلى الأراضى الحجازية، وكلف شرائه 120 جنيها مصرياً، أما الجمل "الحاج مسعود" فله تاريخ حافل بالبركات، حيث ظل يؤدى مهمته فى حمل الهودج لمدة أربعة عشر عاما، لكنه فى عام 1946 امتنع عن القيام بمهمته قبل موعد الاحتفال، وفشلت جميع الوسائل لحمله على العدول عن عناده، وقد أنقذ الموقف جمل صغير يسمى "أمبابي" لم يتجاوز السنة الرابعة من عمره، وكان يعد ليكون مساعدا لـ "الحاج مسعود" لذلك تم الاستغناء عن الجمل مسعود.
وكشف شاكر حجم النفقات التى كانت تصرف على جمل المحمل فى ذلك الوقت، قائلاً: "تبلغ نفقات جمل المحمل ومساعده أو الجمل الاحتياطى عام 1947 - 80 قرشا يوميا، ويرعاه جمال إخصائى فى تربية الجمال.
وقال شاكر: إن المصريين كانوا حريصين على التبرك بالمحمل عن طريق لمسه إن أمكن، أو حتى بالرؤية من بعيد لمن تعذر عليه لمسه، بل وصل الأمر إلى أن الأهالى كانوا إذ لم يتمكنوا من لمس المحمل قذفوا بمناديلهم إلى خدام المحمل بعد أن يضعوا فيها شيئًا من النقود أو اللحوم البيضاء أو الفطير، فيأخذ خدام المحمل منهم ذلك ويردون المناديل إلى أصحابها بعد تمريرها على المحمل لأنه سيوضع فى المسجد الحرام بعد وصوله، وكذلك داخل المقصورة النحاسية حول قبر الرسول صل الله عليه وسلم بالمدينة المنورة.
وكان المصريون يقبّلون خف جمل المحمل كنوع من نيل البركة، لأن جمل المحمل يطأ بخفه على تراب أقدس مدينتين فى نفس كل مسلم، وكان الحاكم نفسه حريصًا على تقبيل مقود الجمل، كما فعل خديو مصر عام 1901 وقبل المقود وتلاه قاضى القضاة وبعض الحضور بعد تبخير لوازم المحمل.
"تعتبر النصوص من أكثر المصادر التى حفظت لنا تفصيلات دقيقة عن المحمل وكسوة الكعبة، ومن أهم تلك النصوص ما ذكره الرحالة "ابن بطوطة" عن هذا المشهد المهيب وكيفية خروج الخيول أمام مجلس الباشا، كما وصف لنا الرحالة "العياشي" المحمل بأنه عبارة عن قبة من خشب رائعة الصنعة ملونة بأنواع الأصباغ وعليها كسوة من رفيع الديباج المخوص، والجمل الحامل للمحمل فى غاية السمنة وعظم الجثة وحسن الخلقة مخضب جلده كله بالحناء ويقوده سائقه، وقد خصص لهذا الغرض ولا يستخدم الجمل لأى أغراض أخرى ما بقى على قيد الحياة، ويوجد عن يمينه وشماله جمل آخر على مثل صنعته.
أما المستشرق الإنجليزى "إدوارد لين" وهو الذى شهد عودة قافلة الحج المصرية إلى القاهرة فى سنة ١٢٥٠هجرية /١٨٣٤م، فقد ترك لنا وصفا مسهبا للمحمل وشكله، حيث وصف المحمل بهيكل مربع من الخشب قمته هرمى وعليه غطاء من الديباج الأسود المطرز بالنقوش الموشاه بالذهب وللغطاء أهداب من الحرير فى أطرافه السفلى، وفى أعلى المحمل خمس كرات من الفضة فى أعلى كل منها هلال، وفى الجزء العلوى من الغطاء الذى يشغل مقدمة المحمل طرزت بالذهب صورة الكعبة المشرفة، وفى أعلاه شعار السلطان العثمانى، أما الجزء الداخلى من المحمل فلا يحتوى على شيء سوى نسختين من القرآن الكريم حفظت كل منهما داخل صندوق مطلى بالفضة.
ووصف "ابن عبد السلام" المتوفى سنة ١٣٣٩هجرية /١٨٢٣م موكب الحجاج بكل فرقه، بداية من أمير الحج حتى نهاية الركب، وذكر كذلك الاستعدادات التى كانت تتوافر لركب الحجاج أثناء رحلة الحج، قال: "جميع ما يحتاج إليه أمير الحج من إبل وقرب ومصابيح وخيل ورماة وغير ذلك تخرج من ببت المال، ويحضر فى الميدان كل طائفة لها أمير متقدم عليها، حتى الطباخين والفراشين والساقيين، ثم يؤتى بالمحمل على جمله المذكور ويقوده سائسه حتى يناول رأس الجمل للباشا فيأخذه بيده ويناوله لأمير الحج فى حضور القاضى والأمراء ومعاونيهم، ثم يناوله أمير الحج لسائسه فيذهب به، ثم يتبع ذلك مرور كافة الطوائف على الباشا، وذلك من أجل اطمئنان الباشا على الركب، فإذا لم يبق أحد ممن يمر بين يديه، خلع الباشا على أمير الحج خلعة وعلى أمرائه الذاهبين معه".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
مع حلول شهر رمضان، يقبل كثير من المصريين على شراء السًبح لاستخدامها في الذكر والتسبيح، أو لتقديمها كهدايا رمضانية مميزة...
هو المكان الذي تشعر فيه المرأة دوما بأنها الملكة، يوما بعد يوم، يبوح المطبخ لها بأسراره - ولم لا -...
كثير من مرضى القلب يتمنون التمكن من صيام الشهر كاملا، رغم ما يعانون منه ويقف بمعزل عن تحقيق غايتهم، لذا...
من أهم طقوس الاحتفاء بشهر رمضان المبارك لم يكن الاحتفاء بالضوء والنور مقتصراً على المسلمين والأقباط