«عبقرية التوقيت».. مفتاح النصر فـى حرب أكتوبر المجيدة

فى «يوم كيبور» و«شهر رمضان» و«الساعة 2 ظهرًا»

لم يكن اختيار يوم العاشر من رمضان، الموافق ميلاديا السادس من أكتوبر 1973م، لبدء الحرب بمحض الصدفة أبدا، وإنما كان دليلا على عبقرية وذكاء العقل المصري، وجاء بناء على دراسات وخطة مدروسة ومحكمة اشتركت فيها جميع أجهزة الدولة باختلاف تخصصاتها، وتم اختيار الساعة الثانية ظهرا يوم السبت تحديدا للعبور، وهو «يوم الغفران» فى اسرائيل، والذى روعى فيه توفير الوضع المناسب لاختيار أفضل الأيام المناسبة للهجوم على العدو، وعبور قناة السويس لتحقيق أقصى قدر من النجاح والمفاجأة..

يوم النصر

فى البداية، قال اللواء أركان حرب دكتور محمد الشهاوي، مستشار كلية القادة والأركان وعضو المجلس المصرى للشئون الخارجية: عبقرية اختيار اليوم كان لها دور كبير فى الخداع الاستراتيجي، ومن ثم الانتصار فى حرب السادس من أكتوبر 1973م المجيدة، وبعد مرور 50 عاما على الحرب التى هدمت نظرية الأمن الإسرائيلي، وكسرت ذراعها طولا ممثلا فى قواتها الجوية، وهزمت الجيش الذى كان يدعى أنه لا يهزم..

ويضيف: تتمثل أيضا عبقرية اختيار التوقيت، وتحديدا اختيار ساعة الصفر التى تم تحديدها فى الثانية ظهرا، وليس أول ضوء صباحا أو آخر ضوء، بالإضافة إلى خطة الخداع الاستراتيجى للعبور، فقد كان عبور 5 فرق مشاة فى توقيت واحد هدفها إرباك للعدو، فقد استطاع الجيش المصرى بجنده الذى لا يقهر فتح 67 ثغرة فى الساتر الترابي، الذى بلغ ارتفاعه 20 مترا، بقيادة المهندس المقدم باقى زكى يوسف، مستخدما طلمبات المياه لإزالة الرمال، وفتح الثغرات فى 8 ساعات فقط على طول القناة، ليعبر جيش مصر بوابة النصر، ونجح فى تجريف 3 ملايين متر مكعب من الرمال.

وحول اختيار شهر رمضان تحديدا للحرب، قال: بعد دراسة مستفيضة تم تحديد أنسب أربعة توقيتات، وهى شهر مايو أو أغسطس أو سبتمبر، وأكتوبر، وكان الأخير أفضلها على الإطلاق، لأن ظروف الطقس والأحوال الجوية مناسبة للعبور، وأن فترة الليل طويلة يصل الظلام فى بعض أيامه ساعات طويلة، فضلا عن أن حالة البحر مناسبة للعمليات البحرية، والشهر يزدحم بثلاثة أعياد، وتستعد فيه الدولة لانتخابات الكنيست الإسرائيلي، بالإضافة إلى أنه تزامن بالصدفة مع شهر رمضان المبارك، وهو شهر له تأثير معنوى على القوات المسلحة، كما أن العدو الإسرائيلى لا يتوقع الهجوم مطلقا فى هذا الشهر.

ومن اختيار الشهر إلى اختيار اليوم، يقول: وقع الاختيار على يوم السادس من أكتوبر بحيث يكون عطلة رسمية، وأن يكون فرق المنسوب بين المد والجزر فى القناة أقل ما يمكن، لتوفير ظروف أفضل لعبور القوارب وتشغيل المعديات وإنشاء الكبارى، كما يتميز بضوء القمر الساطع فى النصف الأول من الليل، حتى تقام الكبارى ليلا فى ضوء القمر، ثم يبدأ عبور القوات فى الظلام، خلال النصف الثانى من الليل. وكان يوم السبت الذى يوافق «عيد الغفران» عند العدو، وهو 6 أكتوبر والعاشر من رمضان، وهو أحد الأيام المناسبة الذى وقع عليه الاختيار فى مجموعة «سبتمبر - أكتوبر»، فقد توافرت فيه الشروط الملائمة لاقتحام القناة والهجوم، فهو يوم عيد فى إسرئيل والقمر فى هذا اليوم مناسب ومضىء من غروب الشمس حتى منتصف الليل.

ويكمل الشهاوي: ما لا يعرفه الكثيرون أن العدو الصهيونى كان يزعم أنه سيشعل القناة بما يسمى بالمانع الحارق، ومع ذلك كانت روح الجنود المصريين عالية؛ فقد تحركت إدارة الحرب الكيميائية وابتكرت مادة ضد الحريق، وتم معالجة أفرولات الجنود والقوارب المطاطية بها، بالإضافة إلى أن القوات المصرية سدت الفتحات التى يخرج منها النابالم ليلة الحرب.

واستكمالا لعبقرية اختيار التوقيت يقول: فى يومى 22 و23 أغسطس 1973م، تم الاتفاق فى مكتب اللواء بحرى فؤاد ذكرى، قائد القوات البحرية بالإسكندرية، للبت نهائيا فى بعض الموضوعات العسكرية المشتركة، وأهمها الاتفاق النهائى على توقيت بدء الحرب، وسجلت القرارات بخط اليد لضمان سريتها، وكانت النتيجة تحتاج إلى تصديق القيادة السياسية، لذلك سافر الرئيس السادات لزيارة المملكة العربية السعودية وسوريا، حيث اجتمع بالرئيس الأسد يومى 28 و29 أغسطس، واتفقا أن يكون يوم 6 أكتوبر 1973 هو يوم بدء الحرب ضد العدو فى وقت واحد، وخوض الحرب بجهد منسق مشترك هو حدث تاريخى، فلم يسبق أن حدث مثل هذا التعاون العسكرى بين دولتين عربيتين ضد إسرائيل منذ إنشائها، وأصبح علامة بارزة من علامات أكتوبر 1973، وهو ما لم تتوقعه أو تكتشفه إسرائيل أو أى دولة أخرى.

 «يوم كيبور».. الأنسب للهجوم

فى السياق ذاته، يرى اللواء أركان حرب «فؤاد محمد يوسف فيود»، أحد أبطال حرب أكتوبر المجيدة أن اختيار يوم 6 أكتوبر «السبت» بالتحديد لحرب أكتوبر 1973م، كان اختيارا عبقريا؛ وقال: هذا اليوم كان له مميزات عديدة تساعد على النصر، فهو يوم السكون عند اليهود، ويؤثر على عملية التعبئة لجنود الاحتياط، ولم يتوقع أحد أن الدبابات المصرية سوف تقتحم ليلا. وتضمنت الدراسة والتخطيط أيضا جميع أيام العطلات الرسمية فى إسرائيل، بخلاف السبت يوم إجازتهم الأسبوعية، حيث تكون القوات المعادية أقل استعدادا للحرب، فوجدت الدراسة أن لدى إسرائيل ثمانية أعياد فى السنة، منها ثلاثة أعياد فى شهر أكتوبر 1973م، وهو عيد الغفران الملقب لديهم بـ«يوم كيبور»، وعيد المظلات، وعيد التوراة، ولكل عيد من هذه الأعياد تقاليد وإجراءات يقومون بها تختلف من عيد لآخر.

ويكمل: كان المهم هو تأثير كل عطلة على إجراءات التعبئة فى إسرائيل التى تعتمد اعتمادا رئيسيا فى الحرب على قوات الاحتياط، وبعد الدراسة المتأنية جرى الاتفاق على يوم السبت «عيد الغفران»، وهو اليوم الوحيد خلال العام الذى تتوقف فيه الإذاعة والتليفزيون عن البث كجزء من تقاليد هذا العيد الذى يعتبر يوم سكون كامل، مما يعنى أن استدعاء قوات الاحتياط بالطريقة العلنية السريعة غير مستخدمة، وبالتالى يستخدمون وسائل أخرى تتطلب وقتا أطول لتنفيذ تعبئة الاحتياطى.

ويضيف فيود: كان هناك عامل آخر تمت دراسته، وهو الموقف الداخلى فى إسرائيل، حيث كانت تجرى انتخابات اتحاد العمال فى سبتمبر، وتجرى انتخابات الكنيست يوم 28 أكتوبر، والمعروف أن الحملة الانتخابية تجذب أفراد الشعب لها، علما بأن أغلب الشعب يشكل الجيش الاحتياطى مع تعبئة الدولة أثناء الحرب، لهذا كله تم اختيار شهر أكتوبر لشن الحرب، فقد توافرت كل العوامل لعملية الهجوم على العدو.

وحول ذكرياته فى الحرب قال: كنت فى اللواء 118، الفرقه 23، وكنا عند كوبرى عز الدين فى الإسماعيلية، وفوجئنا بدانة سقطت خلفنا وكان معنا الرائد «سمير مدفعية»، فقال لقائد الكتيبة إن المدفع الذى ضرب الدانة غرب القناة وليس شرقها، ومن هنا تم اكتشاف ثغرة للعدو وحددنا موقعها، وانها سوف تدخل الإسماعيلية من كوبرى الجلاء، مرورا بقرية أبو عطوة، فقابلهم الشهيد إبراهيم الرفاعى ومجموعة الصاعقة ودمر لهم 9 دبابات، ومنهم 6 قمنا بأسرهم، ومازالت بقايا الدبابات فى معرض بأبو عطوة بالإسماعيلية.

ويواصل فيود: بعد هذه الواقعة غيّر العدو خط سيره وأراد الوصول من خلال ترعة المنايف، أنا وقتها كنت ضابط استطلاع وأمن لكتيبة وفصائل اقتناص الدبابات، نحمل آربيجيه وأسلحة مضادة للدبابات ورشاشات خفيفة لمقاتلة الدبابات، فذهبنا إلى ترعة المنايفة ووزعت المقاتلين طبقا لتخيلى عن المعركة، فكان سعيد الحمرى وموقعه على التبة ويحمل طقم مدفع الماكينة وقناص وبندقية آلية وآر بى جي، ووجدت شجرة على مسافة 2700 متر، والمدفع مسافته 5 كيلوات، ولكن المرمى المؤثر للقتل 300 متر، فقلت له وقتها «بدون أى أوامر مباشرة، إذا اقترب العدو لهذه الشجرة اشتبك فورا بالصاروخ»، وبالفعل وقت وصولهم عند الشجرة اشتبك سعيد الحمرى معهم، ونزل تحت الدبابة فظنوا أنهم قتلوه وتقدموا أكثر، فجاءوا على مرمى الصاروخ الذى جاء بمنتصف الماتور فلم تنفجر، وتشتت جنود العدو فى الزراعات وحصلنا وقتها على أسير، والباقين انسحبوا تاركين الدبابة، وحصلنا بالفعل عليها، وهى حاليا فى أرض المعارض..

 التوقيت.. أعظم خداع

ويوضح اللواء محمد الغباري، مدير كلية الدفاع الوطنى الأسبق والمستشار بأكاديمية ناصر العسكرية وأحد أبطال حرب أكتوبر أن اختيار توقيت الحرب والخداع الاستراتيجى كان السر الأول فى انتصارنا فى حرب أكتوبر، فالرئيس السادات كان دائما يتحدث عن عدم قدرته على الدخول فى حرب ضمن خطة الخداع الاستراتيجي، وقال: لم يكن يوم العبور صدفة، وجرى تحديده بعد عدة خطوات على رأسها لقاء حافظ إسماعيل، مستشار الأمن القومى فى مصر، مع هنرى كيسنجر، وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية وحليف إسرائيل الأول، فى النصف الأول من عام 1973م، فى باريس، والتى قال فيها كيسنجر «نصيحتى للسادات أن يكون واقعيا فنحن نعيش فى عالم الواقع ولا نستطيع أن نبنى شيئا على الأمانى والتخيلات، والواقع أنكم مهزومون. إما أن تغيروا الواقع الذى تعيشونه فيتغير بالتبعية تناولنا للحل، وإما انكم لا تستطيعون. فى هذه الحالة لا بد من إيجاد حلول تتناسب مع موقفكم، غير الحلول التى تعرضونها» فكانت تلك الكلمات هى أولى الخطوات التى قادت إلى حتمية الحرب.

ويضيف: الخطوة الثانية لاتخاذ قرار الحرب جاءت بعد قرار السادات بتحمله المسئولية كاملة بإعادة تشكيل الوزارة برئاسته فى شهر مارس، والذى قرر خلاله حتمية الدخول فى معركة عسكرية. بينما كانت الخطوة الأخيرة بعد التنسيق مع سوريا بقيادة رئيسها الراحل حافظ الأسد، ليكون العمل العسكرى متماشيا مع العمل السياسي. ووضعت هيئة عمليات القوات المسلحة دراسة على ضوء الموقف العسكرى للعدو، وفكرة العملية الهجومية المخططة والمواصفات الفنية لقناة السويس من حيث المد والجزر، وسرعة التيار واتجاهه، وساعات الظلام وساعات ضوء القمر، والأحوال الجوية وحالة البحرين الأبيض والأحمر التى تحقق أفضل استخدام لقواتنا للقيام بالعملية الهجومية بنجاح، مع تحقيق أسوأ الظروف لإسرائيل.

وحول أفضل توقيت قال الغباري: كان من الضرورى اختيار أفضل التوقيتات التى تناسب الهجوم على الجبهتين المصرية والسورية فى وقت واحد، ثم انتقلت هيئة العمليات إلى دراسة كل شهور السنة لاختيار أفضل توقيت لاقتحام القناة على ضوء حالة المد والجزر وسرعة التيار واتجاه التيار، ثم انتقلت الدراسة إلى تحديد طول الليل يوميا لاختيار ليل طويل، ليكون النصف الأول منه ضوء القمر والنصف الثانى فى حالة ظلام، حتى يسهل تركيب وإنشاء الكبارى فى ضوء القمر، ويكون عبور القوات المسلحة والمعدات فى الظلام، وكان من الضرورى أيضا دراسة حالة الأرصاد الجوية المناسبة لعمل القوات الجوية وحالة البحرين الأبيض والأحمر لمعرفة أنسبها لعمل القوات البحرية.

Katen Doe

صفاء الخميسي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

جامعات تكنولوجية جديدة.. وتعزيز التعليم والأنشطة الطلابية خلال 2026

أعلنت وزارة التعليم العالى والبحث العلمي، عن خطة عاجلة للعام 2026، تتضمن إنشاء 17 جامعة تكنولوجية جديدة فى مختلف أنحاء...

مراكب الموت.. نعوش تسير فى البحار

السفيرة نائلة جبر: «أسيوط» تأتى على رأس المحافظات المصدرة للهجرة غير الشرعية السفير حداد الجوهري: «الخارجية» نجحت خلال الفترة الماضية...

فاطمة محمود: الكاراتيه الحركى.. حقق أحلامى

أول مصرية تحقق ميدالية ذهبية فى اللعبة

إيناس وليم صاحبة مبادرة تعليم المكفوفين الموسيقى: النغم.. تواصل وإحساس

عندما يغيب النور لا بد من البحث عن منفذ آخر للضوء، فالحياة لا تقف عند فقد حاسة من الحواس، فالإيقاع ...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص