«متحف محمود خليل».. فنانو العـالم فى حضن نيل الجيزة

الصيف موسـم البحث عن البهجة والمتعة، لكن ربما لا يتوافر لكثيرين الوقت للذهاب إلى المصايف، أو حتى قطع مسافات طويلـة بيـن المحافظـات لتحقيق تلك البهجة، لذلك نقدم لكم "القاهـرة الكبـرى" بحدائقها المتنوعـة ومواقعها الأثرية وقصورهـا التاريخية التى لا يعرفهـا كثيرون.

فسحة هذا الأسبوع تصحبكم فيها "الإذاعة والتليفزيون" إلى متحف "محمود خليل وحرمه"، وهو واحد من أكبر المتاحف الفنية فى مصر وواحد من أهم المنارات الثقافية الموجودة على أرضها، شيدت واجهته الشرقية المطلة على نهر النيل على طراز «آرتنوفو»، ويتجلى هذا الطراز بروعته فى الهيكل المعدنى والزجاجى الذى يعلو مدخل القصر من تلك الواجهة.

يقع متحف «محمد محمود خليل وحرمه» فى حضن النيل بحى الدقى محافظة الجيزة، ويحتوى على مجموعة من روائع الفن العالمى من تصوير ونحت وخزف، ويغلب على الواجهة الغربية للمتحف الطراز الكلاسيكى الجديد الذى يتيح الجمع بين زخارف من طرز مختلفة فى صياغة فنية تتسم بالبهاء والثراء والتناغم.

أما الواجهة الشمالية للقصر فتتصدرها نافذة كبيرة من الزجاج الملون المعشق بالرصاص، وتمثل منظرًا طبيعيًا خلابًا، وتبدو للزائر وهى تعلو السلم الداخلى بحيث يمكن رؤيتها من الطابقين الأول والثانى، وهى موقعة باسم الفنان الفرنسى لوسيان ميتيه بتاريخ عام ١٩٠٧.

متحف "محمود خليل وحرمه" أسسه محب الفن السياسى المعروف "محمد محمود خليل" عام ١٩٦٠، ويرجع تاريخ بنائه للقصر الذى أصبح فيما بعد متحفًا يحمل اسمه إلى عام ١٩١٥، وقد تم بناؤه على مساحة قدرها 8 آلاف متر مربع تشمل القصر وحديقة واسعة تحيط به، وقبل أن يتوفى محمود خليل عام ١٩٥٣ أوصى بهذه المقتنيات إلى زوجته على أن توصى بها وبالقصر كمتحف للحكومة المصرية بعد وفاتها، ولقد ظل هذا المتحف منذ إنشائه حتى عام ١٩٦٠ مسكنًا لأسرة محمد محمود خليل، وفى نفس الوقت متحفًا ومقرًا لمجموعته الفنية الثمينة، إلا أنه بناءً على رغبته وتنفيذًا لوصية زوجته تحول هذا القصر فى يوم ٢٣ يوليو عام ١٩٦٢ إلى متحف يحمل اسمه واسم زوجته السيدة "إميلين هيكتور لوس" الفرنسية الأصل، وكان افتتاح القصر كمتحف لأول مرة عام ١٩٦٢، ونقل بعدها إلى قصر الأمير عمرو إبراهيم بالزمالك عام ١٩٧١، ثم أعيد افتتاحه بالزمالك عام ١٩٧٩.

وقيل إن تاريخ القصر يعود إلى بدايات القرن العشرين، فقد شُيد عام ١٩٠٥ كمقر ريفى للمصرفى الفرنسى الشهير رافييل سوارس، ثم انتقلت ملكيته بعدها إلى أحد أمراء أسرة محمد على وهو الأمير عمر طوسون الذى باعه بدوره - كما يقول الباحث المصرى فى تاريخ القاهرة سمير رأفت - إلى المحامى والسياسى المصرى الصاعد وقتها محمد محمود خليل.

وتحول القصر بعد وفاة الزوجين إلى متحف تنفيذًا لوصية الزوجة، ثم أُفرغ من محتوياته فى عهد الرئيس المصرى أنور السادات ليضم إلى مقر سكنه عام ١٩٧١، وظل كذلك طوال فترة حكم الرئيس الراحل أنور السادات وتم نقل المتحف ومحتوياته إلى مركز الجزيرة للفنون بالزمالك وأعيدت إليه الأعمال مرة أخرى عام ١٩٧٩، ثم حدث أن أغلق القصر بعد وفاة الرئيس السادات لمدة ١٤ سنة ثم أعيد افتتاحه بشكله الجديد بعد نقل محتوياته مرة أخرى لمكانها الأصلى فى شهر أكتوبر عام ١٩٩٥.

وتعد قاعة «أفق واحد للعروض المتغيرة» بمتحف محمود خليل من أكبر القاعات المتخصصة فى الشرق الأوسط، حيث تبلغ مساحتها ٣٤٠ مترًا وقد افتتحت فى ٨ مارس ١٩٩٧، وكان أول معرض تشهده القاعة معرض «وجوه الفيوم» ومنذ ذلك التاريخ تشهد القاعة عروضها الفنية المتميزة ذات الطابع الخاص.

عُرف محمد محمود خليل بحبه للفنون واقتنائه لكل ما هو قيم وثمين ونادر من لوحات مرسومة وتماثيل وتحف إضافة إلى كونه رجل سياسة من الطراز الرفيع فكان وزيرًا ورئيسًا لمجلس الشيوخ وذا دور مهم فى الحياة الثقافية فى مصر وراعيًا للحركة التشكيلية من خلال رئاسته لجمعية محبى الفنون التى اشترك فى تأسيسها فى عام ١٩٢٤م مع الأمير يوسف كمال أحد أمراء الأسرة المالكة.

ويذكر أنه كان لمحمود خليل دور البارز فى التبادل الثقافى بين مصر وفرنسا خلال النصف الأول من القرن العشرين الماضى واعترافًا بدوره فى هذا المجال حصل على أرفع الأوسمة والنياشين الفرنسية.

محمد محمود خليل من مواليد عام ١٨٧٧ فى القاهرة من أب مصرى وأم يونانية وكانت أسرته قريبة من العائلة المالكة فوجد نفسه يسعى بين القصور الملكية وقصور الأمراء والنبلاء ويشاهد أعمال الفنانين المصريين والأجانب ويسمع الموسيقى بآلاتها الغربية والشرقية، والتحق بمدرسة الليسيه الفرنسية بالقاهرة وفى عام ١٨٩٧، ثم سافر إلى فرنسا لدراسة القانون، وفى عام ١٩٠٣ تزوج من زوجته الفرنسية إميلين هيكتور لوس وعادا معًا إلى القاهرة وأقام فى قصره بالجيزة منذ عام ١٩١٨ وحتى عام ١٩٢٧.

تعود قصة حب محمود خليل لزوجته ولقائه معها إلى عام ١٩٠٣، حيث التقى بها فى باريس لأول مرة، وكانت تعمل بالفن وتدرس الموسيقى بمعهد كونسرفتوار بارشرا واشتهرت باسم زورو وأعجب بها وتحول الإعجاب إلى حب وكانت هى أيضًا عاشقة للفنون والاقتناء فاختلطت عنده العاطفة مع عشقه لاقتناء كنوز الفن فتزوجها فى نفس السنة، وعاد بها إلى مصر ليقيما فى قصره بالجيزة، وكان قصره بمثابة صالون ثقافى يستقبل فيه الشعراء والكتاب.

يتكون القصر من ٤ طوابق تضم ٤٥٥ قطعة، ويحتوى على  ٣٠٤ لوحة فريدة من نوعها وبعضها يعود للعصر الرومانى، أما باقى الأعمال فتعود إلى ١٤٣ مصوِّر، حيث يضم العشرات من الأعمال الفنية للعديد من فنانى أوروبا تغطى فترة ما قبل الحداثة وما بعدها، ويتجاوز عدد اللوحات المعروضة فى المتحف 300 لوحة، إضافة إلى أكثر من 50 تمثالاً، ومن بين هذه المعروضات أعمال هامة لإدوار مانيه ورينوار وسيزان وفان غوخ وغوغان ورمبرانت وكوربيه، إضافة إلى مجموعة نادرة من اللوحات الاستشراقية والقطع الخزفية الثمينة. بين مقتنياته مثلاً توجد خمس لوحات لرائد الانطباعية الفرنسى كلود مونيه، وثلاث لوحات لغوغان، بينها لوحة "الحياة والموت" وهى واحدة من أشهر أعماله. وتوجد أيضاً خمسة أعمال للنحات الفرنسى الشهير أوغست رودان، بينها تمثال للكاتب الفرنسى المعروف بلزاك، وثمة مجموعة من اللوحات الهامة لكل من سيوران وبيسارو، أما أول المقتنيات الثمينة التى اشتراها صاحب القصر فكانت لوحة للفنان الفرنسى الشهير أوغست رينوار، والمسماة "ذات ربطة العنق من التل الأبيض" وهى واحدة من بين أهم الأعمال المعروضة داخل المتحف اليوم، وكان خليل قد اشتراها من إحدى غاليريهات باريس عام 1903 لقاء مبلغ 400 جنيه مصرى، وهى لوحة ذات حجم متوسط مرسومة بالألوان الزيتية على القماش، وتمثل اللوحة سيدة شابة ترتدى ربطة عنق من التُل الأبيض يشوب وجهها الحمرة. وتعددت مقتنيات خليل بعدها، وساعده فى ذلك اندلاع الحربين العالميتين واضطراب حركة السوق الفنية فى أوروبا، الأمر الذى مكنه من اقتناء عديد الأعمال الفنية لفنانين بارزين بأسعار زهيدة.

فى أغسطس عام 2010 اكتشف أُمناء متحف محمد محمود خليل وحرمه المُطل على نيل القاهرة عند تفقدهم لمقتنياته، اختفاء لوحة "زهور الخشخاش" للفنان الهولندى الشهير فان جوخ، ومثّل هذا الحادث حينها مادة خصبة لوسائل الإعلام المصرية والعالمية، ليس لقيمة اللوحة المادية فقط والتى كان يتخطى ثمنها فى ذلك الوقت 50 مليون دولار، لكن للملابسات الغامضة التى أحاطت بحادثة السرقة والسهولة التى تمت بها، فقد استطاع اللص انتزاع اللوحة من إطارها الخارجى فى ذروة ساعات العمل بالمتحف، وفى غفلة من القائمين عليه ووسط غياب تام لأى أجهزة إنذار أو مُراقبة، وعلى خلفية هذا الحادث تمت إقالة مسؤولين فى وزارة الثقافة المصرية، وحوكم عاملون وموظفون بتهمة الإهمال. وعلى رغم كل هذه الإجراءات والتحقيقات والضجة الإعلامية التى أثيرت حينها وتضارب التصريحات والتخمينات لم تظهر اللوحة المُختفية حتى اللحظة؛ وأغلق المتحف حينها حتى تتم مراجعة إجراءات التأمين الخاصة به، وظل مغلقاً على ما يضم من مقتنيات ثمينة حتى أعيد افتتاحه أخيراً ليستقبل الزوار من جديد

شملت أعمال التطوير فى المتحف، كافة الأعمال والمعالجات الإنشائية من شبكات التكييف والتهوئة ومنظومة الكهرباء والمياه ومكافحة الحريق وتطوير نظم الإطفاء، إلى جانب تحديث نظم الأمن والمراقبة وتطوير محطة الطاقة الرئيسية، وتحديث التجهيزات ككل، بما فيها منهج العرض المُتحفى.. وتم افتتاحه 2022.

يقدم المتحف العديد من الخدمات للأطفال منها ورش فنية لتعليم الرسم والزخرفة وبعض الحرف، إضافة إلى دورات تدريبية لطلاب التدريب العملى لكلية التربية الفنية طوال العام، كما يتم تنظيم دورات للعاملين بالمتحف حتى يتطلعوا على كل ما هو جديد فى عالم المتاحف والوسائل الحديثة.

الجدير بالذكر أن مشروع تطوير وتجديد المتحف قامت بتنفيذه  الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وحصلت عنه على جائزة أفضل مشروع ترميم فى العالم العام الماضى، وذلك حسبما أعلنت مؤسسة (ENR) العالمية المهتمة بالاستشارات الهندسية.

تم تصوير فيلم الأيدى الناعمة للفنان أحمد مظهر وصباح عام 1963 فى المتحف.

أسعار تذاكر المتحف فى متناول يد الجميع، فهى للمصريين ٣٠ جنيها، وإذا كان الزائر من الطلاب تنخفض التذكرة إلى  ١٠ جنيهات فقط، سعر التذكرة للوافدين الأجانب يبلغ 100 جنيه، بينما الطالب الأجنبى ٥٠ جنيهًا فقط، ويفتح المتحف أبوابه فى الساعة العاشرة صباحا حتى الساعة الخامسة مساءً، ويقع المتحف بشارع النيل بالجيزة بالقرب من فندق شيراتون القاهرة القريب من مقر مجلس الدولة المصرى.

 	عايدة محسب

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

عالم التجميل.. بين الوهم والأحلام

من يخض تجربة دخول المستشفى أو حتى عيادة طبية من أجل التجميل تكن الآمال لديه كبيرة جدا، خصوصا إذا كان...

وداعًا كوبرى الموت بالسيدة عائشة

إنشاء محور مرورى جديد يبدأ من منطقة مجرى العيون ومصر القديمة تحويل الميدان إلى ممشى سياحى وربطه بالمناطق الأثرية المحيطة...

الغلاء.. يسرق فرحة الموسم من البيوت

ثلاجات بلا خزين.. وأسعار بلا ضابط.. وسوق بلا رحمة العسقلانى: يجب التصدى الحاسم للفوضى السعرية اليومية التى تشجع التجار على...

من الغورية لشارع المعز على الفانوس دور

صنعه الفاطميون لإضاءة المساجد فصار رمزا لشهر الصيام آلاف البائعين يعملون فى مئات ورش صناعة الفوانيس معتمدين على موسم رمضان


مقالات

خان الخليلي
  • الثلاثاء، 24 فبراير 2026 09:00 ص
الصيام وفوائده الصحية للأصحاء والمرضى
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 01:00 م
بوابات القاهرة
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 09:00 ص