ما أسمعه عن كفاءة هذا الرجل ووطنيته وإخلاصه ونزاهته وانضباطه يجعلنى مطمئنا إلى توجيه هذا النداء الأخير إليه ،عسى أن يتدخل لوقف هذه «المهزلة» وهذا العبث الذى لا يليق
ما أسمعه عن كفاءة هذا الرجل ووطنيته وإخلاصه ونزاهته وانضباطه يجعلنى مطمئنا إلى توجيه هذا النداء الأخير إليه ،عسى أن يتدخل لوقف هذه «المهزلة» وهذا العبث الذى لا يليق بل إن السكوت عليه خيانة للضمير وللوطن..
إلى اللواء خالد عبد العال مدير أمن القاهرة أوجه كلماتى وندائى.. وعلى يقين أن ما أقوله سوف يوجعه كمواطن غيور على سمعة البلد وتاريخها، ولكنه لن يكون مثلنا يكتفى بالوجع والصمت العاجز، بل سيسارع بتصحيح الوضع المقلوب وبإزالة تلك «الجريمة» التى تُرتكب يوميا.. وفى وضح النهار!
تعرف يا سيادة اللواء مكانة وقيمة (بيت الأمة) فى تاريخنا وقلوبنا، فقد كان بيتا لزعيم الأمة سعد زغلول، وشهدت جدرانه أحداثا غيرت التاريخ، ومنه انطلقت ثورة المصريين ضد قوات الاحتلال الإنجليزى فى 1919، الثورة المصرية العظيمة التى دفع فيها المصريون ضريبة الدم من أجل الحرية والاستقلال.
بيت الأمة جزء خالد من التاريخ المصرى.. لم يكن مجرد منزل أنيق التصميم والمعمار، بل كان المكان الذى غيّر تاريخ مصر فى القرن العشرين.. ويخطئ من يظن أن مكانة بيت الأمة تستمد فقط من الدور الذى لعبه فى إشعال ثورة المصريين الكبرى فى العام 1919 وتوابعها، وإنما كان الدور سابقا على الثورة، فقد كان بيت الأمة هو المكان الذى استضاف الاجتماعات التحضيرية لإنشاء جامعة القاهرة عام 1906، ففى 12 أكتوبر من ذلك العام اختارت صفوة الوطنية المصرية من أفنديات وبكوات وأثرياء الطبقة المثقفة بيت سعد زغلول المستشار بمحكمة الاستئناف ليكون مقرا للاجتماع الأول لمناقشة الاكتتاب الشعبى لإنشاء أول جامعة مصرية.. وأتفق المجتمعون على اختيار سعد زغلول وكيلا للجنة التحضيرية وقاسم أمين سكرتيرا لها.. وعلى اختيار ( الجامعة المصرية) اسما لها.. ومن بيت الأمة أعلن أن مبالغ الاكتتاب وصل مجموعها إلى 4485 جنيها.. ومن بيت الأمة خاض المصريون معركة إنشاء أول جامعة مصرية!
نحتاج إلى مجلدات وساعات لتروى سيرة المكان الذى اشتعلت منه شرارة ثورة 1919، وقصة تشكيل الوفد المصرى، ومشهد الحشود التى خرجت من أمامه تهتف بحياة الهلال مع الصليب، المشهد المهيب الذى نستدعيه الآن كلما أطلت الفتنة الطائفية بوجهها البغيض، ومشهد شباب الثورة وهم يتقاطرون على البيت ليشدوا من عزم صفية زغلول بعد اعتقال زوجها ونفيه، فإذا بها تعطيهم درسا بليغا فى الوطنية، وتبث فيهم الحماس.. والثورة!
ثم المشهد الذى لا ينسى.. جلسات تشكيل أول وزارة مصرية وطنية بعد ثورة 1919 برئاسة الفلاح المصرى سعد زغلول عام 1923 بعد إقرار أول دستور مصرى!
كل حجر فى هذا البيت ينطق بمشاهد العظمة.. إننا فى بيت له تاريخ.. للحجر والبشر.. فالمبنى القديم نفسه بطرازه ومعماره آية فى الجمال، جرى تشييده على النسق الفرنسى، وكان يضارع بيوت الطبقة الراقية الفرنسية، وتكلف بناؤه 4296 جنيها مصريا، وهو مبلغ لو تعلمون عظيم بمقاييس ذلك الزمان، وأنتقل سعد باشا ليسكنه رسميا فى 24 أبريل 1902 ولم يغادره حتى وفاته فى 23 أغسطس 1927!
وقبل رحيله بعامين اشترى سعد باشا قطعة الأرض المجاورة لبيته وكانت مساحتها 4815 مترا مربعا، وكانت نيته أن ينشئ عليها نادى للشباب الوفدى، ولكن العمر لم يمهله، وقررت حكومة عبد الخالق ثروت باشا بناء ضريح على الأرض المجاورة لبيت الأمة ينقل إليه جثمان زعيم الأمة الذى كان قد استقر فى مقابر الأمام الشافعى!
وخاضت أم المصريين معركة شرسة ضد رئيس الحكومة إسماعيل صدقى عدو الوفد الأكبر، الذى قرر نكاية فى الوفديين أن يحول الضريح المخصص لزعيم الأمة إلى (مقبرة للعظماء) يدفن فيها مشاهير السياسيين، لكن صفية زغلول رفضت وصممت أن يكون الضريح لزوجها وحده.. وقد كان.. لكن كان عليها أن تنتظر وصول حكومة الوفد برئاسة النحاس باشا إلى الحكم فى العام 1936 لتنقل رفات سعد باشا من الأمام الشافعى إلى ضريح يليق بزعيم الأمة!
وظلت أم المصريين بعدها تفتح شرفتها كل صباح لتطل على ضريح زوجها وتقرأ له الفاتحة.. إلى أن لحقت به، ولما كانت لم تنجب منه فقد أوصت بتحويل البيت إلى متحف لتخليد ذكرى الرجل الذى قاد ثورة شعب.. وتعرض المكان لإهمال جسيم سنوات طويلة بعد ثورة يوليو، وكان عليه أن ينتظر نظرة عطف من محافظ القاهرة حينها د.عبد الرحيم شحاتة، الذى خصص مليونى وربع جنيه لترميم بيت الأمة وضريح زعيم الأمة وإعادة الاعتبار للمكان الذى غيّر تاريخ الأمة.. وجرى افتتاحه فى 16 يناير 2003!
وبعد 12 عاما على ترميم وافتتاح متحف بيت الأمة تستطيع أن تقول أن المكان الذى صنع ثورة 1919 أصبح ضحية بعد ثورة 25 يناير 2011، فالفوضى العارمة التى تلتها تتجلى على أسوار بيت الأمة بفظاظة.. فقد احتل الباعة الجائلون المكان، وبات سوقا عشوائية للبضائع الرخيصة، ووصلت الفوضى إلى عرض الملابس الداخلية الرجالية والملابس الخاصة الحريمى على أسوار بيت الأمة وعلى بعد أمتار من ضريح سعد زغلول، فى مشهد هو للفضيحة أقرب، فلا توجد دولة تسمح بهذا الامتهان لتاريخها علنا وفى وضح النهار!
المنظر مخزى، وأنت ترى الباعة الجائلين يحتلون أسوار الضريح، بعرباتهم الكارو القبيحة، وبضاعتهم الرخيصة، وينشرونها على الأسوار غير عابئين لا بتاريخ ولا جغرافيا.. وتزداد الدهشة عندما تعرف أن وزارة الداخلية (المبنى القديم) على مرمى حجر من تلك الفضيحة.. ومحافظة القاهرة لا يفصلها سوى ثلاث دقائق.. وحى السيدة التابع له المكان تستطيع أن تصل إلية سيرا على الأقدام فى دقائق معدودة.. لكن الجميع (ضارب طناش) وكأن الموضوع لا يخصه.. وكأن المنظر بات عاديا من فرط القبح الذى سيطر على الشارع المصرى الآن!
ووصل العبث الآن إلى ذروته مع موقف التوكتوك الجديد بجوار بيت الأمة، فى البداية تسرب (مافيا) المكروباص وخلقوا واقعا عبثيا وفرضوا موقفا عشوائيا بات من ثوابت المكان ومعالمه.. وبعدها قرر سائقى التوكتوك أن يضعوا بصمتهم على المشهد، ويمكنك أن ترى هذا المشهد (السريالي) الآن على أسوار بيت الأمة، ومن فوق ضريح سعد باشا يمكنك أن تركب توك توك إلى بيتك!
لا أعرف من الذى سمح باستباحة هذا المكان التاريخى وإهانته بهذا الشكل الفظ، وكيف لم يلتفت أحد أن هذا العبث يحدث فى قلب القاهرة، فعلى بعد أمتار من موقف التوكتوك توجد وزارة الإنتاج الحربى ووزارات فى أهمية التعليم والصحة والعدل، وخلف مجلسى الوزراء والنواب.. نحن نتكلم عن منطقة تاريخية وحيوية وإستراتيجية لا يصح فيها هذا الإهمال وهذا العبث..
على بعد أمتار من بيت الأمة يوجد مبنى (الخزانة العامة) الذى بنى فى عهد الخديوى إسماعيل، وله طراز معمارى فريد يستحق أن نحافظ عليه ونسجله ضمن التراث الإنسانى.. هذا المبنى التاريخى العظيم لا تستطيع أن تدخله لأن أمامه سوق للخضار وعشرات من أقفاص الطماطم وأشولة البطاطس!
حدث أن كان رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب يمر من جوار بيت الأمة فى طريقه لزيارة وزارة التعليم، فاستوقفه هذا المشهد العبثى وأستهول ما يرى فطلب إعادة النظام والاحترام للمكان، وطلب إقامة (نقطة) أمنية ثابتة فيها خدمة أمنية للحفاظ على المكان وضبطه، وبالفعل أقيمت النقطة وبالفعل عاد الانضباط، لكن للأسف حدث التغيير الوزارى الذى خرج فيه المهندس محلب، وبعد أيام من خروجه عادت الفوضى أشد وأعتى.. ووصلت إلى (احتلال) التوكتوك لواحد من أهم معالم وأماكن مصر التاريخية.. بل وتحولت النقطة الأمنية إلى مخزن لأقفاص الخضار والفاكهة!
فى مارس القادم تحتفل مصر بمئوية ثورة 1919، ولا يفصلنا سوى شهور قليلة على هذا الحدث الكبير.. ولك أن تتخيل ضيوف مصر وهم يزورون بيت الأمة فلا يستطيعون الوصول إلى مدخله الذى سده التوكتوك وعربات الباعة الجائلين!
أعرف غيرة اللواء خالد عبد العال على القاهرة، العاصمة التاريخية الساحرة، بكل ما تحويه من أماكن ومبان باتت جزءا من تاريخ مصر وتاريخ الإنسانية.. وأظن أن الرجل لا يرضيه أن تستمر تلك المهزلة..
أعرف مشاغل الرجل ومسئولياته الجسام.. وأعرف كذلك أنه على قدر المسئولية، ولن يرى تلك (الجريمة) ويسكت..
سيادة اللواء.. بيت الأمة يصرخ ويستنجد بك.. فانجده!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
قضى الطاعون على أصحابه جميعا و بقى هو مسجل أثر برقم 72 وكان فترة من الوقت مقرا لنقابة الأثريين
من يخض تجربة دخول المستشفى أو حتى عيادة طبية من أجل التجميل تكن الآمال لديه كبيرة جدا، خصوصا إذا كان...
د. حمدى: ارتفاع الأسعار فى مصر ينتج عن عوامل اجتماعية وسلوكية وليست اقتصادية فقط العسقلانى: يجب التصدى الحاسم للفوضى السعرية...
المريخى: أسوان بطبيعتها تحتضن حضارات متعددة.. والنوبيون أول من استوطنوها حلمى ياسين: التحطيب والحنة والسيرة الهلالية جزء أصيل من الهوية...