الإهمال يضرب أركان المكان ولا مجيب.. انقذوا مسجد فاطمة شقراء

فى منطقة تحت الربع سابقا "أحمد ماهر حاليا" توجد على الجانبين العديد من الآثار الإسلامية التى تعانى من الإهمال، بل أصبح معظمها إن لم يكن كلها فى انتظار لحظة السقوط

فى منطقة تحت الربع سابقا "أحمد ماهر حاليا" توجد على الجانبين العديد من الآثار الإسلامية التى تعانى من الإهمال، بل أصبح معظمها إن لم يكن كلها فى انتظار لحظة السقوط لتتحول إلى ذكرى وتضيع بالكامل مثلما هو حال تكية "الكلشني" الموجودة بالمكان.

أثناء مرورك ستجد لافتات كبيرة الحجم  تلفت نظرك  موجودة أعلى واجهات  بعض المحلات والعمارات بأحد شوارع المنطقة، وقد كتب عليها استغاثة من أهالى المنطقة المجاورين لمسجد "فاطمة شقراء" أو مسجد المرأة، كتب الأهالى الاستغاثة التى حملت كلمات تعبر عن مدى حبهم للمكان وحزنهم على الإهمال الذى أصاب المسجد وتخلى المسئولين عنه فجاء فى الاستغاثة "إلى السيد رئيس الجمهورية  من تجار وسكان شارع أحمد ماهر نطلب من سيادتكم التكرم بفتح مسجد فاطمة الشقراء الذى تم غلقه عام 1992 وحتى الآن ومساحته 350 مترا مربعا واستغثنا بجميع المسئولين ولم يتم فتحه ونحن على ثقة فى رئيسنا  عندما تصله هذه الاستغاثة سيتم فتحه "، ويوجد توقيع أسفل الاستغاثة باسم الحاج "أحمد جبريل"، كما وضعت أسفل تلك اللافتة لافتة أخرى أصغر منها قليلا كتب عليها "هل من العدل أن بيت الله لم يتم ترميمه منذ عام 1992 وحتى الآن".

المسجد مكتوب على لافتته وهى الشيء الوحيد المتبقى من المسجد "المجلس الأعلى للآثار..قطاع الآثار الإسلامية والقبطية – أثر رقم 115 – مسجد المرأة "فاطمة شقراء" ...873 هجرية -1468 م.. وله باب حديث الصنع لا يرجح أن يكون بابه الأصلى وهو مغلق بقفل، وقد تراكمت فضلات الحيوانات الضالة أمام مدخله المليء بالأتربة، وبجانب المسجد تنتشر الورش، ومحلات العطارة،  وورش بيع الشماسى وبائعو الفوانيس.

 أحزان الأهالى

قال لنا ياسر دياب صاحب ورشة تشغيل معادن ملاصقة للمسجد: الجامع مغلق منذ زلزال 1992 وعندما قمنا بتوضيبه وتنظيفه وفتحه للصلاة منذ ما يقرب من خمسة أعوام  قامت وزارة الآثار بعمل محاضر لنا، وعانينا فى المحاكم بسببها ورغم قيامنا بإصلاح دورة المياه به إلا أننا وجدناهم يمنعوننا من الدخول، وكان الزلزال قد أثر كثيرا على المسجد وأصبحت حالته سيئة ومالت مئذنته فقاموا بإزالتها العام الماضي، الغريب أنهم رفضوا قيامنا بإصلاح وفتح المسجد الوحيد فى المنطقة لنصلى فيه، وفى نفس الوقت لم يتحركوا لترميمه وبات مهددا بالانهيار، لذا لم يعد أمامنا سوى كتابة تلك الاستغاثة على لافتة كبيرة لعل أحدا يتحرك، ونفس الكلام أكده مصطفى عبد الرحمن يعمل بائعا فى أحد محلات الفوانيس حيث قال:  منذ سنوات طويلة والمسجد مغلق وحالته يرثى لها، ولا أعلم سبب قيام هيئة الآثار بإغلاقه كل هذه السنين بحجة ترميمه، ويتساءل : إذا كان المسجد مغلقا للترميم فلماذا لم يتم ترميمه حتى الآن لأنه كما تشاهدون مغلق دون أن تمتد إليه يد الإصلاح وهم يعلمون أنه معرض للانهيار، ومتى سيقرر المسئولون التحرك لإنقاذه وترميمه، هل سينتظرون أعواما أخرى ليهتموا به، يا سادة  هناك تجاهل تام للأثر رغم أنه المسجد الوحيد هنا وكان الأولى بهم ترميمه وفتحه ليصلى فيه الناس.

  أهل العلم والاختصاص

قال لنا الدكتور محمد حمزة الحداد أستاذ الآثار الإسلامية وعميد كلية الآثار جامعة القاهرة السابق: مسجد فاطمة شقراء من العصر المملوكى الجركسي، وهو زمن السلطان قايتباي، وقد بنى سنة 872 هجرية – 1469 م، وبنته فاطمة شقراء، ومعظم النساء أو غالبيتهن فى تلك الفترة كن ينشئن مساجد لصفة من صفاتهن الجميلة  أو ارتباطا بالموطن الذى جئن منه، مثل نفيسة البيضاء التى لها سبيل باسمها،  أو فاطمة شقراء صاحبة هذا المسجد، ويضيف: يوجد هذا المسجد فى شارع تحت الربع والمقصود بالربع هنا هو الربع الظاهرى نسبة إلى "الظاهر بيبرس البندقداري" ولاتزال بعض الحوانيت موجودة منذ ذلك العصر حتى الآن ومؤجرة من قبل وزارة الأوقاف.

  3 شوارع رئيسية

هذا الشارع هو أحد ثلاثة شوارع لظاهر القاهرة الجنوبي، وهو الشارع الذى يقع على يسار الواقف بباب زويلة، ويؤدى إلى ميدان باب الخلق، وبالتالى إلى الخليج المصري، ومنطقة غرب الخليج، والخليج كان عليه قنطرة، والقنطرة توصل لبساتين باب اللوق، وهذه المنطقة التى كانت تشهد تحديثا فى زمن الخديو إسماعيل، وكانت المتنفس الوحيد للناس، وكان يسكن فيها بعض الجاليات الأجنبية، وبعض الصفوة من الناس، وشهدت وجود القصور حتى الجامعة الأمريكية والفلكى وبعض الوزارات، أما الشارع الثانى فهو على يمين الواقف بباب زويلة، ويؤدى إلى الدرب الأحمر وباب الوزير  والتبانة والقلعة، وأمام باب زويلة يبدو امتداد الشارع الأعظم أو شارع المعز حاليا، وكان يمتد من ميدان الظاهر إلى السيدة نفيسة، وكان ينقسم لثلاثة أقسام : قسم خارج بباب الفتوح من ميدان الظاهر، وهى منطقة الحسينية التى هى حى الظاهر، أما القسم الثانى فيبدأ من باب الفتوح إلى باب زويلة المعروف حاليا بشارع المعز وترجع تسميته لعام 1937 من قبل مصلحة التنظيم، والقسم الثالث خارج باب زويلة وهو امتداد لنفس الشارع ويشمل شوارع الخيامية والمغربلين والسروجية، حتى يتقاطع مع شارع محمد على، ثم يستكمل مسيرته فى شارع السيوفية إلى أن يتقاطع مع شارع الصليبة ثم يستكمل مسيرته حتى ينتهى لشارع الخليفة الذى يعرف باسم حى الخليفة، إلى أن ينتهى إلى السيدة نفيسة.

  12 ألف حانوت

طول الشارع 4800م  والجزء الموجود فى منتصفه مساحته 1500م وهو شارع المعز، وكان الشارع الأعظم به اثنا عشر ألف حانوت، وكانت جنباته تظل مضاءة حتى منتصف الليل، وأمام كل حانوت قنديل وزير مملوء بالماء، وكانت النساء تسير فى هذا الشارع  حتى منتصف الليل بكل حرية كما ورد فى كتب الرحالة، وقيمة شارع تحت الربع أن المسالك الرئيسية لظاهر القاهرة الجنوبى كانت توصل للخليج وغرب القاهرة والأحكار، والبساتين، التى أصبحت نواة القاهرة الخديوية، والآثار الموجودة بتحت الربع هى "تكية الكلشني" وجامع "فاطمة شقراء" المعروف بجامع المرأة وسبيل "حسن أغا" من عصر محمد على وهو مبنى على الطراز العثماني، ويشتهر الشارع بصناعة الفوانيس والقباقيب.

  تحرش فى الجامع

أما جامع فاطمة شقراء فهو المسجد الوحيد الذى أنشأته امرأة ويعرف بين الأهالى "بجامع المرأة" وسبب هذه التسمية كما عرفنا من خلال التراجم والطبقات وعلى رأسها كتاب طبقات الصوفية للشيخ عبد الرؤوف المناوى المدفون فى قبته بشارع باب البحر بمنطقة باب الشعرية حيث ذكر فى كتابه أن تسمية المسجد بهذا الاسم ترجع إلى أن إحدى النساء دخلت ذات مرة إلى دورة مياه الجامع فرآها أحد الحراس فحاول أن يتحرش بها فصرخت واستغاثت فجاء أهل المنطقة وضربوه وأنقذوها منه، ومنذ ذلك اليوم عندما يسأل أحد عن المسجد يذكرونه بتلك الحادثة، وليس بمنشأه كما هو الحال فى جامع "نبيهة يكن" وهو الجامع الوحيد الذى أنشأته امرأة ولم يشتهر باسمها، وربما جاء من الصدفة أن الحادثة وقعت لإمرأة وأنشأت المسجد امرأة أيضا، لكن التسمية نسبة للحادثة، وأصبحت الحادثة حديث المدينة لعقود تالية، حتى وصلت للمؤرخين فسجلوها نسبة لتلك الحادثة  مثلما هو الأمر أيضا مع مسجد ومدرسة "عبد الغنى الفخري" الموجود فى شارع بورسعيد بجوار مديرية الأمن الذى اشتهر بجامع البنات، لأنه كما ذكر عبد الغنى النابلسى بأن السبب هو أن الفتيات العوانس كن يذهبن للمسجد ويمررن بين المصلين فيأتى لهن الفرج، فنسى الناس اسم منشأه وأصبح يعرف بجامع البنات.

  هزة عنيفة بعد زلزال 1992

جامع فاطمة شقراء من تراث الأوقاف، وحالته سيئة جدا وقد تعرض لهزة عنيفة بعد زلزال 1992 وتم تصليبه منذ ذلك التاريخ، وكان المتنفس الوحيد  لأصحاب المحلات والورش المجاورة له، وأيضا النساء اللائى يأتين لشراء حاجاتهن من المنطقة ويحتجن دخول  الحمام بغض النظرعن أوقات الصلاة، لأنه المسجد الوحيد بالمكان، لذلك تعرضت السيدة صاحبة الحادثة لهذا الموقف  لسوء حظها لأنها اضطرت دخول الحمام لأحد السببين السابقين.

وحسبما جاء فى كتاب عبدالرحمن زكى فى موسوعة مدينة القاهرة فى ألف عام صفحة  325 أن مسجد فاطمة شقراء بشارع تحت الربع، "873هـ-1468-69"، أثر 195تم إنشاؤه على يد رشيد الدين البهائى ومن المحتمل أن تكون مجددة هذا المسجد هى تلك السيدة، كتب على جانبى  بابها العمومى "فى الواجهة الغربية" مانصه: " بسم الله الرحمن الرحيم ... الست المصونة فاطمة شقرا ... بتاريخ شهر جمادى الآخر من سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة". ومنارته أسطوانية الشكل، قامت بإصلاحه إدارة حفظ الآثار العربية عام 1907، له محراب قديم يعد من أجمل المحاريب الحجرية، فقد اشتملت طاقيته على أشكال جميلة بالرخام الأسود، ويحيط به أشرطة منقوشة، ويعلوه مستطيلان كتب فيهما: "وما النصرإلا من عند الله. إن ينصركم الله فلا غالب لكم"، وبداخل المسجد يوجد ضريحان أحدهما للسيدة فاطمة شقراء والآخر غير معروف صاحبه.


 	إيناس مرشد

إيناس مرشد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

عالم التجميل.. بين الوهم والأحلام

من يخض تجربة دخول المستشفى أو حتى عيادة طبية من أجل التجميل تكن الآمال لديه كبيرة جدا، خصوصا إذا كان...

وداعًا كوبرى الموت بالسيدة عائشة

إنشاء محور مرورى جديد يبدأ من منطقة مجرى العيون ومصر القديمة تحويل الميدان إلى ممشى سياحى وربطه بالمناطق الأثرية المحيطة...

الغلاء.. يسرق فرحة الموسم من البيوت

ثلاجات بلا خزين.. وأسعار بلا ضابط.. وسوق بلا رحمة العسقلانى: يجب التصدى الحاسم للفوضى السعرية اليومية التى تشجع التجار على...

من الغورية لشارع المعز على الفانوس دور

صنعه الفاطميون لإضاءة المساجد فصار رمزا لشهر الصيام آلاف البائعين يعملون فى مئات ورش صناعة الفوانيس معتمدين على موسم رمضان