«سنوات المجهود الحربى» حاول إنصافها وفيلم «الست» جدد الجدل حولها 7 أكتوبر حكم القضاء الإدارى فى دعوى سحب الفيلم والكتاب ينتظر طبعته الرابعة ما الدور الذى لعبته «الست» فى تأسيس نادى «الوداد الرياضى المغربى»؟
لا أستطيع أن أتذكر من الذى قال ”إن العرب اختلفوا على كل شىء فى الدنيا لكنهم اتفقوا على شىء واحد فقط هو أم كلثوم”، لكن يمكننى أن أبنى اليوم ـ بعد أكثر خمسين عاماً من رحيل سيدة الغناء العربى (1898 ـ 1975) ـ على صحة هذه المقولة، وأنا أكتب عن أحد أكثر الظواهر الثقافية فى العالم العربى وبعد نصف قرن من رحيل مطربة “غير متعلمة” ظهرت فى أوائل القرن العشرين لكنها أصبحت الأهم فى الغناء والوجدان العربى الحديث كله.
حقيقة لم أشعر بصحة مقولة إن” العرب اختلفوا على كل شىء إلا أم كلثوم” بعد أن قرأت كتاب “أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي”، للكاتب كريم جمال، حيث تأجلت قراءته إلى ما بعد مشاهدة فيلم “الست”، الذى أخرجه مروان حامد 2025 وقامت ببطولته النجمة منى زكى، وهو الفيلم الذى حاول أن يكسر هيبة هذه المقولة بأن يحطم الصورة الذهنية الثابتة التى استقرت لسيدة الغناء العربى فى وجدان محبيها الذين ينامون على صوتها كل يوم من الخليج العربى شرقاً إلى المحيط الأطلنطى غرباً.
لقد تصادف أننى شاهدتُ الفيلم أولاً ثم قرأتُ الكتاب، فخرجت بانطباعات تخص المفارقة التى تجمع بين كتابٍ وثائقى يدوِّن لحظات تحول نجاح المطربة الأكثر شهرة فى تاريخ الغناء العربى “أم كلثوم” إلى جهاد من أجل معركة الكرامة مع العدو الإسرائيلى، وفيلمٍ سينمائى يصور اللحظات نفسها للمطربة نفسها مضيفاً إليها مجموعة من النواقص والسلوكيات المعيبة والانفعالات اللحظية التى تشى بسمات سلبية أهمهــا البخـــل فـــى شخصية أم كلثوم التى يقدمها الفيلم، على اعتبار أن هذه السمات السلبية هى شر لا بد منه، وأن صنّاعه يريدون تقديم نموذج كوكب الشرق الإنسانة، لأن على الدراما الناجحة أن تقدم البطل الدرامى بنواقصه وتناقضاته لكى يصدقه المشـــاهد، لكنهــا حجج لا تصمد ـ للأسف ـ أمام التفكير السليم.
الحق أنه لا وجه للمقارنة بين عطاء كتاب يـــوثق تــاريخــاً مضـــى وانقضى ـ بعد نحو ستة عقود من الحدث ـ مخاطباً الأجيال التى لم تعرف نجاح “أم كلثوم” إلا من التسجيلات الإذاعية والتليفزيونية وبقايا الصحف والمجلات الخاصة بهذا الزمن، تلك الأجيال التى لم تعش الحرب ولم تذق مرارة النكسة ولم تتعرَّف إلى بؤس الحياة خلال سنوات المجهود الحربى، أقصد أنه لا وجه للمقارنة بين عطاء كتاب يملك مفاتيح الدقة والتوثيق وعطاء فيلم سينمائى يملك من الطموح ما هو أبعد من التوثيق بكل تأكيد، حيث يمتلك الفيلم المؤثرات السحرية للسينما: التعبير بالمشهد واللون والإضاءة والماكياج والملابس والموسيقى والحركة، كما يمتلك القدرة على مخاطبة جميع الأجيال والوصول إلى قاعدة جماهيرية واسعة جداً، أوسع من القاعدة الجماهيرية الممكنة لأى كتاب كان، لكن فى المقابل، ومهما كان حبنا للفن السابع وانحيازنا له لا بد أن نتذكر دائماً أن القيمة الحقيقية لكتاب كريم جمال تكمن فى أنه يعد مرجعاً لا يمكن الاستغناء عنه لأى عمل فنى يتناول حياة أم كلثوم، منذ صدر الكتاب فى العام 2022 وخلال السنوات الطويلة المقبلة.
يـــروى الكتــاب فـــى نحو عشرين فصلاً ـ فضلاً عن صور ووثائق ـ تفاصيل رحلات “الست” إلى بلدان عربية ومنها رحلتها للغناء فى تونس، فى فترة كانت العلاقات المصرية التونسية فيها ليست على ما يرام، فتغير الموقف بين النظامين بعد رحلة أم كلثوم، حيث أطلقت تونس اسمها على أحد أشهر شوارعها، وتسابق الجمهور التونسى من عشاق الست إلى التبارى فى شراء التذاكر، بما يعكس محبة الشعب التونسى وتضامنه الكامل مع مصر، والأمر نفسه تكرر فى رحلة المغرب، حيث كانت العلاقات الرسمية وقتها بين البلدين “مصر والمغرب” ليست فى أفضل حال، وبعد الرحلة التى تلقت خلالها أم كلثوم كثيراً من الترحاب الملكى والشعبى تغير الأمر، علماً أن محبة الشعب المغربى لأم كلثوم سبقت زيارتها إلى المغرب بزمنٍ طويل، حيث إن “نادى الوداد الرياضى المغربي” حمل اسمه منذ تأسس العام 1937 تيمناً باسم واحد من أشهر أفلامها “وداد”، والذى كان يعرض وقتها فى دور عرض مغربية، الأمر الذى تكرر فى رحلتى السودان والكويت وكل بلد زارته أم كلثوم.
الفيلم.. والكتاب
الحــق أن الكتـــاب ـ الصـــادر عن “مكتبة تنميـــة” ـ العـــام 2022 والـــذى عرف إقبالاً تسبب فى صدور ثلاث طبعات منه ـ حتى الآن ـ كان حصد جائزة الدولة التشجيعية فى مجال العلوم الاجتماعية العام 2023، وهو جدير بالقراءة ومحفّز على الغيرة والانفعال بالحدث الذى يرويه، مغرياً باستخدامه كمادة خام لمشروع فنى كبير، نظراً إلى أنه ينقل لنا بالتفاصيل الدقيقة وقائع كل حفلات المجهود الحربى التى أحيتها سيدة الغناء العربى “كوكب الشرق أم كلثوم”، وردود الأفعال الصحفية والرسمية والشعبية عليها، والعائد المادى الذى تم تقديمه إلى الجهات المسئولة عن جمع أموال المجهود الحربى، فى واحدة من أحرج لحظات التاريخ العربى، عقب نكبة عسكرية أفقدت مصر جزءاً من أراضيها فى 5 يونيو 1967.
الفارق شاسع إذن بين طموح الكتاب التوثيقى فى تخليد لحظة مقاومة ذات بعد فنى وسياسى، وشطحات صناع الفيلم وتصوراتهم لتحقيق ما يربو إليه صانع الأفلام عادة من نجاح وشهرة وانتشار، وبدا الأمر لى كأن الكتاب نجح بالفعل وبمنهج علمى تاريخى رصين فى تأكيد فكرة أن أم كلثوم كانت الفنان العربى الوحيد الأكثر قدرة على جلب أموال التبرعات للمجهود الحرب من كل ربوع الوطن العربى، بينما نجح الفيلم ـ الذى قرأ صناعُه الكتاب ولا شك ـ فى التأكيد على العكس، أقصد على بخل أم كلثوم وشكها فى الذمة المالية للمحيطين بها، بمن فيهم والدها الشيخ إبراهيم شخصياً، هذا البخل الذى حاول الفيلم التأكيد عليه ظهر فى أداء منى زكى ونطقت به لمسات الماكياج التى جعلت أنف “منى زكي” تبدو رفيعة جداً أكثر من الحقيقة التى بدت عليها حقيقة أنف أم كلثوم التى نعرفها عبر الأجيال أنفاً كبيرة لكنها ليست مستدقّة، ما جعلها بهذه الأنف التى قدمها الفيلم تبدو أشبه بـ “العجوز أم منقار”، منها إلى سيدة الغناء العربى التى صنعت المعجزات من أجل دعم المجهود الحربى، بعد النكسة مباشرة.
عصب هذا الكتاب هو الفصل الذى يروى رحلة أم كلثوم إلى باريس والذى جاء بعنوان “بعد منتصف الليل كانت أم كلثوم لا تزال تغنى”، حيث كان من الممكن فهم اهتمام العرب بظاهرة أم كلثوم، لكن العالم فوجئ بأن زيارة أم كلثوم إلى باريس حولتها إلى مدينة عربية بامتياز ـ ينقل الكتاب عن شهود عيان ـ بسبب مشاهد الزحام الشديد على أماكن حجز تذاكر الحفل من جانب الجاليات العربية والأجانب، حيث وصل طول طابور الراغبين فى الحصول على تذاكر الحفل إلى كيلو متر كامل من البشر، كما أن سعر التذكرة كان هو الأغلى فى تاريخ مسرح “الأولمبيا”، الذى كان يديره يومها كوكاتركس.
قبل أيام من الحفل الباريسى الأول (13 نوفمبر 1967) نتابع تراجع الاهتمام بزيارة أم كلثوم بسبب عدم تصديق الجالية العربية أن أم كلثوم ستغنى فى الأولمبيا”، ثم يزيد الاهتمام مع وصول السيدة إلى باريس وإعلان الصحف عن ذلك، الأمر الذى أدى إلى مضاعفة أسعار التذاكر فى السوق السوداء، ما دفع مدير المسرح “كوكاتركس” إلى زيادة أعداد الكراسى فى الصالة، وتخصيص تذاكر للوقوف استثماراً للمكاسب التى كانت هى الأعلى فى تاريخ مسرح “الأولمبيا”.
تسرد فصول الكتاب ورحلاته إلى السودان وليبيا والكويت بشكل مدهش لحظات التعب والإرهاق فى رحلة سيدة شارفت على السبعين وتعانى من أمراض مزمنة، لكنها لا تزال قادرة فى هذه السن على الغناء لعدة ساعات متواصلة، ومن بين لحظات المعاناة مــوقف شـديــد الصعـوبة تعرضت له أم كلثوم، لحظة سقوطها فوق خشبة المسرح، بسبب تمسك أحد المعجبين بقدميها بغرض تقبيلها على الأرجح، وبعد فزع وخوف وتوقف للغناء تنتصر على نفسها وتعود لتواصل الحفل، وتحقق أعلى عائد حدث فى تاريخ المجهود الحربى.فقد كان عائد الحفلتين فى باريس 25 ألف جنيه استرلينى، أجر أم كلثوم 14 ألفاً تحولت بالكامل إلى خزانة الدولة المصرية، لصالح المجهود الحربى، وبالتالى لا يمكن أن أصدق أن فيلماً عن مثل هذه الفنانة بالذات يمكن أن يلح على سمة البخل فى شخصيتها.. كيف؟.. إنه أمر أشبه ـ حتى ـ بنكران الجميل.
جلال معوض
لقـــد جاءت أم كلثــوم فى هــذا الكتــاب ـ عكس أم كلثـوم فى الفيلم ـ امرأة قوية لا تهاب أحداً، تحمل قضية أمتها فى قلبها وحنجرتها، فتتقوى بعدالة القضية وتتغطى بمحبة وإعجاب الجماهير، التى صارت تلتقيها فى العواصم العربية، وترسل إليها خطابات الشكوى من كل بلدان الوطن العربى تقريباً، صارت “الست” هى السبيل لخلاص الجماهير من الاكئتاب والهم، عبر الالتفاف حول صوتها وأغنياتها ومشــاريعهــا الخيـــرية، فقد نجحت أم كلثوم فى قيادة حملة تبرعات ليس فقط من خلال دورها كمطربة ورمز للموسيقيين ونقابتهم بل أيضا من خلال الجمعيات النسائية المصرية، التى كان لها دور مؤثر فى زيادة دخل حملة المجهود الحربى، فقد استطاعت أم كلثوم أن تجمع ـ فضلاً عن ملايين الجنيهات ـ نحو مائة كيلو جرام من الذهب لصالح المجهود الحربى.
يـــروى الكتــاب جـانباً مـــن قـــوة أم كلثــوم لحظـــة اعتـــراض مديــر الحفل كوكاتركس على تقديم جلال معوض لغناء أم كلثوم بين الفواصل الغنائية، حينما أشار كبير المذيعين إلى جنودنا البواسل على الحدود، ملمحاً إلى الغناء قريباً فى القدس المحررة، كان المسئول الفرنسى غاضباً وطلب من أم كلثوم أن يغير جلال معوض لهجته فى تقديم الوصلة الثانية خصوصاً أننا فى حفل فنى ولسنا فى منصة سياسية، فرفضت أم كلثوم بكل إصرار أن يفرض أحد على الإعلامى المصرى جلال معوض ما يقول، وعلى الفور توجهت أم كلثوم إلى العازفين وقالت: “لموا الآلات”، وفى هذه اللحظة انهار مدير المسرح وطلب من الجميع الهدوء لتنتهى الأزمة ويعود جلال معوض إلى لهجته المعتادة فى تقديم الوصلة الثانية لهذا الحفل الأسطورى.
ختاماً، لا يجب أن ننسى الإشارة إلى قرار محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة بالقاهرة الجديدة بتأجيل النطق بالحكم فى الدعوى المقامة من ورثة السيدة أم كلثوم، للمطالبة بوقف عرض فيلم “الست” وسحب ترخيصه إلى جلسة 7 أكتوبر المقبل، استنادًا إلى ما يقوله الورثة من أن العمل يتضمن وقائع تمثل إساءة إلى السيرة الذاتية لسيدة الغناء العربى وتاريخها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يروى علاقته بالشيخ من كلية الحقوق إلى «بانوراما الميدان» محمود جبر: لا نستطيع أن نقـــــــول «إمــام» مــن دون «نجم» أحمد...
الخوف من سوء الفهم لم يمنعنى من كتابة «الراعى» حاولت أن أجعل الجغرافيا والتاريخ نبضًا حيًّا يتحرك من خلال البشر...
«سنوات المجهود الحربى» حاول إنصافها وفيلم «الست» جدد الجدل حولها 7 أكتوبر حكم القضاء الإدارى فى دعوى سحب الفيلم والكتاب...
عالم اليوم أصبح مسخاً والإنسان غير راض رغم كل التقدم الذى حققه علم النفس الإيجابى فرّق بين السعادة والفرح فى...