عالم اليوم أصبح مسخاً والإنسان غير راض رغم كل التقدم الذى حققه علم النفس الإيجابى فرّق بين السعادة والفرح فى العصور الأولى البدائية كان الفرح آلية من آليات الدفاع عن البقاء
يشير فريدريك لونوار فى كتابه "قوة الفرح"، عن ترجمة د. أيمن عبد الهادى، إلى أن: الفرح كشعور يحمل فى طياته قوة تهزنا من الأعماق.. تغزونا.. تجعلنا نتذوقها حتى الثمالة. فالفرح هو تأكيد على صيرورة الحياة من أجل الانتشاء بالإنجاز، مما يزيد الحيوية، بل تجعلها تدفق كنهر عذب يسقى الروح والجسد معا؛ ولما لا والفرح يعد أجمل وسيلة نتيقن بها من حقيقة وجودنا، وأنه وجود غير عابر، بل له أثر ولو على المستوى الفردى، والمؤثر بالتأكيد على المحيط الخارجى لنا، وحينها نشعر وكأن الفرح قد وزع على الجميع على سبيل المقولة الشعبية "من جاور السعيد يسعد".
يوضح الكاتب فى كتابه، المأخوذ عن تجربة شخصية وتجارب لآخرين، أن مسارين وحدهما هما ما يقودان إلى الفرح الأكثر استمراراً، أولهما: مسار الانفصال. ويعنى به فك الارتباط، أو ما يسمى التحرر الداخلى الذى يسمح بالتدريج للتعرف على الذات الأساسية. أما المسار الثانى فهو عكس الأول، وفيه يعود الارتباط من جديد فى مسار آخر يسمى "مسار الحب"، الذى يسمح بالتواصل مرة أخرى مع العالم، والتصالح معه بطريقة كاملة وصحيحة، نكتشف فيها أن الفرح المثالى لا يتم الوصول إليه إلا عبر تحقق الذات أولا، ثم العودة إلى مشاطرة الحياة مع الآخرين، بكل رضا، مما يجعل الفرح عميقا، ونشطا، وواعيا، يساعد فى التغلب على ما يتم مواجهته من صعوبات وضغوطات.
نشأة مفهوم الفرح
تاريخيا، لم يولد مفهوم الفرح فجأة، بل تطور عبر آلاف السنين، من خلال مزيج بيولوجى تطورى، وفلسفات قديمة أودعت أفكارها ورؤاها الخاصة المؤثرة، ثم عبر نزول الأديان بالوحى السماوى، ووصولا إلى تحليل علم النفس الحديث؛ ومن هذا التطور التاريخى نعى أن الفرح لم يكن أبدا شعورا عابرا مر على البشرية، بل حالة عميقة من الارتياح والشعور بالبهجة، ارتبطت بالوجود الإنسانى وتفسير الناس فى مختلف أنحاء الأرض للحياة، فى كل مرحلة مرت على وجه الأرض.
وبالطبع، فى العصور الأولى البدائية، كان الفرح آلية من آليات الدفاع عن البقاء، إذ أن لا بقاء مع الحزن واليأس فى ظل حياة قاسية لا ترحم. وكأن نشأة الفرح هنا قد تولدت كإشارة بيولوجية كيميائية، تحفز الإنسان، دون أن يعلم، بضرورة تكرار الأفعال الإيجابية التى تشعره بالأمان وقيمة الحياة، من خلال أى إنجاز يحققه، ذلك قبل أن يصل العلم إلى الهرمونات المسئولة عن إعطاء هذا الإحساس بالمخ، كهرمون الدوبامين والسيروتونيين.
وعلى ذلك، يمكننا تصور أن الفرح آنذاك كان نتاج أشياء قد نراها الآن بسيطة وساذجة، ولكنها كانت تعنى وقتها دعم فكرة الانتصار، كنجاح فى صيد أو عثور على طعام بطريقه آمنة دون جهد، أو لقاء مع شريك يساعد على تحمل الأعباء، أو ولادة طفل، مما يسهم فى تقوية الروابط الاجتماعية والعاطفية بين الأفراد، لمزيد من الحماية والطمأنينة.
أما حين بدأت الفلسفات القديمة فى تناول مفهوم الفرح، أخذ الأمر منحى آخر فكرى وأخلاقى، فبدأ الانسان يفكر فيه ويسعى إلى تحقيقه.. ففى الفلسفة اليونانية مثلا ربط أرسطو الفرح بمفهوم الازدهار البشرى، أو ما أسماه "السعادة الحقيقية"، واعتبر الفرح الأسمى يأتى من عيش حياة فاضلة تحقق للإنسان ما يرغب.
وفى الفلسفات الشرقية، كالبوذية، فإن مفهوم الفرح تركز على الفرح العاطفى الناتج عن إسعاد الآخرين والسعادة من أجلهم، كما اعتبر الفرح الفردى فرحا داخليا روحانيا، لا يأتى إلا من التحرر من الماديات، فكان بذلك الزهد طريقة للوصول للفرح.
بين الفرح والسعادة
ظل هذا هو الحال الفكرى إلى لحظة ربط الفرح بما هو مقدس، أى بالروحانيات، وكان هذا بعد نزول الأديان السماوية، وهنا تحول الفرح من مجرد شعور دنيوى أرضى الى حالة روحية متصلة بالسماء، أى بالخالق، عبر التمسك بروح الدين. وقد بدأ ذلك من اليهودية والمسيحية، وفيهما نظر للفرح كأحد ثمار التدثر بالروح القدس، مما ينتج عنه ابتهاج ثابت نابع من الإيمان بها فى أوقات الشدائد والمحن. وعندما نزل الإسلام كان الفرح فى المنظور الإسلامى بفضل من الله وحده، وبرحمة منه تعالى، لقاء الطاعة، مصداقا لما فى الآية الكريمة "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا".
فى العصر الحديث، وتحديدا بالقرنين 20 و21، انتقلت صياغة مفهوم الفرح إلى مختبرات العلم، عبر تحليل ومحاولة تفكيك هذا الشعور، بعد أن أعاد العالمان "مارتن" و"سيجمان" حركة تعريف الفرح، ليصبح مفهوما علميا، وقد بات لا يعنى غياب الحزن فقط، بل هو حالة نشطة تشمل الرضا والتدفق الذهنى والبحث عن الامتنان.
وهنا فرق علم النفس الإيجابى بين الفرح والسعادة، حيث استقر حديثا على أن السعادة حالة عامة طويلة الأمد، ترتبط بظروف الحياة ككل، بينما الفرح ومضة شعورية خاصة ومفاجأة وعميقة، تنشأ فى لحظات بعينها، وتختلف من شخص لآخر، كلحظات الاتصال الإنسانى، أو تذوق الجمال، أو الشعور بالتحقق والتكريم والتقدير، أو عبر عمل به إنجاز حقيقى يشعر الفرد من خلاله بنشوة الانتصار والعوض والجبر.
الفرح بين عالمين
هل عالم اليوم مستعد للفرح؟.. كان التفكير الفلسفى القديم يرى الفلسفة هى المانحة للفرح والسعادة، لأنها تجربة فكرية فريدة تنشد التمرد على الواقع المعيش، من أجل الوصول لعالم أفضل. أما اليوم فالعالم أصبح مغايرا، إذ يرى الكاتب د. إبراهيم هلال فى مقاله عن مفهوم الفرح: أن العالم الآن غير جاهز حقا لفكرة ثورية من أجل تحقيق الفرح والسعادة، لأنه ببساطة قد أمسى عالما أستهلاكيا، أو عبارة عن بضاعة تباع وتشترى، ومحاط برغبات غير نهائية مفتوحة على الأوسع بلا حدود، وبلا توقف، بل وبطمع فى المزيد، ومثل هذا العالم قد أحال أشياء بسيطة كان بمقدورها فى زمن فات أن تهب المرء السعادة، مثل سعادة طفل يفرح بقطعة حلوى أو بلعبة رخيصة الثمن، لكن اليوم باتت الرغبات حتى للأطفال متوحشة لا تهدأ، تطلب دوما الأكثر وما هو غير متاح، وبالتأكيد عالم مثل هذا لا يمكن أن ينتج سعادة حقيقية، بل فى أفضل الأحوال تكون سعادة هشة مؤقتة، منقوصة أو مغلوطة.
وهكـــذا، علـــى ما يبدو، أن مفهوم الفرح -من هذا المنطلق- بحاجة ماسة إلى إعادة تعريف وتقييم، إذ لم يعد الأمر بسيطا، ووصل من التعقيد إلى حد المبالغة. والعجيب أن الجميع مازال يتساءل حتى وسط الحصول على أى لحظة سعادة، ولو قليلة: أين هى السعادة وأين هو الفرح؟! ومن هذا التساؤل يمكن أن ندرك أن المفاهيم اختلطت، وأصبح الفرق جد هين بين السعادة والرضا والرفاهية، والبحث عن حياة كريمة، والسعى وراء الرزق ومكملات الحياة، والنجاة حتى من الموت، وهو ما يكشف التطور فيما يعرف بالتشويش الذهنى، غير المرشح لإنتاج أى مستوى من الفرح والسعادة.
ضحية عالم خفى
فى ظل هذا التخبط لعصرنا الحالى، ظهر فيلسوف مثل "آلان باديو" ليقول معارضا حتى التصور الليبرالى للفرح: "إنه للاأسف هذا أيضا لن يحقق حالة الاشباع الإنسانى المنشودة، ومرجع ذلك إلى كونية أو سيطرة الماديات على العواطف والمشاعر والاحاسيس الآدمية الفطرية، فى ظل قوانين تجارة عالمية سائلة، تهدف للربح لا للخسارة، وأجندات حروب قائمة أو متوقعة، ومنافسات فى كل المجالات، واحتكارات بكل الميادين، وتبارى فى المظاهر التى تحدد قيمة الإنسان بقيمة المال، وهو التصور الذى غلب كل شىء، ظنا أنه قد يحقق الفرح.
وأخيرا، فى عالم لم تتعالى فيه البشرية على كونها أصبحت مجرد أرقام، كان من الطبيعى أن يصير عالم اليوم مسخا أو نسخة مشوهة من عالم الماضى، ومن الطبيعى أيضا أن يكون الانسان غير راض، رغم كل التقدم والازدهار الذى حققه وحصل عليه، ورغم أن كتاب "الأخلاق" لسبينوزا، الذى نشر منذ قرنين من الزمان، حذر فيه من أن الغبطة ندركها بالتحرر من العبودية والأوهام والأهواء والأحكام المسبقة، إلا أن هذا التحذير المبكر جدا لم يتم التعامل معه بجدية، فلم يعد للأسف متاحا الآن بعد أن صارت الأغلبية ضحية عالم خفى لا يحتفى بالفرح.
والآن، نحن فى أشد الحاجة إلى فكرة أو قيمة حقة، نخاطر بما وصلنا إليه من أجلها، لا نأبه بالمال، ولا بالسرعة الجنونية التى تزيح فى طريقها كل ما هو قويم، وألا نراهن فى هذا الكوكب المرعب إلا على قوتنا وإرادتنا العظيمة، التى وهبها الله لنا، لنستطيع أن نجنى ولو للأجيال القادمة بعض الفرح والسعادة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يروى علاقته بالشيخ من كلية الحقوق إلى «بانوراما الميدان» محمود جبر: لا نستطيع أن نقـــــــول «إمــام» مــن دون «نجم» أحمد...
الخوف من سوء الفهم لم يمنعنى من كتابة «الراعى» حاولت أن أجعل الجغرافيا والتاريخ نبضًا حيًّا يتحرك من خلال البشر...
«سنوات المجهود الحربى» حاول إنصافها وفيلم «الست» جدد الجدل حولها 7 أكتوبر حكم القضاء الإدارى فى دعوى سحب الفيلم والكتاب...
عالم اليوم أصبح مسخاً والإنسان غير راض رغم كل التقدم الذى حققه علم النفس الإيجابى فرّق بين السعادة والفرح فى...