«الدوقى» يكشف قصة المعلمة خضرة تعلب.. مؤسسة أسطورة الباطنية اللواء وليد الدوقي: فيلم نادية الجندى خيال سينمائي لا علاقة له بالحقيقة عرفت الشاعر أحمد فؤاد نجم وكنت أزوره في حوش آدم
خدعتنا نادية الجندى بفيلمها عن "الباطنية". فالفيلم ذو السيناريو المحبوك الذي كتبه مصطفى محرم عن قصة لإسماعيل ولى الدين، وشارك في بطولته ألمع نجوم السينما حينها محمود ياسين، فريد شوقى، أحمد زكى، فاروق الفيشاوى، عماد حمدى، وأخرجه ملك سينما الأكشن حسام الدين مصطفى، ومنح بطلته لقب "نجمة الجماهير"، وحقق إيرادات غير مسبوقة في شباك التذاكر عند عرضه في العام 1980 جعلنا نجاحه نصدق أحداثه وشخصياته. وتترسخ فى أذهاننا تلك الصورة التي رسمها عن أشهر إمبراطورية للمخدرات في مصر.
أستطيع أن أقول لك ببساطة إننا عشنا طوال 46 سنة فى كذبة ممتعة، فما قدمه الفيلم عبارة عن خيال لا علاقة له من قريب أو بعيد بالباطنية، لا الحى ولا إمبراطورية المخدرات التي تأسست فيه ونسجت حولها الأساطير، بل إن شخصية المعلمة "وردة" التى قدمتها نجمة الجماهير لا تحمل أي ملامح من سيرة وشخصية المعلمة "خضرة" مؤسسة الإمبراطورية ومعلمتها الأولى.
(1)
فورا تلك الصورة الراسخة في وجداننا منذ عرض الفيلم يوجد شخص يتعامل مع الفيلم على أنه خيال علمى، بل عمل كوميدي لا يمت بصلة للباطنية التي يعرفها ككف يده، يضحك لسذاجة الأحداث وغرابة الشخصيات والأخطاء العبثية التي اعتبرها الجمهور مواقف درامية مثيرة ومدهشة تستحق التصفيق.
وعندما تستمع إلى شهادته ستنهدم عن الباطنية وإمبراطوريتها، وستصدقه فورا، لأنه ببساطة قاهر إمبراطورية الباطنية، والضابط الذي عاصر تأسيسها ونشأتها، ويعرف عائلاتها وسكانها ويحفظ عتاولة تجار المخدرات بها ويحفظونه بالمثل ولا ينسون اسمه لأنه كان السبب في القضاء على الإمبراطورية وكتابة المشهد الأخير في تاريخها "الأزرق".
إنه اللواء وليد محمود الدوقي الذي عمل السنوات فى مباحث قسم الدرب الأحمر التابع له الحى، ثم ضابطا ورئيس مكتب مكافحة المخدرات، فقضى سنوات عمره الوظيفي في قلب الحي الشهير، أو الذي جعلت منه السينما أسطورة باعتباره أشهر مملكة لتجارة المخدرات في سنوات الثمانينات...
وكان من حسن الحظ أن يحضر تسجيل الحوار اللواء محمد جنیدی رفیق السلاح وزميله لسنوات في مكتب مكافحة المخدرات قبل أن ينتقل إلى "الآداب" تم مسئولية الرقابة على المصنفات الفنية...
وجلست أستمع إلى قاهري الباطنية... وفي البداية حكى اللواء وليد الدوقى القصة من أولها باعتباره ابن المنطقة العارف بأصولها وتاريخها ونشأتها... وقال بأسلوبه المرتب وذاكرته الحديدية الحافظة للتفاصيل:
"لم تكن الباطنية تختلف عن أي منطقة شعبية، تسكنها عائلات مصرية عادية فيهم موظفون وأصحاب مهن من كل صنف ناس في حالهم ولا علاقة لهم بأى أنشطة ممنوعة. واكتسبت المنطقة أهميتها من قربها من جامع وجامعة الأزهر، فكان الطلبة الأزهريون يفضلونها كأماكن رخيصة للسكن توفر عليهم أجرة المواصلات.. وأغلب أصحاب البيوت القديمة في المنطقة كانوا تؤجرونها الطلبة الأزهر، وتميزت بما كان يعرف ب " الربع " - يفتح الراء وهو مكان متسع عبارة عن غرف متلاصقة "دايرا داير" كما يقولون...
وفي الباطنية كنت تجد أشطر صنايعية مصر، ففيه أحلى محلات الفول والطرشي، وأحلى بسبوسة وكنافة عند عم إبراهيم، وأحلى ورش الأرابيسك وبعض مطاعم الحي اكتسبت شهرة خاصة فكان يقصدها فنانون ومشاهير ويقضون فيها سهراتهم.
وظلت المنطقة على هدوئها وطابعها إلى أن انتقلت إليها المعلمة "خضرة تعلب". التي اشترت عددا من بيوت الباطنية وأجرتها للطلبة، واتخذت منها ستارا لتجارة المخدرات، التي كانت تقتصر وقتها على "الحشيش والأفيون" فقط، وبدأت تجارتها تتسع مستغلة الطابع الجغرافي للحي، فهو عبارة عن حوارى ضيقة "منفدة" على بعضها من جميع الاتجاهات، يعنى ممكن تدخل إليها من حارة الروم وتخرج إلى مسجد ستنا فاطمة النبوية، أو تدخل من ورا جامع الأزهر وتصل منه إلى حارة الروم .. فضلا عن ضيق الشوارع والتصاق البيوت يعني ممكن "تنط" من سطح السطح بمنتهى السهولة، وهو ما جعلها مكانا مثاليا لتجارة المخدرات، يسهل على الناضورجية مراقبة مداخلة والتحذير من كبسات البوليس
توسعت إمبراطورية المعلمة خضرة وأصبح لها صبيان ومساعدين، على رأسهم مصطفى مرزوق دراعها اليمين" الذي زوجته من ابنتها فاتنة الجمال وكذلك ابنها الكابتن قوطة
ويتداخل اللواء محمد جنیدی موضحا "قوطة " ابن المعلمة خضرة هو اسم الحتة لقب الكابتن قوطة، واشتهر بهذا الاسم، وافتتح مقهى كان يستقبل فيه أصدقائه من نجوم الكرة والفن، وربما كان أغلبهم لا يعرف طبيعة نشاطه ونشاط أسرته في تجارة المخدرات... الشهرة، وكان شابا رياضيا وانضم في فترة لأشبال نادى الزمالك، وفي فترة خدمته العسكرية كان يعود إلى الحارة وهو يتعايق في "البارية الأحمر" المميز للشرطة العسكرية، فأطلق عليه أهل
ويواصل اللواء وليد الدوقي قصته مع الباطنية:
وحدث في حركة تنقلات الشرطة أن وجدت نفسي في مكتب مكافحة المخدرات ومعى اثنين من الزملاء هما محمد جنيدى ومحمد الكاشف كنا الأحدث بين ضباط المكافحة في وجود القدامى من الأسماء اللامعة مثل حسين والى وأحمد فتحى وعاصم الشاذلي و مصطفى بدر و جمال زكى، وكان لكل واحد منهم تاريخه، وكل يوم أسماؤهم منشورة في الصحف مع إنجازهم والقضايا التي نجحوا في ضبطها...
وكنت الأكثر تمرسا في مكافحة المخدرات بحكم سنوات خبرتي في قسم الدرب الأحمر وتجربتي مع تجار الباطنية، يعنى كنت شغال وايدى في اللعبة" كما يقولون.
ويعلق اللوا جنيدي ساخرا: كنت وقتها لا أعرف الفرق بين "الوقة" و"الوقية"
ويكمل اللواء الدوقى الوقة والوقية هما موازين الحشيش وقتها، والوقة تزن کیلو و ۲۰۰ جرام ويمكن تقسيمها إلى ٣٦ وقية، والوقية تعادل ٣٦ جراما ( في حالة عدم الغش في الميزان)، ويمكن تقسيمها إلى 8 "قروش"، والقرش يعادل 4 جرامات ... الأمر اختلف فيما بعد وأصبح الوزن بالجرام .. على أية حال بدأنا في سياسة جديدة لمكافحة المخدرات لا تعتمد على نظام المخبرين القديم، وكنا نعرف أن تجار المخدرات لديهم "عيون" يحذرونهم قبل تحركاتنا ليأخذوا حذرهم، فقررنا الاعتماد على مصادر
سرية بعيدا عن المخبرين القدامى، أصبح لنا مرشدون يزودوننا بمعلومات قيمة من داخل الباطنية نفسها وكنت أتعمد عدم الإفصاح عن وجهات المأموريات، لا أحد يعرف إلى أين نتوجه الباطنية أم السيدة زينب أم عين شمس أو مدينة السلام، لأضمن أن لا تتسرب معلومة إلى التجار فتفسد مهمتنا.. وكان من حسن الحظ أنه أيامها لم تكن هناك موبايلات ولا كاميرات ولا وسائل تواصل تنقل الحدث في لحظة كما هو اليوم.
وركزت اهتمامى على الباطنية، وبدأنا نشتغل شغل احترافي، وكنت مهتما بإيقاع الأسماء الكبيرة من تجار الصنف الحيتان وليس الصبيان، ووقتها عندما انتقلنا إلى المكافحة كانت المعلمة خضرة قد تقدم بها العمر ولم تعد صحتها تحتمل الشغل، وكذلك زوج ابنتها مصطفى مرزوق، فتركت مهمة إدارة إمبراطوريتها إلى ابنها الكابتن قوطة.. وأمكننا عن طريقه الإيقاع بمشاهير من المتعاملين معه.. منهم فنان معروف خرجنا وراء سيارته وضبطناه بالممنوعات في طريق صلاح سالم.. وكنت على رأس الحملة التي ضبطت الفنان حاتم ذو الفقار بتهمة التعاطي في شقته بالعباسية، وقعدنا أكثر من نصف ساعة لغاية لما قدرنا نكسر باب الشقة المصفح، وقبل دخولنا حاول يتخلص من الممنوعات فرمی حوالی ۳۰ جرام هيروين في علبة سجائر من شباك البلكونة وحرزناها مع المضبوطات...
(3)
وتعرفت في تلك الفترة بالشاعر أحمد فؤاد نجم المقيم حينها بشارع حوش آدم التابع لمنطقة الباطنية، وكثيرا ما كنت أزوره في شقته الصغيرة التي كانت ملتقى للمثقفين والفنانين، ونجم نفسه لم يكن يخفى علاقته بالحشيش، وظلت علاقتي به ممتدة حتى بعد أن ترك حوش آدم بعد أن تهدم البيت في زلزال العام ۱۹۹۲ وانتقل إلى شقته الجديدة في مساكن الزلزال بالمقطم وزرته هناك عدة مرات.
قعدت سنين أشتغل على الباطنية، وخاصة الكبار فيها زي كابتن قوطة وعيلة نصار، وكانت لهم أملاك كثيرة وبيوت قديمة يستخدموها كمخازن سرية للبضاعة... لغاية لما قدرنا في النهاية نقضى على أشهر إمبراطورية للمخدرات، عملنا حاجة اسمها "المنع"، وقبضنا على أكبر الرؤوس في الباطنية، فالباقى قرر ينجو بنفسه ويهرب من المنطقة، لأنهم عرفوا إن السجن مصيرهم. ومنهم من تاب ورجع عن تجارة المخدرات وعاد إلى مهنته الأصلية كصنايعى أو صاحب محل أغراه الربح السريع والكبير للمخدرات، لكنه رأى النهاية السوداء فتاب وأناب وكنت أعرف الكثير منهم.
ومن تجربتي الطويلة أستطيع أن أؤكد أن فيلم الباطنية" لا علاقة له بالواقع، يعنى مثلا حكاية "سفروت" أو ضابط المكافحة الذي تم زرعه داخل العصابة مسألة غير واقعية وغير منطقية رغم أن أحمد زكى عمل الشخصية باقتدار.. كنا نحن ضباط المكافحة معروفون بالاسم والشكل التجار المخدرات. يبقى مش معقول أروح أتنكر وأعيش مع أفراد العصابة. أنا فاكر لما كنت أدخل الباطنية على رجلى كنت ألاحظ أن ناضورجيا من صبيانهم بدأ يصفر بطريقة معينة ليبلغ بقية العصابة بقدومى، وكنت أسمع الهمس بأذني وليد بيه جاي.. كنا ساعات ممكن انتحل شخصية تاجر أو مشترى في أماكن لا يعرفنى فيها أحد بغرض المراقبة أو الإيقاع بتاجر كبير.. كان يقدمني له أحد الوسطاء على أنني صاحب معرض سيارات مثلا وعايز "أشيل" منه كمية مخدرات، وأبدأ أتعامل معه بهذه الصفة حتى تنتهى المهمة.. أما إنى أنزل الباطنية وأعيش مع العصابة فهذا خيال سينما ليس أكثر.
ومن الإنصاف أن أقول إن السينما قدمت صورة ظالمة وغير حقيقية لمنطقة الباطنية عندما صورتها على أنها مجرد وكر كبير للمخدرات، لا، الباطنية في أي منطقة شعبية في مصر، فيها ناس محترمة ولا غبار عليها بالعكس تجار المخدرات أنفسهم كانوا يحترمون أهل الباطنية ويحرصون على عدم الإساءة لهم أو افتعال المشاجرات معهم...
وعايز أقول إن أهل الباطنية ساعدونا كثيرا في ضرب تجارة وتجار المخدرات، لأنهم كانوا متضررين ويخشون على أولادهم من السقوط في إدمانها ... وكثيرا منهم كانوا يلجأون لنا في مكتب المكافحة ويشتكون من السمعة التي لحقت بهم ويقدمون لنا كل مساعدة أو معلومة يمكن أن تفيدنا في شغلنا.
هل تعرضتم لتهديدات من تجار المخدرات في الباطنية أو غيرها وكان بعضهم يملك السطوة والسلاح والبلطجية؟ سألت...
وبادر اللواء جنيدى بالإجابة: تاجر المخدرات "الأصلى" لا يمكن أن يلجأ إلى التهديد أو البلطجة أو مقاومة السلطات بالقوة .. لأنه يعرف أن القبض عليه ليس نهاية المطاف، ولسه فيه تحقيقات نيابة وشغل محامين وممكن يلاقى اللى "يشيل" القضية.. من يلجأ للعنف
يكون في الأصل تاجر سلاح ومسجل ويتخذ من تجارة المخدرات ستارا.. استخدام السلاح تعنى أنه ينتحر ولا مهرب له ولا مفر. أنا فاكر واحنا ضباط صغيرين كنا نمر أحيانا على قهوة الكابتن قوطة فتلاقي التجار والصبيان - وكنا نعرفهم بالاسم يقفون ليؤدون لنا التحية..
ويؤكد اللواء الدوقى على كلامه عمرى ما جالي تهديد طوال فترة شغلى فى المكافحة، ولا أذكر أن تاجر مخدرات مهما كان اسمه أو سطوته "مسك" في "خناقى" وأنا أضبطه.. ممكن كان يحصل أثناء محاولات الاقتحام بعض المناوشات بغرض التعطيل والإلهاء.. ممكن الصبيان يحدفوا طوب أو يفتعلوا الشغب ويزعقوا شوية .. لكن بمجرد أن أسيطر على المعلم وأقبض عليه ينتهى كل شيء.. ولما دخلنا في مرحلة تجارة البودرة وغرز الماكس، وهي بالطبع أخطر من غرز الحشيش كانوا يلجأون إلى حيل للهروب وليس المقاومة، كان أشهرها أن تكون هناك لمبة إضاءة وحيدة في المكان وبمجرد دخولنا يسرع أحدهم بكسرها علشان تبقى الدنيا ضلمة كحل مما يعطيهم فرصة للهرب...
وأحمد الله على ما أنجزته من نجاحات في تلك التجارة اللعينة المدمرة، وقضيت عمري في مكافحتها، وأشعر بالرضا أننى كنت سببا قويا في القضاء على أشهر بؤرة التجارة المخدرات وهدم أسطورة الباطنية.. وخرجت من الخدمة قبل ثورة يناير بحوالى 3 سنوات على درجة مدير إدارة مكافحة المخدرات، وكأن تلك المكافحة كانت قدري، فحتى السنوات الثلاث التي خدمت فيها في سوهاج توليت إدارة مكافحة المخدرات في مباحث سوهاج .. وعندى من الذكريات والخبرات ما يجعلني أفكر فى عمل كتاب لنشر الوعى والتحذير من تلك التجارة اللعينة وإنقاذ شبابنا من الوقوع في ذلك "الثقب الأزرق".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ابتسم.. أنت فى الإسكندرية!
الدراسة الأكاديمية أضافت لى الكثير من الوعى والعمق الأدبى والتراثى أتمنى أن أسهم بشكل متفرد فى المسرح الشعرى
30 عامًا على رحيل صاحبة «الباب المفتوح» فازت بجائزة نجيب محفوظ للرواية فى دورتها الأولى.. وتناولت إبداع صاحب نوبل فى...
جدّه الملك لويس الخامس عشر هو من اختار له زوجة من النمسا بهدف تقوية العلاقة بين عرش باريس وعرش فيينا...