خيرى شلبى.. «وتد» الرواية و «موال» الحكاية

فى الذكرى ال 15 لرحيل كاتب عاش فى دنيا «الشطار» تحدى ظروفه القاسية.. غزا القاهرة ونال إعجاب طه حسين كتب «أنس الحبايب» فى أواخر حياته.. ومات واقفا كما تمنى صنع عالما سحرياً فى رواياته.. ونقل عوالم المهمشين بدقة وبراعة

منذ 15 عاما، وبالتحديد فى 9 سبتمبر عام 2011، رحل خيري شلبي، أو "عم خيري" كما كان يناديه الجميع صغارا وكبارا وحتى الأكبر منه سنا، وهو أمر يحمل دلالة أُبوة حانية، أسبغها عم خيري على الجميع، بما اكتسب من تجارب وبما عارك من أحداث.. وقد شرفنا، نحن أبناء مجلة "الإذاعة والتليفزيون"، بزمالة هذا الروائي الكبير، ابن المجلة، الذي حفر اسمه بارزا وناصعا فى سجل أبرز وأشهر وأفضل مبدعي الرواية العربية على مر تاريخها. ولا يمكن أن ينسى جيلنا -نحن الذين شارفنا الآن على الستين- يوم الأحد من كل أسبوع، الذي كان يأتى فيه عم خيري إلى مقر المجلة، فنتحلق حوله -وكنا فى مقتبل حياتنا- وهو يحكى ويروى ذكرياته وحكاياته البعيدة، فيبدو كساحر يستخرج من جرابه ما يسحر متابعيه.

فى 31 يناير عام 1938، ولد خيري شلبي بقرية "شباس عمير"، التابعة لمركز قلين بمحافظة كفر الشيخ، لأب كان يعمل بهيئة الفنارات بالإسكندرية، أنجبه بعد خروجه إلى المعاش. كان هذا الأب -أحمد شلبي- قد تزوج والدة عم خيري فى سن متأخرة، فأنجب منها ستة أبناء وبنات، أولهم عم خيري الذي أسماه أبوه على اسم شقيق له من زوجة أخرى لوالده كان قد رحل، وقد قال عم خيري - فى حوار له مع الروائي الراحل جمال الغيطاني- إنه ولد فى ظل الحرب العالمية الثانية، وعاش طفولته فى ظل حرب 48، وصباها مع العدوان الثلاثي عام 56، وشبابه فى ظل نكسة يونيو 67، وكهولته مع نصر 73.

أيام قاسية

ينتمى خيري شلبي إلى الطبقة المتوسطة المصرية. وكانت الكتب أول ما تفتحت عليه والداه فى الدنيا، فقد كان أبوه يمتلك مكتبة كبيرة فى منزله، فأقبل عليها وعلى قراءتها إقبالا شديدا، وكان أبوه يريد له مسارا وظيفيا مضمونا، لكن الطفل ثم الصبى خيري مسه الأدب مبكرا، وكانت له فى البداية محاولات شعرية متعددة، وأيقن الأب أن الابن خيري لن يستجيب لما خططه له من مسار، فكانت علاقته به مرتبكة، وسنلاحظ أن شخصية الأب تتوارى كثيرا فى روايات عم خيري، باستثناء روايته القصيرة "لحس العتب"، وأنه دائما ما قدم المرأة والأم كنموذج فاعل يحرك الأحداث فى كثير من رواياته. هذا الارتباك ربما يعود أيضا إلى فارق السن الكبير بين خيري شلبي وأبيه.

فى ظل هذه الظروف، عاش خيري مرحلة طفولة وصبا قاسية، بل شديدة القسوة، فعمل فى التراحيل، وبلغت ذروة قسوتها حين فاض الكيل بالصبى خيري شلبي فضرب أحد مدرسيه بمعهد المعلمين بدمنهور، وتم رفته من المعهد، ليواجه الحياة وحده فى سن صغيرة، وليعمل بعد ذلك فى مهن شديدة الصعوبة، فقد عمل بائعا سريحا بالإسكندرية ليعول نفسه. تلك الظروف القاسية أنضجته مبكرا، عركته تجارب

حياتية مؤلمة، فيما كان مأسورا بسحر الأدب، يقرأ فى أصعب الظروف، ويقتنى الكتب فى أيام كان توفير طعام اليوم ومكان النوم أقصى ما يريده.

فى تلك الأثناء، قرر خيري شلبي ألا

يعود إلى قريته، إلا بعد أن يحقق النجاح الكبير الذى يستحقه، فجاء إلى القاهرة، متحديا أياما وظروفا لا قبل لشاب فى مقتبل عمره بتحديها، لكن التجربة كانت قد صنعت منه رجلا صلبا وحقيقيا، كان يكتب الشعر فى بدايته، لكنه أيقن أن الشعر ليس طريقه الحقيقي، بل الرواية.. لكنه فى تلك المرحلة أراد فقط أن يعمل ليكسب مالا فيعيش. ذهب فى البداية إلى ندوة عبد الفتاح الجمل بجريدة "المساء"، وتعرف هناك على بعض مجايليه من شباب المبدعين، فى مقدمتهم عبد الرحمن الأبنودى الذى دُس فى يد خيري شلبي ورقة تحتوي على إحدى قصائده.

مع طه حسين ويحيى حقى

عن طريق عبد الفتاح الجمل، عمل خيري فى بعض الصحف، ونشر قصصا أولى عرفت الوسط الأدبي به، مثل "أنشودة الكورس الحزين"، و"أغنية للقمر الغائب"، لكن شلبي عرف طريقه أيضا إلى الأديب الكبير يحيى حقى فى مجلة "المجلة"، الذى استقبل خيري وموهبته الطازجة استقبالا رائعا ونشر له كثيرا.. وعزز ثقته فى إبداعه وأدبه، لذلك لم ينس خيري أبدا فضل يحيى عليه، بالإضافة طبعا إلى إعجابه الشديد بإبداعه القصصى والروائي، إلى درجة أنه كان يضع صورة حقى على مكتبه، تعبيرا عن اعتزازه به ومحبته له.

الدنيا التى كشرت فى وجه خيري فى طفولته وصباه، فى شباس عمير ودمنهور والإسكندرية، بدأت تتدارى تكشيرتها وتستبدلها بنصف ابتسامة بسيطة فى القاهرة، حين عرف طريقه إلى الإذاعة المصرية، وإلى جنبات المسرح، معدا وكاتبا للمثيلات والمسرحيات، ثم سكرتيرا لتحرير مجلة المسرح.

بجهده وعمله، بدأ خيري شلبي يقف بقدم صلبة على الطريق، كان يكافح ويعافر ليوفر لنفسه حياة جديدة، فيما كانت موهبته الأساسية -الإبداع القصصى والروائي- تنتظر الظرف المناسب للانطلاق. فى بداية عمله ذلك، أعد شابى -بالاشتراك مع بكر رضوان- مسرحية "عودة الروح" لتوفيق الحكيم، ثم جاءته فرصة من ذهب، وهي أن يعد قصة "الأيام" لعميد الأدب العربي طه حسين للإذاعة المصرية.

كان الأمر فى البداية صعبا، حين اشترط طه حسين أن يعد المسلسل باللغة العربية الفصحى، وكان من المستحيل أن يتكلم أهالى عزبة الكيلو بمغاغة بالمنيا -حيث نشأ طه حسين- باللغة العربية الفصحى، واهتدى خيري شلبي إلى لغة تجمع بين الفصحى والعامية، وتميل أكثر إلى العامية، أو ما يمكن تسميتها باللغة الوسطى، وبدأ يتردد على عميد الأدب العربي فى بيته، يسمعه ما كتب، ووافق طه حسين ومع بداية إذاعة الحلقات، شعر عميد الأدب العربي أنه تورط بموافقته، لكن نجاح المسلسل الكبير جعله يراجع نفسه، ويدرك أن الأصح هو ما فعله خيري، معد المسلسل، ليبدى طه حسين إعجابه الشديد به.

هذا الربط الذى جمع اسمه بطه حسين، كان نقلة مهمة لعم خيري، حتى على المستوى الاجتماعي، فحين كان يذاع المسلسل وفى المقدمة يقول المذيع (الأيام.. عن قصة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.. من إعداد خيري شلبي) بعث فى نفس والد خيري شلبي كل مشاعر الفخر بابنه، وأدرك أنه صاحب موهبة حقيقية ينتظره مستقبل مرموق، وأنه -الأب- كان مخطئا حين اعتقد أن ابنه يسير على غير هدى، وأنه سيفشل فى حياته.

سيعود اسم خيري شلبي بعدها بسنوات ليرتبط ارتباطا وثيقا باسم طه حسين، حين عثر عم خيري على كراسة قديمة متهالكة، فى مكتبة على خريوش بدرب الجماميز، تحوى اكتشافا أدبيا مذهلا، هو محضر التحقيق مع طه حسين فى قضية كتابه الشهير "فى الشعر الجاهلي"، الذى أصدره عام 1926، وقدمت ضده بلاغات من شيخ الأزهر وقتها ومن غيره. وفى التحقيق تتضح حقيقة أن رئيس نيابة مصر محمد نور حفظ القضية لعدم كفاية الأدلة، وليس لأنه تمت استتابة طه حسين كما أذيع وقتها، وكشف التحقيق عن بلاغة ونباهة محمد نور، وعن براءة طه حسين. وحقق خيري شلبي التحقيق على حلقات فى الهلال، ثم أصدرها فى طبعتين بعنوان "محاكمة طه حسين"، كانت ثانيتهما قبل رحيل طه حسين بأيام.

المشروع الروائى

منذ أواخر الخمسينات وحتى أوائل السبعينات، ولمدة تقترب من 15 عاما، أجل خيري شلبي مشروعه الروائى الكبير، بحثا عن الاستقرار المادي الذى حققه بنسبة معقولة من عمله فى كتابة وإعداد المسلسلات الإذاعية، وفى اكتشاف المسرحيات المجهولة من القرن التاسع عشر، فى فقرة بعنوان "مسرحيات ساقطة القيد"، ضمن برنامج كان يقدمه بهاء طاهر على موجة البرنامج الثاني أو البرنامج الثقافى، إلى درجة أنه كتب وأعد حوالي ألف مسلسل وتمثيلية إذاعية، ورغم أهمية هذا المنجز، فإن شلبي لم يحاول توثيقه، ربما لأنه كان يحشد نفسه دائما فى اتجاه موهبته الأساسية، التى أجل إنجاز مشروعها إلى ما بعد زواجه من رفيقة دربه وأم أولاده، وابنة ابن عمته، السيدة الفاضلة "فوزية السنهورى"، التى أنجب منها أبناءه (ريم، وزين العابدين، وإسلام، وإيمان طيب الله ثراها).

بعد زواجه واستقراره، كرس عم خيري حياته لكتابة الرواية، بعد أن رسا على بر الاستقرار فى حياته، وتفرغ لمشروعه الروائى والقصصى. كانت أولى رواياته هي "اللعب خارج الحلبة"، التى صدرت عام 1971 عن الهيئة العامة للكتاب، بعد أن تجاوز مبدعها الثالثة والثلاثين من عمره، ووظف فيها الجنس دونما إسفاف أو ابتذال، وهي تتناول حياة معتقل خرج من السجن، فزوجه أهله فتاة تصغره فى السن كثيرا، ويجد نفسه عاجزا جنسيا بعد زواجه، ثم تسوء أحواله المادية، ويسقط من طوله ويدخل المستشفى للعلاج، وحين يعود إلى شقته يكتشف أن زوجته تعمل بالدعارة، ورغم أن الرواية تناولت واقعا اجتماعيا يعانى فيه الفقراء من كل أنواع الاستلاب والقهر، ورغم أنها لم تفتقد إلى عنصر الجودة، قياسا إلى أنها كانت العمل الأول لمبدعها، إلا أن خيري شلبي أسقطها من حساباته بعد ذلك، ربما لأنها على مستوى التقنية السردية تبدو منفصلة عن عالمه السردي، الذي تميز به فى رواياته اللاحقة.

بعدها، وفى عام 1974، كتب روايته الثانية "السنيورة"، التى طُبعت بعدها بأربع سنوات فى كتاب، إلى جانب بعض القصص القصيرة، وتناولت واقع الفلاحين المصريين البائس فى عهد الملك فؤاد، من خلال تنافس الفلاحين العاملين بأرض باشا يدعى محمد علي، على استرضاء زوجة هذا الباشا، الملقبة بالسنيورة، بالرقص أمامها، وفوز من يعجب رقصه السنيورة بمهمة إطعام وحراسة بغلة التفتيش، مع أن من يتولى هذه المهمة يكون القتل نهايته المحتومة، لكن الفلاحين يتنافسون رغم ذلك على هذه النهاية هروبا من القهر والذل، الذى لا يقل قسوة عن القتل.

وتوالت بعد ذلك رواياته وأعماله، التى تنوعت بين المجموعات القصصية والكتب النقدية والتاريخية والبورتريه..

الوتد.. ووكالة عطية

فى عام 1986، أصدر خيري شلبي روايته القصيرة الشهيرة "الوتد"، التى اكتسبت شهرة أكبر حين تحولت إلى مسلسل تليفزيونى، بطولة هدى سلطان ويوسف شعبان وآخرين، وكتب له عم خيري السيناريو والحوار، وتجمع حوله المصريون بكافة تنوعاتهم. تناولت الرواية الأم عمود الخيمة، أو وتد العائلة، وربما القرية بأكملها، فاطمة تعلبة التى تدير حياة أولادها وأسرهم إدارة كاملة، ويمتد دورها إلى أسر وعائلات أخرى، وأدت هدى سلطان دور فاطمة تعلبة باقتدار وتمكن وبراعة.

وتقف رواية "وكالة عطية"، التى فازت بجائزة نجيب محفوظ للرواية عام 2003، كدرة التاج فى إبداع خيري شلبي بصفة عامة، وقد جاءت فى المركز الثامن والثلاثين فى قائمة أفضل الروايات العربية، وهي رواية تحمل ملمحا من سيرة خيري شلبي الذاتية، وتدور حول طالب متفوق بمعهد المعلمين بدمنهور، يتم رفته من المعهد بعد أن اعتدى على مدرسه، وترصد رحلة هذا الطالب فى قاع مدينة دمنهور أو عالمها السفلى، من خلال إقامة هذا الطالب فى وكالة أو لوكاندة، ومخالطته لعالم المهمشين المقهورين، الذين تلقيهم أقدارهم إلى هذه اللوكاندة ورائعة وكان أدق ما وصفت به "وكالة عطية" ما كتبه جابر عصفور عنها فى سطور معبرة إذ كتب: "هي درة ما قدمه خيري شلبي، بيضة الديك لأعماله. حذف أي شيء فى هذه الرواية المحكمة يفسدها ويجعلها تختلف. البناء بالغ العفوية لكنه بالغ الإتقان".

تعددت روايات ومجموعات خيري شلبي القصصية، ويحفل عالمه الممتع والرائع والمختلف فى عالم السرد، مثل "الأوباش" و"صالح هيصة" و"موال البيات والنوم" و"نسف الأدمغة" و"الشطار" و"ثلاثية الأمالى"، و"بطن البقرة" التى رآها جمال الغيطاني أفضل ما كتب عم خيري، و"اسطاسية"، وغيرها من الأعمال والكتابات الأخرى، التى جاوزت السبعين كتابا.

وتتميز عم خيري، فى وجه من وجوه إبداعه، بكتابة فن البورتريه، حيث قدم وصفا دقيقا ورائعا ومعبرا، شكليا ونفسيا، وتحليلا وصفيا أو صورة قلمية، لمن تناولهم فى بورتريهاته، التى تألقت على صفحات مجلتنا "الإذاعة والتليفزيون"، بريشة المبدع الرائع الراحل الكبير الفنان والرسام الدكتور خلف طايع، الذى جمعته بعم خيري صداقة وعلاقة إنسانية وطيدة.

قبل رحيله، فى 9 سبتمبر عام 2011، نشر عم خيري على صفحات الأهرام آخر ما كتب، حلقات "أنس الحبايب"، عن أشخاص قابلهم فى حياته، ساعدوه، وكان لهم أدوار فى حياته، كأنه كان يريد أن يأتنس بهم، ثم صدرت هذه الحلقات فى كتاب، وفى أواخر حياته كان عم خيري يدعو ربه ألا يرقد مريضا، وألا يموت مريضا، واستجاب الله دعاءه، مات عم خيري دون أن يمرض، شعر بتعب خفيف واستلقى على سريره ومات..

فى الحقيقة.. مثل خيري شلبي يبقى بما قدم فى ذاكرة أمته، وفى ذاكرة الإبداع.. رحمه الله.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

على الرغم من حضوره الدائم في الثقافة والفكر والأدب المصرى والعربى برصي
شاكر عبد الحميد فى «الأدب والجنـون»: «%90 من العباقرة مضطربون»
مثقفون فى الحج.. رحلة كبار الأدبــــاء إلى الأراضى المقدسة
طه حسين
سامح الجباس: أعدت خطب طه حسين للحياة بعد 70 سنة
د. نسمة يوسف إدريس تتحدث عن أمير القصة القصيرة
طه حسين
الناقد أيمن بكر يقرأ ملامح التجربـة المعرفية فى «هوامش العميد»

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - من تحت لفوق

واحدة تطل بخفر من الشباك، والثانية ملتصقة بباب البيت.

خيرى شلبى.. «وتد» الرواية و «موال» الحكاية

فى الذكرى ال 15 لرحيل كاتب عاش فى دنيا «الشطار» تحدى ظروفه القاسية.. غزا القاهرة ونال إعجاب طه حسين كتب...

نهى عودة: السفر المادة الخام التى أنسج منها نصوصى

«عن العشق والسفر» سلسلة تجمع عبق التاريخ وبصمة الحاضر الإبحار فى الذكريات لا يقل روعة عن صناعتها

شخصيات لها تاريخ «117» نابليون بونابرت.. صنع مجد فرنسا ومات فى المنفى

عاش ومات ولم يتمكن من نطق اللغة الفرنسية مثل الفرنسيين وكان يتكلمها بلكنة كورسيكا التى وُلِد فيها وعاش طفولته وشبابه...