«الخروج من غيط العنب ».. مى المغربى تفضح اضطهاد النساء بلغة أهل الإسكندرية

صرخة روائية جديدة صدرت عن دار نشر مصرية خاصة الكاتبة أصدرت ديواناً جديداً بعنوان «العنف كما أوصت به الطبقة المتوسطة»

على الرغم من حماسى الذى لا ينتهى للتجارب الأدبية الجديدة، ورغم لهفتى الدائمة لتشجيع قراءة كل ما هو جديد ومختلف في التجارب الروائية والشعرية الشابة، إلا أننى أصبت بصدمة "أدبية" حين قرأت لأول مرة رواية "الخروج من غيط العنب" للكاتبة مى المغربى، الصادرة قبل شهور عن "ديوان للنشر" والتي كنت قد حصلت على نسختها من الكاتبة ذاتها، ذات ليلة شتوية لطيفة، فى آخر دورة من دورات معرض القاهرة الدولى للكتاب، يناير 2026.

السبب الحقيقى لشعوري بالصدمة والنفور هو أن الرواية اعتمدت منذ سطورها الأولى على لغة أدبية تتسم بالجرأة والواقعية والمباشرة في عوالم نسائية شتى بين نساء مناطق شعبية في الإسكندرية بين حى "العصافرة" وغيط العنب، الأمر الذي جعلني أحجم عن استكمال القراءة على وقع الصدمة الأولى، إلا أننى وبسبب قدرة الكاتبة على سرد أحداث روايتها وإيمانها الراسخ بقيمة ما تكتب وإدراكها أن العالم الذي تكتبه لا يمكن أن يكتب خلوا من الجرأة وشيء من البذاءة، والتي هي جزء لا تجزأ من سماته، رأيت أن أستكمل قراءة الرواية لأن السرد ينطوى على عناصر القوة والتشويق، ولأنك لست مخيرا في ترك رواية جذابة - رغم كل شيء . بعد ما تورطت فى قراءة عدة صفحات منها، وبالتأكيد سوف تشعر أنه أصبحمن الواجب عليك أن تكمل الحكاية التي تستحق أن تكتمل.

لقد رأت الكاتبة - وهذا حقها على أي حال . أن تعكس لنا شيئا من الجرأة والبذاءة التي تدور فى هذا العالم بين صفحات الرواية لأن حكايتها تتناول جوانب من الظلم الاجتماعي العميق الذي تتعرض له نساء المناطق الفقيرة، ومنها الظلم المتعلق بـ "طب النساء" الذي يحرم أي امرأة غير متزوجة من حق العلاج والتشخيص ومنها أن تتآمر كل شخوص المجتمع الذي ترسمه الرواية من الأب إلى الشقيق إلى الشقيقة على تكريس إحساس الفتاة ناصرة" بالدونية بما يجعلها تشعر بالعار والشؤم واللعنة من نفسها، وكأن الرواية تريد أن تسلط الضوء على جزء من الواقع الذي يجسده أحد أشهر الأمثال الشعبية الأفريقية، والذي يقول: "إياك والزواج من كبيرة القدمين، كأن العين التي تنظر إلى المرأة هي عين لاعنة ساخطة في كل الأحوال وتحت كل الظروف ومهما كان جمال المرأة، فإن لم تجد فيها عيباً واحداً وصمتها بأنها كبيرة القدمين.

في البداية تساءلت هل الرواية تتناول عالما واقعيا قاسيا يجعلها تتعامل مع عناصر الكتابة الروائية بصورة خاصة؟... وهل كان هذا التعامل الخاص مع اللغة سبيلاً إضافياً لإبراز ما يريده الكاتب من كتابته ؟.. وكانت الإجابة نعم، ثم قلت لنفسي إن شيئا من قسوة الحياة وبذاءتها قد يكون محتملاً في رواية تقدم حبكة مقنعة وعوالم لا تقل غرابتها عن غرابة ما نقرأ من روايات حول العالم، حتى لو كانت هذه الرواية تنطوي على بعض من القبح والقسوة والعنف المبرر في المناطق الشعبية المهمشة، والمفهوم من خلال سرد الأحداث، فما هو وجه الغرابة في ذلك الكم من السباب والشتائم واللعنات في مجتمع خانق يسيطر فيه رجال فقراء على النساء إلى حد الاختناق.

الخروج من غيط العنب هي رواية عن أحلام وعذابات فتاة فقيرة ومراهقة في الوقت نفسه تدعى "ناصرة"، ولدت في منطقة شعبية منسية في الإسكندرية غيط العنب وهى واحدة من المناطق العشوائية التى قامت الدولة على مدار العقود الماضية بعدة إصلاحات جوهرية فيها واتخذت قرارات إزالة لكثير من بيوتها القديمة، ومنحت السكان شققاً جديدة مجهزة بالكامل، وبالتالي تحكى لنا الرواية حياة ناصرة الفتاة الشابة التي نشأت في مجتمع عمالی خشن قبل قرارات الإزالة، حيث كان يعاملها الجميع كأنها فائضة عن الحاجة، أو في أحسن الأحوال كانوا يعاملونها كفتاة "منبوذة".

الحكاية التى تسردها الذات الروائية هنا نسائية ومحلية تماماً تفوح منها روائحالسمك والزفارة ورائحة عطن باقيا المخلفات البشرية التى تكون على ضفاف الترع، لكنها تلقى بظلالها على المجتمع كله، قصة أخرى تدين طرق التربية العنيفة والسلوكيات الفظة والتربية التي تورث الفتاة الإحساس بالعار لأنها أنثى، والحكاية مقنعة جدا في تصوير انحرافات السلوك في مجتمع المحظورات والفقر الذي يجعل عائلة من خمسة أفراد يعيشون وينامون في غرفة واحدة، مع كل ما يمكن أن يتوقعه المرء من روائحبشعة والفاظ فظة وإيماءات محرجة في عيشة كهذه، الأمر الذي يجعل الخروج من البيوت أمراً أكثر راحة من البقاء فيها ما يدفع الشباب تحت وطأة الضيق والعنف إلى الفرار نحو سبل أخرى للعيش والمتعة - إن أمكن - بعيداً عن نكد الأسرة وانفعالات الأب الذي تتسم تصرفاته مع ابنته بالقسوة والوحشية أحيانا.

من الرفض إلى الانحياز

ظني أنه لا يكفى أن تكون الرواية على هذا القدر من الجرأة الصادمة في سطورها الأولى، بل يتطلب الأمر كذلك أن تكون قادرة بحبكتها وشخوصها وصدقها على تغيير ذائقة القارئ وتبديل حالته الوجدانية بعد الانتهاء من قراءتها، وهو نجاح كبير لرواية "الخروج من غيط العنب ونجاح لأى عمل أدبي يمكنه على أن يقودك من الرفض الصريحللأسلوب إلى الانحياز التدريجي للحكاية وسرديتها المقنعة، والحق أن الانحياز الذي توليه الرواية للمرأة في الطبقات الفقيرة هو انحياز مستحق لفئة لا صوت لها في الأدب النسائي" الجديد، وبما أن الحياد نوع من الخرافة فإن الانحياز إلى صرخات النساء الفقيرات وأحزانهن ينطوى على قدر كبير من الشرف والإحساس بالمسئولية الاجتماعية، بما يجعلنا ننتبه إلى أنها تكتب أدبا عماليا بطريقة ما.

الحق أنك سوف تغير حتما من موقفك السياسي والأخلاقي من قضايا المرأة بعد قراءة "الخروج من غيط العنب، وأعدك أن يتبدل موقفك من قضايا المرأة بعد قراءة أحد أكثر مشاهد الرواية صدقا ووحشية، على الرغم من أنه أكثر المشاهد تكرارا في واقع المناطق الشعبية بكل أسف، كأنني رأيته بعيني عشرات المرات أقصد طبعا مشهد ضرب سامي لشقيقته ناصرة" في الشارع وعلى الملأ وفي وضح النهار، تقول الرواية

لأنى حينما وصلت عند مدخل الشارع ورأيت سامی واقفا جريت عليه الأخبره أنني نجحت فوجدت يده تمتد وتسحبنى من شعرى، لا أتذكر كيف جريت منه، لكنى حالما وصلت إلى أول شارعنا أوقعنى على الأسفلت، ونام فوقى بثقله، وانهال علي بالضرب، في أثناء ضربی رفعت رأسي قليلاً، فرأيتني أمام قدم مطينة وسمراء ورفيعة ويخرج منها صوت يحفزك على الرقص. آه هذا صوت زمارة بائع غزل البنات، سامى يضربني بعزم ما فيه وأنا ما زلت أحاول رفع رأسى لأرى من سيوقفه، رأيت عدة أقدام، أقدام قطط وفرختين ومعها كلب وبجانبها قدم "حربية" صاحبة البقالة التي تحت بيتنا وآخرين من جيراننا، كانت أقدامهم جميعاً تقول إننا نتفرج عليك".

صحيح أن هذا المشهد المؤلم البطلة الرواية "ناصرة" التي تلقت الضرب من شقيقها الشاعر سامي جاء بعدما علم الأخ بالتفاصيل المريعة لعلاقتها مع حبيبها "ماهر"، لكن هذه الوحشية المتفاخرة بنفسها بضرب فتاة في قلب الشارع وأمام الجميع تعتبر واحدة من الجرائم الاجتماعية غير المنظورة والتي لا تخضع - بكل أسف - لسلطة القانون فهو بضربها علنا - وبشكل طقسى حتى حافة الموت يعلن عرفيا أنه قادر على تحجيم انحرافاتها بالضرب علنا، والقتل لو تطلب الأمر، في حين يقبل الجميع ذلك كاتفاق جماعي مجرم على أن كل فتاة غير متزوجة هي ملكية خاصة لأبيها ولأشقائها الذين يملكون وحدهم الحق في التضييق عليها أو حرمانها من جميع حقوقها أو إنهاء حياتها ضرباً في الشارع وهو يقين يحكم سلوك الجميع بمعنى أنه ليس غريباً أن يقدم بائع غزل البنات على أداء معزوفة لحنية راقصة بنايه الحزين كما تحكى الرواية - بينما تتلقى الفتاة الضربات الدامية من شقيقها في الشارع بما قد يؤدى إلى موتها الوشيك، في حين يكون رد فعل العالم المحيط بها هو أنهم وقفوا جميعاً يتفرجون على الجريمة في اتفاق دموی صامت على التخلص من أي فتاة تبدو غير مهذبة من وجهة نظرهم.

لعبة الجدة والحفيدة

أعجبتني جدا لعبة الجدة والحفيدة في هذه الرواية التي تبدأ من رحلة خروج قاسية عاشتها الجدة "أسما" من منفلوط في الصعيد هربا إلى غيط العنب". بحثا عن زوجها العامل الأجير الذي فر قبل سنوات بعيدة إلى الإسكندرية هارباً من فقر الصعيد وانسداده، من دون أن يرسل رسالة أو يبعث مليما طوال خمسة أعوام متصلة، وهي رحلة قديمة أرادت الكاتبة أن تستهل بها الرواية لكي تلقى بها ظلالاً كثيفة على قضايا النساء عبر العصور، والتي لم تختلف كثيرا بين الجدة والحفيدة، كأنه إرث يورث، خصوصا في البحث عن رجل مناسب يحميها وينتشلها من الرجل غير المناسب في حياتها، وهي رحلة مشروعة ومبررة في ظل الظروف الاستثنائية التي توضع فيها ملايين من نساء الطبقة الفقيرة، بين شقى رحى "الأولى" هي مدى القدرة على الالتزام بشروط الأخلاق في ظل "الثانية " السعى المحموم والمنافسة الشرسة للخروج من بيت الأسرة إلى بيت الزوجية، مع كل ما يتطلبه هذا التمرد القطري في الطابع الجنسى من تهور وتجارب شديدة التميز.

الجدة، التي تحملت المسئولية بمفردها وأخذت على عاتقها مهمة أن تركب بأطفالها "صندل في النيل " لتأتي إلى الإسكندرية بحثا عن الزوج، هي نفسها الفتاة خريجة المعهد الفنى التجاري التي تبحث عن مخرج لها من "غيط العنب". مع فارق كبير في التعليم والإدراك وفارق ضئيل في الوصول إلى الهدف الجدة التي استطاعت أن تحافظ على أسرتها رغم كل الظروف والعقبات، وأن تعود إلى زوجها وتؤسس حياة تنجب فيها أولاداً وأحفاداً وحفيدات تركت منهن | ناصرة" التي تحكى الرواية حكايتها. الفتاة

تنهى الكاتبة روايتها بالانتقال من غيط العنب إلى شقة الحكومة الجديدة

حيث كل شيء موجود: ثلاجة وغسالة وبوتاجاز وميكرويف وشوك ومعالق وسكاكين وأطباق ودولاب وسراير ونيش وكتبتين وحمام يبانيو قديم، لكن لا يمكن أن أغير في نظام الشقة، يعنى الكتب في الصالة لا يمكن أن يخرج من باب الصالة والدولاب كأنه محفور في الحيطة وبلا صماويل تتفك ويتحرك كأننا هنسرق العفش وتبيعه، أصلاً هل سيكفي الدولاب ملابسي وملابس ماما وبابا - الله يرحمهم وملابس اخواتى اللى سابوها".

يذكر أن من المغربي صحفية وكاتبة مصرية تخرجت في كلية الآداب جامعة الإسكندرية ونشرت قصائدها وبعض نصوصها في منصات أدبية شتى، كما نشرت لها "ديوان مؤخرا مجموعة شعرية بعنوان "العنف كما أوصت به الطبقة المتوسطة".

 	محمود خير الله

محمود خير الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

"ترنيمة عصفور أزرق
مركز مصر للمعارض والمؤتمرات
المترجمة خميلة الجندى

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - ضى الكراتين

واحدة فقط في شلة البنات تملك "موبايل"، بقية الجارات من نفس سنها في الحي الشعبي، لا يملكن موبايلات بعد.. فما...

«الخروج من غيط العنب ».. مى المغربى تفضح اضطهاد النساء بلغة أهل الإسكندرية

صرخة روائية جديدة صدرت عن دار نشر مصرية خاصة الكاتبة أصدرت ديواناً جديداً بعنوان «العنف كما أوصت به الطبقة المتوسطة»

شخصيات لها تاريخ «110» أنطونى إيدن.. انتحر سياسيًا فى «بورسعيد» المصرية

تولى وزارة الخارجية البريطانية ثلاث فترات وتولى رئاسة الحكومة بعد تشرشل وكانت نهايته فى معركة قناة السويس حاول إعادة احتلال...

إمام.. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «22»

قائد طلابى يروى كيف اقتحم شيخ ضرير كلية الهندسة أحمد بهاء الدين شعبان: إمام.. كان مناضلا بدرجة فنان عشت ثلاث...