معركة الوعى.. حكايات المثقفين مع 30 يونيو

حرية الإبداع جزء لا يتجزأ من حرية المجتمع.. والدفاع عن الثقافة هو دفاع عن حق الناس فى التعبير ما تغير بعد سنوات الثورة هو انتقالنا من الوعى السياسى المباشر والمرحلى إلى وعى المواطنة والمسئولية الاجتماعية المصرى المعاصر لم يعد يكتفى برفض الفكر الإقصائى بل بات يبحث عن البديل المستنير

 

كنا هناك ولم يكن الأمر مجرد رصد صحفى بارد، أو قراءة في سطور التاريخ بعد جفاف حبرها بل كنا هناك نلمس بأيدينا سخونة الأرصفة، ونستنشق في الهواء تلك الرائحة الغريبة المختلطة بين ترقب الخوف وعنفوان التحدى فى الأيام الأخيرة من يونيو 2013، لم تكن شوارع القاهرة وميادين المحافظات مجرد مجاز مكاني أو خلفيات جامدة للأحداث، بل كانت كائنا حيا يغلى، يزفر غضبا، ويتنفس قلقا وجوديا عارما. كنا نسير فى الطرقات فنرى فى عيون الناس - من كل الطبقات والفئات - شيئًا لم نألفه من قبل في تاريخ مصر الحديث إحساسا خانقا بأن الهوية المصرية، التي تشكلت عبر آلاف السنين من التسامح والتعددية والبهجة والتدين الفطرى السمح، تتعرض لمحاولة اختطاف قسرية وممنهجة.

نتذكر جيدا تلك اللحظات الحرجة التي سبقت الانفجار الكبير.. كانت البيوت المصرية تعيش حالة من الاستنفار والوجل غير المعلن البيوت التي لم تنشغل يوما بالسياسة بمفهومها الحزبي الضيق والأمهات اللواتى لم ينزلن يوما إلى الشارع للاحتجاج كن يتحدثن في الأسواق وجلسات الشرفات عن مصر التي نعرفها وتعرفنا .. مصر التى كادت تضيع من بين أيدينا .. كان هناك شعور عام بأن النسيج الاجتماعي يجرى تمزيقه بإبر غريبة عن جسد الوطن، وأن هناك محاولة لإعادة صياغة العقل المصرى وفق قالب أحادى، إقصائي، ومظلم.

كنا هناك وشاهدنا كيف تحول هذا الإحباط الكثيف والهم الثقيل بين ليلة وضحاها، إلى طاقة دفع هائلة غير مسبوقة. انكسر حاجز الخوف والتردد، وجلس الجميع وجها لوجه أمام مسؤوليتهم التاريخية. أدرك المواطن البسيط قبل النخبة أن البقاء في المنازل في تلك اللحظة الفارقة ليس مجرد سلبية، بل هو خيانة صامتة للذات، وللأجداد الذين أورثونا هذا الوطن وللأبناء الذين يستحقون العيش في مصر تشبههم وتشبه تاريخها. كانت تلك هى البداية الحقيقية لـ معركة الوعى المعركة التى لم تخض بالأسلحة، بل بالكلمة، والموقف، والهتاف والجسد العاري الذي واجه رصاص التهديد بصدق الانتماء.

اعتصام وزارة الثقافة الشرارة الأولى في شارع شجرة الدر

لأن مصر بلد تلتحم فيه الروح بالثقافة والفنون، لم يكن غريبا أبدا أن تنطلق الشرارة الأولى للمواجهة الكبرى من مكان يفترض أنه واحة للفكر والجمال والحرية. كنا هناك فى شارع شجرة الدر العريق بحى الزمالك الهادئ، أمام مقر وزارة الثقافة المصرية وتذكر تماما ذلك اليوم العاصف من مطلع يونيو ۲۰۱۳، عندما اتخذ المتقفون والفنانون المعتصمون قرارا تاريخيا لا رجعة فيه ألا يتركوا مبنى وزارتهم. وألا يسلموا مفاتيح الوعى المصري لوزير جاء بمهمة واضحة ومحددة، وهي تجريف الهوية، وإقصاء الرموز التنويرية، وإحلال فكر جماعي ضيق وضئيل بدلا من العبقرية المصرية الثرية بتنوعها.

كنا هناك نرى جدرانا صامتة من الخارج، لكنها كانت تغلى من الداخل بمشاعر الغضب والاسترداد، لم يكن الاعتصام مجرد احتجاج نقابي أو فتوى للمطالبة بمكاسب مادية، بل كان إعلانا شعريا وميدانيا بأن روح مصر لا يمكن تأميمها، وأن المثقف المصرى لن يقبل بدور شاهد الزور على ذبح الثقافة.

تتذكر كيف تحول ذلك الرصيف الضيق إلى ميدان تحرير مصغر بؤرة مشعة بالطاقة والإصرار. افترش كبار المفكرين والمخرجين، والروائيين، والفنانين التشكيليين، وشباب الأوبرا والمسرح الأرض، رأينا أسماء طالما قرأنا لها على غلاف الكتب، وشاهدنا

إبداعها على شاشات السينما ودور العرض، وهي تحرس البوابة الحديدية الوزارة بأجسادها، وتمنع بقوة الشرعية الشعبية دخول الوزير الإقصائي، كان المشهد مزيجا مدهشا من السريالية والواقعية الفجة فنانون كبار ومبدعون يتناولون طعاما بسيطا على الرصيف، وموسيقيون يعزفون بالكمان والتشيالو والعود في الهواء الطلق تحت أشعة الشمس الحارقة بينما كانت قوات الأمن تترقب من بعيد، والمارة وسائقو السيارات يتوقفون ليعانوا تضامنهم المطلق وهتافهم للمعتصمين كنا هناك وشاهدنا كيف تحول هذا الزقاق الهادئ إلى مركز ثقل سیاسی و اجتماعی هر ارکان السلطة القائمة وقتها، وأرسل لها رسالة مفادها لقد أخطأتم العنوان.. فمصر لا تقبل التدجين.

كيف تحولت الوزارة إلى ساحة مقاومة

ثقافية ؟!

لم يعد الاعتصام مع مرور الأيام مجرد لافتات أو هتافات غاضبة تردد في ساعات المساء بل تحول مبنى وزارة الثقافة ومحيطه بالكامل إلى مؤسسة ثقافية وفنية بديلة تدار بالشرعية الشعبية وروحالإبداع الحر، كنا هناك وشهدنا كيف أدار المثقفون هذه المعركة بذكاء حاد وأدوات فنية راقية صدمت السلطة وأربكت حساباتهم... تحول الشارع إلى مسرحمفتوح بلا كواليس ولا تذاكر ففى مشهد لن يمحوه الزمن من ذاكرة الثقافة العالمية، قدمت فرقة باليه أوبرا القاهرة عروضها الشهيرة (مثل باليه زوربا) على الأسفلت والرصيف، وسط ذهول وهتاف الجماهير العريضة التي ربما لم تطأ أقدامها دار الأوبرا يوما. لكنها وجدت الأوبرا بكامل بهائها وفنونها تأتي إليها في قلب الشارع.

المقاومة هنا تجلت في أبهى صورها لم تكن مقاومة بالعنف أو السلاح بل كانت بالوعى، والجمال، والبهجة في مواجهة محاولات فرض الكآبة، والجمود، والنمطية الفكرية، أقيمت معارض الفن التشكيلي في الهواء الطلق، حيث علقت اللوحات والرسومات على جذوع الأشجار العتيقة وأسوار الفيلات المجاورة.. اعتلى الشعراء منصة خشبية بسيطة صنعت من صناديق الخضار الفارغة، ليلقوا قصائد تهز الوجدان وتوقظ النيام كان هذا المشهد بحد ذاته ردا حاسما وعمليا على محاولات أخونة الثقافة المصرية.. لقد أثبت المعتصمون بالدليل القاطع أن الثقافة في مصر ليست ترفا نخبويا أو ديكورا تجميليا النظام، بل هي خط الدفاع الأول والأقوى عن الأمن القومي والمجتمعي... تحولت الوزارة من جهاز إداري بيروقراطي مكيل بالتعليمات، إلى قلب نابض بالمقاومة الجمالية التي استقطبت كل أطياف المجتمع المصري، وجعلت من رصيف الزمالك مدرسة يومية لتعلم الوعي والوطنية.

شهادات من قلب المعركة (دفاتر صيف

(٢٠١٣

حين نسترجع تلك الأيام المجيدة تقفز إلى الذاكرة شهادات حية ومواقف نابضة عشناها مع أصحابها في تلك الآونة، وتعيد قراءتها اليوم لترسم لنا بدقة كيف كانت الصورة وقتها وكيف أصبحت الآن بعد سنوات طويلة من التجربة والاختبار.

في تلك الأيام، كانت اللقاءات على الرصيف تحمل طابع الشهادة التاريخية الفورية.

لقد رأى المفكر الراحل الدكتور جابر عصفور أن الثقافة كانت دائما أحد أهم خطوط الدفاع عن الدولة الوطنية الحديثة، وأن معركة المجتمع المصرى لم تكن سياسية فقط، بل كانت معركة تتعلق بالعقل والتنوير والقدرة على مواجهة الأفكار المنغلقة. وقد ظل يؤكد في كتاباته وتصريحاته أن الثقافة ليست نشاطا هامشيا، وإنما ضرورة لحماية المجتمع من الجمود والتطرف.

أما الروائى الكبير بهاء طاهر، أحد أبرز المشاركين في اعتصام وزارة الثقافة، فقد اعتبر أن ما جرى في تلك الفترة كان دفاعا عن الدولة المدنية وعن حق المصريين في الحفاظ على تنوعهم الثقافي والفكري. وكان يرى أن قوة مصر الحقيقية لا تكمن في التشابه وإنما في قدرتها التاريخية على استيعاب الاختلاف والتعايش معه.

ومن جانبه أكد الروائى صنع الله إبراهيم: أن مشاركة المثقفين في الاعتصام لم تكن دفاعا عن مواقع أو مناصب، وإنما دفاعا عن استقلال الثقافة وعن دورها النقدي والتنويري، واعتبر أن المثقف لا يستطيع أن ينعزل عن القضايا العامة، خصوصاً في اللحظات التي يشعر فيها بأن المجتمع يواجه تحديات مصيرية.

الشاعر الكبير كان من أكثر الأصوات حضورا في تلك المرحلة. فقد تحدث مرارا عن الشخصية المصرية التي تشكلت عبر آلاف السنين، مؤكدا أن مصر لا يمكن اختزالها في اتجاه واحد أو رؤية واحدة، وكان يرى أن قوة الهوية المصرية تكمن في قدرتها على الجمع بين روافد متعددة داخل إطار وطنى جامع فقد كان يجلس بهدوئه المعهود وصمته العميق على مقعد بلاستيكي بسيط وسط الشباب، ويقول:

هذه ليست معركة على كرسى الوزير، وليست خلافا إداريا على من يدير القطاع المالي أو الثقافي هذه معركة كبرى على كتاب التاريخ المصري الذي يريدون إعادة كتابته بحير مغشوش ومزيف. إذا سقطت الثقافة اليوم، فلن تقوم لمصر قائمة لعقود قادمة.

أما الفنان التشكيلي محمد عبلة فاعتبر أن حرية الإبداع جزء لا يتجزأ من حرية المجتمع نفسه، وأن الدفاع عن الثقافة هو دفاع عن حق الناس في التعبير عن أنفسهم ورؤية العالم بعيونهم الخاصة. ولذلك رأى أن ما جرى داخل وزارة الثقافة كان تعبيرا عن رفض أوسع لأي محاولة لفرض الوصاية على الإبداع.

وفي السياق نفسه، رأى المنتج والكاتب محمد العدل أن اعتصام المثقفين قدم نموذجا واضحا لدور القوة الناعمة في الدفاع عن المجتمع، مؤكدا أن الفن والثقافة كانا من أهم أدوات تشكيل الوعى خلال تلك المرحلة الحساسة من تاريخ البلاد.

أما المخرج خالد يوسف فاعتبر أن ما جرى في وزارة الثقافة كان جزءاً من حراك مجتمعى أوسع سبق ۳۰ يونيو ومهد لها، وأن المثقفين تحركوا انطلاقا من شعورهم بالمسؤولية تجاه الدولة الوطنية ومستقبلها تذكر ما قالته الفنانة الكبيرة الراحلة ماجدة الصباحي وهي تزور الاعتصام... يا اولادي، أنا جئت هنا لأننى أشعر أن السينما والفن الذي قضينا عمرنا ونحن نبنيه لبنة لبنة يراد له أن يموت ويمحى، جنت لأقول إن فنانين مصر هم حراس تاريخها، ومصر لا تموت أبدا ما دام فيها مبدعون يرفضون الظلام.

وتذكر الكلمات الحماسية للمخرج المسرحي الكبير الراحل جلال الشرقاوي، وهو يقود الهتاف بصوته المسرحى الجهوري الذي كان يزلزل أركان الشارع متوعدا قوى الظلام بالهزيمة الحتمية تحت أقدام المبدعين، ومؤكدا أن المسرح المصرى ولد حر وسيموت حر.

ارتباط ما جرى يتنامى الوعى الشعبي قبل ۲۰ يونيو

شاهدنا بأعيننا أن ثورة ٣٠ يونيو لم كنا تكن وليدة الصدفة المحضة، ولم تكن مجرد ضربة حظ سياسية أو تحرك فجائي معزول عن السياق بل كانت الذروة الطبيعية والمنطقية لمسار طويل تصاعدي من تنامي الوعي الشعبي الجارف على مدار عام كامل من الحكم الإقصائي الفاشل، كان المواطن المصري البسيط في القرية، والنجوع، والمدينة، يمر بعملية تعلم قاسية ومكثفة ومجانية على أرض الواقع.

شاهدنا كيف تحول بائع الخضار في السوق، وسائق التاكسي في شوارع القاهرة المزدحمة، وموظف الحكومة البسيط، وربات البيوت، من حالة الصمت والمراقبة والترقب إلى حالة متقدمة جدا من النقد والتحليل السياسي الواعي لم يكن هذا التحول ناتجا عن القراءة النظريات السياسية، بل عن معايشة يومية للأزمات المفتعلة والتهديد المستمر لقوت يومهم وأمن وطنهم.

ارتبط حراك المثقفين بحراك الشارع ارتباطا عضويا وجدليا فالشعب المصري الذي يتمتع بذكاء فطري و حس تاریخی تراكمي التقط الرسالة بسرعة وعمق من اعتصام وزارة الثقافة أدرك الناس بفطرتهم السليمة أن المسألة لا تتعلق فقط بأزمات انقطاع الكهرباء، أو نقص الوقود، أو سوء الإدارة اليومية للحكومة - رغم قسوتها وتأثيرها المباشر على حياتهم بل تتعلق في جوهرها بهوية بلادهم ومستقبل أبنائهم وبناتهم ومكانة مصر التاريخية بين الأمم.

بدأ الوعى الشعبى يتشكل ويصقل من خلال مقارنات يومية بسيطة وعميقة في أن واحد كيف كنا وكيف أصبحنا؟ وكيف يمكن لجماعة أن تختزل وطنا بحجم مصر في مصالحها الضيقة ؟ تحولت المجالس العائلية. والمقاهي الشعبية، ووسائل المواصلات العامة إلى صالونات سياسية مفتوحة يناقش فيها الجميع الدستور القانون ومدنية الدولة، وحرية التعبير. كان هذا التنامي المتسارع في الوعى بمثابة الوقود الحقيقي والهائل الذي كان يملأ صدور الملايين وينتظر شرارة الانطلاق وكانت حركة تمرد وغيرها من المبادرات الشبابية والشعبية هي القنوات الشرعية والذكية التي صبت فيها هذه الطاقة التوعوية المتفجرة، لتحول التوقيعات الورقية إلى طوفان بشري في الميادين.

كيف انتقلت المعركة من الثقافة إلى

الشارع ؟!

لقد عشنا وعايشنا تلك اللحظة التاريخية الفارقة التي كسر فيها الوعى جدران الصالونات المغلقة.

والندوات النخبوية، والاعتصامات الفئوية، ليتدفق كالسيل العارم في شوارع وميادين مصر كلها، كنا هناك وشاهدنا كيف تحول اعتصام وزارة الثقافة بمرور الأيام من بؤرة احتجاجية لهم طائفة المبدعين وحدهم إلى قبلة وطنية ومزار شعبى تؤمه الوقود الشعبية والنقابية والعمالية من كل حدب وصوب.

في البداية بدأت مسيرات عمالية حاشدة ومجموعات من المواطنين القادمين من الأحياء الشعبية المحيطة المتاخمة مثل بولاق الدكرون وإمبابة، والسبتية، والكيت كات تتوجه طواعية إلى مقر الاعتصام في الزمالك لتعلن تضامنها الكامل لـ فنانين ومثقفين مصر في تلك اللحظات الساحرة من عمر الوطن، التقت الجلابية المصرية البسيطة بـ رداء الباليه الأنيق، وامتزجت الأغنية الوطنية التراثية والأغاني الشعبية الحماسية بهتافات المثقفين والمفكرين المعتصمين وسقطت كليا الحواجز والأسوار المصطنعة التي طالما روج البعض لوجودها بين النخبة والجمهور العريض فقد أدرك الشارع البسيط، بوعيه الفطري، أن معركة الثقافة والفن هي معركته الأساسية من أجل لقمة العيش الكريمة، ومن أجل الحرية الحقيقية. والعدالة الاجتماعية التي لا يمكن أن تتحقق في ظل نظام يغيب العقل والوعي.

ومن شارع شجرة الدر بالزمالك، تفرعت الشرايين وديت الحياة في كل أنحاء الجسد المصرى انتقلت روح المقاومة الثقافية والوعى المتأجج إلى الميادين الكبرى في العاصمة والمحافظات أخذ الناشطون. والفنانون، وشباب المثقفين يوزعون المنشورات التوعوية، ويقيمون حلقات النقاش المفتوحة في الشوارع، وينظمون مسيرات فرعية يومية يلتحم بالجماهير في شبرا، ومصر الجديدة، والمهندسين وحي السيدة زينب، وفي ميادين الإسكندرية والمنصورة، ومدن القناة وكل محافظات مصر.

و تضخمت كرة الثلج الثقافية والوعى الجمعي يوما بعد يوم، حتى تحولت إلى ذلك المارد الشعبي الأسطوري الذي ملأ ميادين مصر بأكملها في الثلاثين من يونيو، معلنا للعالم أجمع أن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطات، وأنه استرد وعيه وبلده وإلى الأبد.

بعد مرور السنوات ترصد كيف تغير مفهوم الوعى ؟!

لقد تطورت معركة الوعى الرقمي والفكري بشكل مذهل فلم يعد الوعى مجرد لافتة ترفع في ميدان بل أصبح استراتيجية بقاء فكري وتكنولوجي في عالم مضطرب يفيض بالشائعات والحروب النفسية الممنهجة من خلال شهادات حية وقراءة في هذا المفهوم وكيفية حماية العقل المصرى اليوم...

يتحدث الروائى الكبير الدكتور محمد المنسي قنديل عن النقلة النوعية في بنية العقل الجمعي قائلا:

في يونيو ۲۰۱۳، كنا أمام وعى مدفوع بـ غريزة البقاء الوطنية شعب استشعر الخطر الداهم على هويته الثقافية والروحية، فهب غاضبا لإنقاذها من الأسر أما اليوم تحول الوعى من مجرد حالة دفاعية مؤقتة إلى معركة تجذير معرفى مستمرة المواطن المصرى المعاصر لم يعد يكتفى برفض الفكر الإقصائي، بل بات يبحث عن البديل المستنير والعمق المعرفي التحدى الأكبر الذي يواجهنا الآن هو سد الفراغات الثقافية لدى الأجيال الجديدة والنشء الذين لم يعيشوا كواليس الثورة، وذلك عبر تقديم سرديات روائية وتاريخية جاذبة قادرة على الصمود أمام محاولات تزييف الوعى التاريخي التي تجرى بنعومة عبر المنصات الرقمية..

تطرح المفكرة والكاتبة الصحفية البارزة د. فريدة النقاش رؤيتها العميقة حول الاستمرارية الثقافية:

حماية مدنية الدولة وبناء الفكر النقدى

إن ما أنقذته ثورة ٣٠ يونيو هو مدنية الدولة المصرية ومفهوم المواطنة الشاملة مخطط تغيير الهوية كان يستهدف عزل مصر عن امتدادها التنويرى اليوم معركة الوعي لم تنته بل أخذت شكلا بنيويا التحدى الحالي يكمن في كيفية تحويل الوعى القطرى الحماسي الذي رأيناه في الشوارع إلى منهج تفكير نقدى داخل المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية حماية الوعى اليوم تعنى ألا تترك الفكر العقلاني عرضة للارتداد، وأن تظل الكاتبات والمثقفات في طليعة المواجهة لتفكيك الخطاب المتزمت أينما ظهر.

يحلل الروائي أحمد مراد آليات الجذب الفكرى الحديثة:

إن الجيل الحالي يتلقى معلوماته وثقافته عبر كبسولات رقمية سريعة، ولديه حالة من الزهد تجاه الخطاب النخبوي التقليدي في ۲۰۱۳ كانت المعركة في الميدان لإنقاذ الأصل، أما معركتنا اليوم فهى صناعة محتوى إذا لم تقدم للشباب والنشء تاريخهم وهوية بلدهم في قوالب روائية، وسينمائية، وبصرية مدهشة ومشوقة، فإننا نتركهم طواعية للاختطاف الفكري عبر منصات عابرة للقارات تبث سمومها عبر خوارزميات ذكية. ويتمثل الوعى المعاصر في قدرتنا على تحويل عمقنا التاريخي إلى منتج ثقافي عصری و جذاب ينافس عالميا.

يحلل المفكر الدكتور نبيل عبد الفتاح المشهد من منظور علم الاجتماع الثقافي قائلا: تغير بعد

سنوات من الثورة هو انتقالنا من الوعي السياسي المباشر والمرحلي إلى وعى المواطنة والمسؤولية الاجتماعية لقد أدرك المجتمع أن إسقاط مشروع إقصائي وتفكيك مخطط تغيير الهوية كان الخطوة الأسهل، أما الخطوة الأصعب والمسار الأطول فهو بناء بديل عقلاني حداثي أن الوعى الآن يواجه تحدى السيولة الثقافية وتراجع دور الحواضن التقليدية (كالكتاب والمجلة الرصينة) لصالح الثقافة البصرية السريعة والمنقوصة لذا، فإن حماية الوعى تتطلب استراتيجيات ثقافية تفاعلية جديدة تدمج الفنون والآداب بالتقنية الحديثة، لكي لا يقع الشباب ضحية لإعادة إنتاج الفكر المتطرف في قوالب رقمية ناعمة وجذابة.

الكاتبة والروائية منصورة عز الدين.. من جغرافية الميدان إلى معركة "الخوارزميات"

وتكمل الروائية البارزة منصورة عز الدين الصورة برصدها للصراع التقني الحديث: مفهوم الوعى تضاعف وتعقد بعد الثورة نتيجة للانفجار التكنولوجي الهائل في عام ٢٠١٣ كان الوعى حراكا جغرافيا ملموسا نصنعه بأجسادنا والتحامنا المباشر على الرصيف وفى الميدان اليوم، انتقلت المعركة بالكامل إلى الخوارزميات وفضاء الذكاء الاصطناعي فالوعي المعاصر للمواطن يعنى امتلاك الحس النقدى التكنولوجي، أي القدرة على تفكيك ما يراه ويسمعه على وسائل التواصل الاجتماعي، وفرز الوعى الزائف والمحتوى الموجه الذي يهدف إلى تبلد العقول وصناعة قطيع افتراضي جديد. وبالتالي فالمثقف اليوم لم يعد يقود مسيرة في الشارع، بل يقود معركة تفكيك للنصوص الرقمية لحماية الهوية من التسطيح والاستلاب.

الوعى البصرى وصناعة الأثر في الأجيال الجديدة

ومن زاوية الفن والدراما المعاصرة، يرى المخرج عمرو سلامة أن الوعى أصبح يرتبط بشكل وثيق بالصورة والصناعة.. الجيل الذي يقود الفضاء الإلكتروني الآن هو جيل بصرى بامتيان لم يعايش كواليس اعتصام وزارة الثقافة ولا تفاصيل اللحظة الوجودية لعام ۲۰۱۳. لذلك، تغير مفهوم نشر الوعي لم يعد الخطاب المباشر أو المقال الطويل مجديا معهم بالقدر نفسه الوعى الحالي يصنع من خلال الدراما الذكية والسينما البصرية القوية ذات البعد الإنساني، لقد رأينا كيف أعادت بعض الأعمال الدرامية الوطنية صياغة وعى جيل كامل بقضايا وطنية بالغة التعقيد أن الوعى اليوم هو أن تنجحكمبدعين في صناعة محتوى مصری و عربی قادر على المنافسة في المنصات العالمية، محتوى يحمل جيناتنا الثقافية الأصيلة لكنه يتحدث بلغة بصرية عالمية تحمى شبابنا من التغريب.

كيف تطور العقل الثقافي والجمعي بين جيلين ؟!

إذا أردنا قراءة هذا التحول التاريخي بعين فاحصة ومجردة، نجد أن مفهوم الوعي في مصر قد مر بنقلة نوعية وجوهرية بين الأمس واليوم على مستويات عدة من حيث الهدف الأساسي كانت المعركة في لحظة ثورة ٣٠ يونيو عام ۲۰۱۳ تدور بالكامل حول إنقاذ الهوية المصرية وحماية مؤسسات الدولة من التفتت والاختطاف الفكرى القسري، أما في المرحلة المعاصرة، فقد ارتقى الهدف ليصبح بناء الإنسان وتحقيق التنمية الشاملة، وتحصين العقل القومي ضد الاستلاب الرقمي وحروب الشائعات الممنهجة.

ومن حيث طبيعة الحراك والأدوات بينما كان الحراك في الأمس ميدانيا، شعبيا، واحتجاجي، يعتمد على الالتحام المباشر في الشوارع، والاعتصامات المفتوحة على الأرصفة، وعروض المسرح والباليه في الهواء الطلق نجد أن الحراك المعاصر قد تحول إلى عمل مؤسسی فکری و تكنولوجي متطور تخاض عبر الفضاء الإلكتروني، والمنصات الرقمية، والإنتاج المعرفي والدراما التلفزيونية والسينمائية الذكية بالإضافة إلى قوافل التنوير التي تعيد صياغة وعى المواطن في القرى والنجوع ضمن مشروعات قومية کبرى مثل حياة كريمة.

ومن حيث الجمهور المستهدف في عام ٢٠١٣، كان المستهدف هو الحشد الشعبي العام لكسر حاجز الخوف والنزول للميادين لاستعادة الدولة الوطنية. أما اليوم، فإن جيل الشباب والنشء (جيل 2 والأجيال الرقمية الجديدة يتصدر قائمة الجمهور المستهدف كونهم الفئة الأكثر عرضة للغزو الفكري والسيولة الثقافية عبر الهواتف الذكية، مما يجعل تحصين وعيهم القضية الأبرز للأمن القومي المصري في الحاضر والمستقبل.

ملامح معركة الوعى المعاصرة الأدوات

والتحديات الراهنة

بناء على الرؤى المستنيرة للمثقفين والمفكرين والواقع الذي نعيشه، نرى بوضوح أن معركة الوعى لم تعد شعارات حماسية ترفع بل تحولت إلى مسئولية وطنية يومية ومستمرة تشترك فيها الدولة مع النخبة

والمجتمع بكافة أطيافه.

وتتمثل أهم ملامح هذه المعركة المعاصرة في نقاط جوهرية

مواجهة حرب الشائعات والمحتوى الزائف حيث يتعرض العقل لضخ مستمر وممنهج من الأخبار الكاذبة والمفبركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتي تسعى لضرب الثقة وإشاعة روح الإحباط واليأس الوعى هنا يعنى امتلاك الحس النقدي والتأكد

من المصادر الرسمية والموثوقة.

تجديد الخطاب الثقافي والمعرفي

وهو التحدى الذي نادى به المفكرون مرارا حيث يتطلب الأمر تقديم جوهر الوعى الإنساني بشكل يتناسب مع العقل الحديث وقيم المواطنة وقبول الآخر والتعايش السلمي.

الدراما كأداة لتوثيق التاريخ

لقد شهدنا في السنوات الأخيرة كيف استعادت الدراما المصرية دورها القوى والفعال في إعادة صياغة الوعى القومي، وكيف نجحت في تعريف الأجيال الجديدة ببطولات وتضحيات المجتمع في مواجهة الفكر الظلامي، وكيف كشفت الحقائق والملفات السرية لتلك الحقبة.

العدالة الثقافية والوصول للمحافظات

حيث لم يعد مقبولا أن تظل الثقافة والوعى محصورين في العاصمة بل إن معركة الوعى المعاصرة تتطلب وصول الخدمات الثقافية والفنية عبر قوافل التنوير وقصور الثقافة المطورة إلى أبعد قرية ونجع. لأن المواطن هناك هو خط الدفاع الأول عن عقل الوطن.

جسر يربط بين ماض مجيد وحاضر يتشكل

واليوم نحن هنا نتذكر، وتحلل، وتبنى بروح تلك الأيام وبوعى هذا العصر الرقمي المتسارع. إن ثورة ٣٠ يونيو المجيدة لم تكن أبدا مجرد حدث تاریخی عادی نحیی ذکراه بطريقة بروتوكولية، بل هي نقطة تحول مفصلية واستراتيجية في الوعى المصرى العظيم غيرت مسار التاريخ وحمت الهوية الثقافية للأمة من السقوط في مستنقع التقسيم والفوضى الفكرية والمجتمعية.

إن الجسر المتين والراسخ الذي امتد من رصيف وزارة الثقافة بشارع شجرة الدر في يونيو ٢٠١٣، وعبر بسلام الميادين المليونية الهادرة في كافة ربوع مصر، هو ذاته الجسر الحضاري والمعرفي الذي تعبر عليه اليوم بثقة وثبات نحو المستقبل ونحو بناء الدولة الحديثة.

فالماضي بكل ما فيه من شجن، وتضحيات غالية.

وغضب مشروع، وفن مقاوم وراق، يتكامل اليوم ويتلائم مع الحاضر الذي يشهد معارك من نوع آخر مثل معركة بناء الإنسان تنمويا ومعرفيا، وتجديد الخطاب الثقافي، وإقامة المشروعات القومية التي تحفظ كرامة هذا الشعب العظيم وتضمن له العيش الكريم على أرضه...

لقد علمتنا الأيام والساعات العصيبة التي عشناها وتنفسناها في قلب المشهد أن مصر قد تمرض، وقد تتعرض لاهتزازات وأزمات عنيفة، لكن روحها العميلة وعملها الحضاري الضارب في جذور التاريخ يظلان دائما عصيين على الانكسار أو التدجين أو المحو والنسيان، وإذا كان المثقفون والمبدعون والشارع المصري قد التقوا وتلاحموا يوما لإنقاذ هوية الوطن من الاختطاف، فإن التحدي الأكبر والمستمر اليوم في معركة الوعى الحالية، هو أن يظل هذا الالتفاف وثيقا الإنتاج وعي متجدد مرن، وذكى، قادر على مواجهة تحديات وأدوات العصر الرقمي الجديد، وصنع غد مشرق وأفضل يليق بمصر التي كنا هناك.. وشهدنا عظمتها وعنفوانها وجلالها في الثلاثين من يونيو.

 	عايدة محسب

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامى لمجلس الآثاريين العرب
الدكتور ممدوح الدماطي
الدكتور محد إبراهيم الاثار
حلمي النمنم

المزيد من ثقافة

بالأرقام.. نقلة نوعية فى قطاع السياحة المصرية

تحت عنوان تنافس الوجهات السياحية في عصر التسويق الذكي"، تناول تقرير أخير صادر عن مركز دعم واتخاذ القرار، ما حققته...

ريحان: فوضى الفتاوى الدينية ساهمت فى انتشار عصابات الأثار الدولية

نجحت ثورة 30 يونيو في استعادة مصر من براثن الجماعة الأرهابية، وبفضل انتفاضة الملايين التى زلزت الميادين تم الحفاظ على...

الدكتور ممدوح الدماطى وزير الآثار الأسبق: فترة حكم الأخوان كان دمها «تقيل»

\يروى لنا الدكتور ممدوح الدماطى وزير الآثار الأسبق في حكومة إبراهيم محلب أهم القرارات التي اتخذها خلال فترة توليه الوزارة...

الدكتور محمد إبراهيم: توليت المسؤلية فى ظروف قاسية.. والتراث يحتاج لقوة تحميه

في ظل ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد تولى الدكتور محمد إبراهيم وزارة الآثار لأربع مرات في حكومات مختلفة ، كان شاهدا...