النفس البشرية الواحدة لها ثلاث نسخ فى آن واحد وهى «الفعلية» و «المثالية» و «الأخلاقية»
صحي لا شك أن الأمور التي تندم عليها هي جزء من تاريخ حياتنا ... صحيح أنها قد لا تخطر على البال إلا بين الحين والآخر ولكنها حين تأتى لبعض الوقت تنغمس بها وتصبح طريقا للأسئلة غير المطروقة.. تماما كالتفكير الذي يمنح منظورا جديدا، ويفتحبابا حول ما كان محتملا، وكذا عن إمكانية وجود البدائل.
هذا وفى الوقت الذى ينظر فيه البعض للندم ببساطة على أنه خطوة نحو التوبة يراه البعض على أنه نوع من المبالغة في تقدير ما يجب أن نأسف عليه وما كنا نتأمل من ورائه.. كذلك هو بمثابة نصيحة قاتلة عمليا ولا سيما ما اتصل بخيارات كانت مصيرية وقد شكلت بالفعل حقيقة واقعة وانتهى الأمر بالإضافة أن هناك جانبا يظل به جزء من الخطورة يحدث دائما عند استدعاء فكرة الندم بشكل متكرر كون ذلك يوقع الإنسان في حالة من عدم الاعتداد إلا بالأمور الظاهرية وبالتالي عدم التعامل معها إلا بمشاعر سلبية فقط لا تعمل جديا على احتمالية تغيير الأخطاء وأن ربما وراء كل شر مستطير خير كثير .
الندم
يعد الندم تجربة إنسانية شائعة الحدوث للغاية وهى تمر على السواد الأعظم من البشر بحيث يظن أن الندم في الحقيقة فعلا لا يتطلب تعريفا فهوما يخاطب في الإنسان أحاسيس مبنية على تجارب شديدة الالتصاق به تتقاطع أحيانا مع إرادته الحرة، وضيق خياراته، ومع قلة ثقته بنفسه وضعف خبراته؛ ومن هنا يمكن القول إن لكل فرد شأنه الخاص مع ندمه بل مع ماهيته ونوعه وعمقه وطريقة التعبير عنه، ومع ذلك فإنه لا يمكن وصف الندم في العموم إلا على كونه شعورا سلبيا يقوم على مبدأ المقارنة، وهو إما فعلا مرتدا على الماضى على نحوارتجاعی يعتقد فيه أن ما يعاش الآن هو أسوأ مما كان مفترضا أوكما يقال ندما مرتقبا ينشأ في سياق مستقبلى محتمل يمكن أن يعطى الإنسان فرصة أكبر للتفكير بين أكثر من توقع.
وعلى كل حال يمكن تصور الندم على أنه حجر عثر أمام الحيل الدفاعية عن النفس لدى كل إنسان، وهو ما يجعل الندم إما خفيفا وقد يبدوتافها أوندما شديد الوطأة حسب طبيعة تلك النفس اللوامة ومدى مقاومتها لمشكلتها مع الندم، كما في الحقيقة يجب الوضع في الاعتبار عما إذا كان الندم بشأن أمر بسيط يمكن التعامل معه في حدوده أوكان خاصا بموضوع ترتب عليه نتائج لا يمكن تحملها أو تداركها أو تجاهلها بسهولة .. لذا فالاختلاف هنا بين أنواع الندم اختلافا هاما وبحجم ما يؤثر على الصحة النفسية وتتابع سير الحياة.
ا في مسألة الندم
ربما تجدر الإشارة أحيانا لارتباط الندم بالمقاييس الوقتية المختلفة فالندم على ما تم فعله بالأمس يختلف كليا عن الندم عما بدر منذ وقت بعيد، ولهذا نظر الفلاسفة وعلماء النفس للندم على أنه ليس مجرد عاطفة تنتاب الإنسان بشعور سيئ حين التذكر أنما هو مكون إدراكي يستلزم حدا أدنى من الوعى للحكم بين أفضلية خيار عن خيار وقرار على قرار ما يجب معه وضع الحالات الذهنية للبشر محل تقدير، فالحالة الذهنية التي تعتبر من الدرجة الأولى هي ما يقدر الندم فيها على أساس أنه كان رد فعل على فعل فورى غير تأملي أو إرادي قام فيه الفرد بالاختيار وإصدار القرار بانفعال يسبب فيما بعد هذا الندم، أما الحالة الذهنية من الدرجة الثانية فالندم بها ينشأ من تقييم تأملى لفعل إرادي مدروس، وهي الحالة الصعبة التي إذا ندم الإنسان على اتخاذ قرار بعدها فغالبا ما يكون حادا لا يمكن تجاوزه إلا بطعم المرار.
وربما يجب التفرقة والتمييز هنا بين الندم وفكرة تأنيب الضمير، فالندم محوره الذات وتقييم النفس السلبي عنها، أما تأنيب الضمير فيخص علاقة كل إنسان بالآخر ولذلك فهي علاقة تتسم بالتعقيد كون الضمير فيها حاضرا وحاكما، ومع هذا فلا شك أن كل من الندم وتأنيب الضمير أفعال مرتبطة مع بعضها البعض على تحووثيق يوحي بأن لا تفرقة بينهما وعلى مكمن الارتباط في أن كثيرا من مسائل الندم الذاتي تقضى الأسباب تأنيب الضمير ما يجعل الندم في هذه الحالة نوعا خاصا أخلاقيا وربما أيضا من هذا الباب يمكن النظر إلى أمر الندم على غرار ما نظر إليه عالم النفس كريستوفر كاولي الذي لاحظ هذا الخط الرفيع بين الندم والتحسر وهوما تجده على سبيل المثال أدبيا في أعمال برنارد ويليامز الذي ناقش في رواياته الندم دراميا على أنه أمر فاعل دینامیکی سواء كان نتاج أفعال إرادية أو غير إرادية فهودائما محرك يغير مسارات وأحداث وينشأ اتجاهات ويخلق علاقات وهو في كل هذا يطلق العنان لمصائر مختلفة.
مواجهة مع الندم
يبدو الندم كثيرا كغيمة سوداء تظلل الحياة إذا أمطرت تمطر شوكا يصعب اقتلاعه، وإذا أبرقت كانت كشفا الطريق يمشى فيه، وإذا ظلت فقط غيمة كانت أشبه برسالة في زجاجة أرسلها البحر في وقت ما إلى الشاطئ لكنها على أية حال لا تحمل الأمان وهكذا لا يمكن اعتبار الندم شعورا يزور القلب خلسة بل شيئا كامنا فيه حامل الصحائف عريضة يكتب فيها ومازال يكتب، ولذا يظل فعلا يحرك الإنسان إلى حيث نقاط ضعفه الحرجة.
ومن جهة أخرى وعلى حين يبدو الندم أحيانا كجلاد لئيم لا يمل توجيه ضرباته العنيفة إلى أرواحنا فهو أيضا معلم حكيم قد تقودنا سياطه الموجعة إلى المسار الصحيح، وعلى هذا فهو كداء يعتصر القلب وفي الوقت نفسه يمكن ان يكون دواء مطهر ضد الغرور والصلف والثقة العمياء في النفس، وعلى ذلك النحو هو صورة لشكلين من الموت فإما موت لماضي في لحظة اكتشاف أنقى بصيرة ترتب للخطوات القادمة أوموت لما سيأتي إن بات يلتهم الأيام الراهنة فتذيل معه الحياة، ولا شك أن الفرق هنا ليس في الندم بحد ذاته بل في الكيفية التي تستقبله بها فإما يكون سما زعافا أو ترياقا شافيا، وفي كل الأحوال لا بد وأنه يرسم خريطة كاشفة لما يجب القيام به لحسم هذا الصراع الداخلي نحو قطب من قطبين أساسين قطب الإصلاح أو قطب جلد الذات.
-
.
وربما على مستوى أعمق فلسفيا يجعلنا الندم تطرح على أنفسنا الأسئلة المعقدة حول ما إذا كنا بالفعل أحرارا في تصرفاتنا وجميع قراراتنا أم صدقنا. وهما ظننا فيه أننا الأسئل ؟ أم المعنى أننا إزاء اكتشاف حقيقتنا الصادمة بأننا لم نكن بالفعل مضللين وأن ما اتخذناه من قرارات كانت بفعل دوافعنا الخفية والندم هنا هو حقا الحل السحري والفعل . الصحي الذي يجعلنا نعى فخنا النفسي والواجب علينا ألا نعيد معه مرارا الرجوع المربع الصفر.
ضد الندم
وحقا يعتبر الندم من الإشكاليات التي . تحتمل ثنائية التفكير فيه.. إذ في الوقت الذي يمكن أن يرى على أنه قيمة قد توقظ الضمير وتعطى الأمل في إمكانية تلافي الأخطاء وعدم تكرارها. في المستقبل يراه البعض أنه أمر غير عقلانيا طب يستغرق الوقت ويدخل ضمن إطار المشاعر المضللة المشوشة المنطق سير الأشياء إلى الأمام، ولعل الفيلسوف بادي كوين يشرح هذا من خلال ما أسماه منظور القرار المبرر . للندم وبه يرهن كوين الندم بكونه إما مبرر أو غير مبرر بشرطين أولهما . هو أن ينبع من الذات التي يمكن أن .
تقرر وتحكم على وجه الدقة، وثانيهما: هو الاعتداد دائما بمسألة المبررات التي كانت دافعا حين اتخاذ أي قرار فإذا كانت المبررات قوية بما يكفى فلا داعي تماما للقدم حتى لو جانب هذا القرار الصواب بما يطلق عليه لاعبو البوكر مسمي " النتاج ويعنى عدم التركيز المبالغ فيه على سوء النتائج لأنها يمكن أن تقع نتيجة المصادفة أوسوء الحظ أو تغيير غير متوقع خرج عن سيطرة اللاعب.
ولذا فإسباغ الندم دوما على كل الحالات أمر لا يجلب سوى البؤس، وهو نوع من تجاهل الأمور الحسنة التي حدثت رغم سوء التجربة ونهايتها البائسة.
وفى ورقة بحثية عن ما يسمى علم نفس الندم يحاول كل من العالمان ديفيد وجيلوفيتش إيجاد وسائل لتخفيف حدة مشاعر الندم ذلك بتفسير أن للنفس البشرية الواحدة ثلاث نسخ في آن واحد وهي الذات الفعلية، والمثالية التي تنفق مع الأمال والطموحات وتحقيق الأهداف، والذات الأخلاقية التي تتصرف حسب القواعد الثابتة والمبادئ العامة وتوقع الآخرين وعلى هذا الأساس يشعر الناس بالندم من التباينات والفجوات بين الثلاث نسخ ولكن أقوى مشاعر الندم هي من التباين بين الذات الفعلية والمثالية حيث لا يمكن هروب الإنسان من أماله وطموحه ومحاولته لتحقيق أهدافه كونها غريزة لدى كل البشر وربما لتخفيف مشاعر القدم هنا من الإحباط الذي يشاور النفس لدى الإخفاق في الوصول لكل هذا يمكن النظر لتجربة السعى على أنها تجربة ناجحة، وأن الوقت المنقضى لم يضيع صدى بل كان له جانبه الإيجابي في التعلم المستفاد بما يمكن معه تدارك الفشل في المرات القادمة.
الندم ورمزية الشر
في روايته " ندم إبليس " التي تقع في منطقة متصفة بين الفلسفة والخيال يفتتح الكاتب رشيد الضعيف رؤيته الأدبية على عنوان داخلي هو الاعتذار" وبه يعود فورا إلى أحداث الخطيئة الأولى حين غوى أبليس آدم وحواء فكان السبب وراء طردهما من الجنة وعل افتتاح الرواية بهذا العنوان يعد تمهيدا لأحداث مفترضة تصور أن أبليس اعتذر من آدم وندم وحاول تعويض ما لحقه من ضرر بأن أوكل إلى كل واحد في ذريته جنيا ملازما له لمساعدته في شئون حياته على الأرض، ومع توالى الأحداث لا يعلم القارئ هل كان ذلك اعتذارا أم خطة جهنمية أحكم بها إبليس سيطرته على البشر؟ ليطرح بذلك سؤالا حول إمكانية ندم الشر، وهل يمكن أن يتحول الشر إلى خير؟ وهل كان آدم الذي علمه الخالق الأسماء كلها قد نسي فكانت تلك هي الخطيئة الفعلية التي تستوجب الندم وبها أصبحت رحلة الحياة رحلة محكومة بهذا الندم، وبقى الندم قدرا يذكر الإنسانية دائما بتلك الخطيئة الكبرى ؟
هنا ولاشك أن عنوان الرواية "ندم أبليس" في حد ذاته يطرح رمزية عميقة من الجمع بين مفردتين متناقضتين هما إبليس، وما يمثله من رمزية الشر. ومفردة الندم وهي كشعور بشری بدل على مراجعة النفس وإحساسها بالخطأ والرغبة في التوبة، لذا أعتبر هذا الجمع بين إبليس الذي لا يندم وفعل الندم البشرى ما يشكل مفارقة الاستحالة ويشير أن أفعال البشر الشريرة مع عدم الندم يمكن أن تجعل الإنسان وإبليس في لحظة ما وجهان لعملة واحدة.
ولعل رشيد الضعيف بروايته المعاصرة. وعن طريق طرح الكثير من الأسئلة الفلسفية يلتقط ما يوحي بأن التجربة الإنسانية اليوم في أمس الحاجة المراجعة معنى الشر وسط عالم معقد متصارع باتت الشرور فيه لا تأبه أساسا الفكرة القدم.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يمشى محاطاً ببضاعته، في كتلة واحدة، كأنه مربوط فيها!
كرمت نقابة الصحفيين الزميلة مها حافظ نائب رئيس التحرير في مجلة الإذاعة والتلفزيون، ضمن الأمهات المثاليات من الصحفيات، في احتفالية...
وزارة الثقافة مطالبة باحتفالية كبرى فى ذكرى مئوية تشيكوف العرب الفقر والفقراء.. قضية محورية فى «العيب» و «الحرام» و «أرخص...
وأنت لم تمت يا سيد لكنك قضمت قطعة من قلبي وصرت تلوكها على مهل، حتى بت أشعر بوخز أسنانك في...