فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى ريادته للشعر الحر.. وأصدر أول دواوينه فى عمر السادسة والعشرين شعره اشتبك مع قضايا المجتمع.. واصطبغ بصبغة حزن واضحة
كان صلاح عبد الصبور شابا صغيرا حين أصدر ديوانه الأول الناس في بلادي" في يناير من عام 1957، فهذا الشاعر الاستثنائى الكبير، صاحب التجربة الرائدة في تاريخ الشعر العربي الحديث، والذى تحل ذكرى ميلاده هذه الأيام، من مواليد 3 مايو عام 1931 بمدينة الزقازيق، وهو في السادسة والعشرين من عمره، كان الشعر على موعد مع شاعر كبير، وكان ديوان الناس في بلادي أول ديوان للشعر الحر في مصر، لينال عبد الصبور راية السبق والريادة في شعر التفعيلة.
كان عبد الصبور سابقا وسياقا... لكن من المحزن أيضا أن هذا الشاعر - الكبير حقا - مر سريعا في حياتنا كالشهاب اللامع، لتجربته الشعرية الكبيرة والعريضة، قياسا إلى إنتاجه العظيم والمتدفق، كانت قصيرة بمنطق العمر والزمن عمرها ٢٤ عاما فقط، إذ رحل في أغسطس ۱۹۸۱ عن خمسين عاما.
هذه التجربة الشعرية والإبداعية. القصيرة عمرا الطويلة المتدفقة إبداعا. انتجت انا دواوين الناس في بلادي" و"أقول لكم " و "أحلام الفارس القديم" و "تأملات في زمن جريح" و"شجر الليل" وآخر دواويته الإبحار في الذاكرة"، الذي أصدره عام ۱۹۷۷
كما أصدر خمس مسرحيات شعرية يمكن أن تعتبر جميعها من أبرز وأهم ما أنتج في تاريخ المسرح الشعري العربي وهي "مأساة الحلاج" و"مسافر ليل" و"الأميرة تنتظر" و"ليلى والمجنون" و" بعد أن يموت الملك"، إضافة إلى ما أصدره من كتب نثرية مهمة مثل "حياتي في الشعر" و قراءة جديدة لشعرنا القديم" و "رحلة على الورق ، و رحلة الضمير المصري . و " على مشارف الخمسين"، والمؤكد أن كل هذا الإنتاج الإبداعي، سواء كان شعرا أو سردا، لم يكن ليتأتى إلا لصاحب موهبة كبيرة، غذاها بالقراءة والاطلاع، والتفرغ التام للإبداع فقط دون غيره.
شاعر الحزن
مرت حياة عبد الصبور سريعا، واهلها طبعت بطابع الحزن في كثير من تفاصيلها، وتعرض الرجل في كثير من الأحيان لهجوم وطعنات، بينما كان يواصل إبداعه ومنجزه، لكنه كان شفيف الروح، يختزن الحزن كثيرا، فإذا زاد عن حده باح به في شعره، ويتجلى شعوره بالغربة والحزن في كثير من قصائده، ربما كان من أهمها تلك القصيدة التي تناثرت خلالها مفردات الحزن واضحة جلية. والتي عنونها باسم "الحزن"، ويقول فيها:
يا صاحبي إني حزين..
طلع الصباح فما ابتسمت
ولم ينر وجهى الصباح
و خرجت من جوف المدينة
أطلب الرزق المتاح
وغست في ماء القناعة خبز أيامي الكفاف
ورجعت بعد الظهر في جيبي فروش
و شربت شايا في الطريق
ورتقت تعلى
ولعبت بالنرد الموزع بين كفى والصديق".
ويستمر عبد الصبور في مفردات حزنه حتى يختم قصيدته بالحزن أيضاء فيقول:
زوق حديثك
كل شيء قد خلا
من كل ذوق
أما أنا فلقد عرفت نهاية الحدر العميق
الحزن يعبر في الطريق .
عبر الحزن كثيرا في حياة عبد الصبور منذ صباه الباكر وحتى رحيله، فحين حصل على الشهادة الثانوية عام ١٩٤٧.
جاء إلى القاهرة صبيا في السادسة عشرة ليا تحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية، وليتتلمذ بعدها على يد أمين الخولي، لكنه، وفي بدايات عيشه في المدينة الكبيرة، لم يستطع أن يتأقلم معها ومع إيقاعها وناسها وشوارعها، رغم أنها في تلك الأثناء لم تكن أبدا بمثل ما عاشته وتعيشه من صخب كلما مر الزمن فأصيب عبد الصبور وقتها بمرض استمر يحاربه لأكثر من ثلاثة أشهر، حتى شفى وعاد يصارع الحياة في مدينة لم يستطع أن يهنا فيها، فقد كان مبدعا يحب السكينة ويتطلع لأن يبدع في هدوء دون صحب أو جلية، كان أبوه موظفا، لكن أغلب أهله كانوا من الفلاحين، وهو في طبيعته يحب هذه الحياة التي يحياها الفلاحون حياة الهدوء والوداعة والسكينة، وأنى لها أن تتحقق في قاهرة المعز.
وحين أراد عبد الصبور أن ينفى عن نفسه ما قاله النقاد عن أن الحزن يصبغ شعرم فكأنما أراد أن يثبت المقولة، لا أن ينفيها. حين قال يصفتي بعض النقاد بأنني شاعر حزين، وأقول لهم لست شاعرا حزينا لكنني شاعر متألم"، فما الفرق بين الحزن والألم... أليس الألم وجها من وجوه
الحزن؟
وربما كان الحزن سابقا في إبداعه منذ بداياته الأولى، منذ قصيدته التي أثبات عن شاعر كبير قصيدة "شنق زهران". التي نشرها قبل أول دواويته، وسرد فيها مأساة الشاب زهران في واقعة دنشواي فهذه القصيدة البدأ على وقع الحزن الذي يخيم على كل بيت فيها كما خيم على كل بيت في دنشواي يقول فيها
وتوى في جبهة الأرض الضياء
ومشى الحزن إلى الأكواخ
تنين
له ألف ذراع
كل دهليز ذراع
من أذان الظهر حتى الليل
يا الله
في نصف نهار
كل هذي المحن الصماء في نصف نهار
من تدلى رأس زهران الوديع".
وكما هو شاعر الحزن فإن عبد الصبور أيضا شاعر الليل والعزلة والتأمل والحب واليأس، وهو الذي يشعرن) الحياة اليومية في تفاصيلها الصغيرة، وهو ما عبر عنه يصدق، ويشكل واف الشاعر اللبناني عبده وازن حين قال عن عبد الصبور كان في شعره جوهرا مفلودا ينبغى البحث عنه دوما، ولعله الجوهر الذي يصنع سر الفعل الشعري سر الإبداع والإلهام في قصائده".
يحفل شعر عبد الصبور بما لا يحصى من موضوعات وقضايا تختلف وتأتلف. تتناغم وتتناقض، فهو شاعر الوجود مثلما هو شاعر الحياة، شاعر العدم مثلها هو شاعر العالم شاعر الهموم الماورائية والهموم اليومية، شاعر الحزن والليل العزلة والتأمل الحب واليأس والسام، أما الشعر لديه فهو كما يصفه صوت إنسان يتكلم"، وعندما يكون الشعر صوت الإنسان المتكلم يصبح قادرا على أن يستوعب ما لم يستطع أن يستوعبه سابقا.
ولعل سر شعريته تلك الآلام اليومية. من غير أن يفقدها أبدا سحرها السري وكثافتها الوجدانية وعملها الوجودي. حيث لكمن قدرته على "شعرنة" الحياة في تفاصيلها الصغيرة وأشيائها الناقلة وأمورها الصغيرة، سره أنه أنزل القصيدة إلى مرتبة الكلام اليومي
الناس في بلادي
عندما أصدر ديوانه الأول "الناس في بلادي"، كان كمن التي حجرا في بحيرة راكدة آثار وقتها دوامات من النقاش والجدل حول ذلك النوع الشعري الجديد. المسمى بالشعر الحر أو شعر التفعيلة. والذي يتحرر من ضوابط وقيود الشعر العمودي الراسخ والمعتاد، وهاجم البعض وتحمس البعض الآخر لكن هذا الديوان دشن عبد الصبور في مقدمة رواد الشعر الحر في عالمنا العربي مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب.
تجلت التجربة الذاتية ومشاعر الألم والتفاعل بين الذات الشاعرة والهم الإنساني في قصائد ومفردات الديوان بشكل واضح، يقول في قصيدة "الناس في بلادي"، التي عنون الديوان باسمها:
الناس في بلادي جارحون كالصقور غناؤهم كرجفة الشتاء في ذؤابة المطر
وضحكهم ينز كاللهيب في الحطب
خطاهم تريد أن تسوخ في التراب
ويقتلون.. يسرقون يشربون يجشاون.. لكنهم بشر
وطيبون حين يملكون قبضتي نقود
ومؤمنون بالقدر".
ثم يتحدث عن شخصية محورية في قريته، عن عم مصطفى، ذلك الصوفي الذي يمتلك الحكمة، فيقول:
" وعند باب قريتي يجلس عم مصطفى
وهو يحب المصطفى
وهو يقضى ساعة بين الأصيل والمساء وحوله الرجال واجعون
يحكى لهم حكاية .. تجربة الحياة".
ويمضى عبد الصبور في حكاية عم مصطفى، ويتحدث عن ذلك المصير المحتوم على الجميع، الموت، ليقول:
"بالأمس زرت قريتي
قد مات عم مصطفى
ووسدوه في التراب
لم ييتن القلاع ...
كان كوخه من اللبن.
و سار خلف نعشه القديم
من يملكون مثله جلباب كتان قديم.
ويواصل الحديث عن دورة الحياة .. لقد حمل الراية حفيد عم مصطفى:
" وعند باب القبر.. قام صاحبي خليل
حفيد على مصطفى
وحين من السماء زنده المفتول
ماجت على عينيه نظرة احتقار
فالعام عام جوع".
هنا تبدو النزعة الصوفية التأملية واضحة ويبدو الحزن معششا بين أبيات القصيدة ويبدو تأثر عبد الصبور بالشاعر الإنجليزي الشهيرت اس اليوت.. لقد قسم عبد الصبور قصيدته الشهيرة إلى ثلاثة اقسام الأول عن ناس بلده أو قريته. والثاني عن عم مصطفى بطل القصيدة. والثالث عن الموت والعدم وعن خليل حفيد عم مصطفى.
وبعيدا عن الإطار الفني والشعري للقصيدة وجمالياتها وشعريتها، فإن الديوان امتلك جرأة الثورة على الشعر القديم، بإطاره التقليدي وقصيدته العمودية، ليخطو إلى أرض جديدة في الشعر العربي، وليحتفى بالذاتي والإنساني وبالمشاعر وبالنفس الإنسانية، وهمومها وتعقيداتها، ليتيحمساحة أوسع وأرحب للشعر كي يعبر عن الإنسان.
في المسرح الشعري
يعتبر صلاح عبد الصبور واحدا من أهم وأكبر رواد المسرح الشعري في عالمنا العربي، وربما يقف بعد أحمد شوقي في صدارة رواد المسرح الشعري العربي. وميزة عبد الصبور الكبرى انه حرر المسرح الشعري من القصيدة الغنائية. وجعله يشتبك مع الواقع ومع الناس في كل قضاياهم وعلاقتهم بالسلطة، وتجلى كل هذا الطرح في مسرحياته الخمسة وتعد "مأساة الحلاج أشهر مسرحياته. وحكى فيها قضية أحد أبرز رموز التصوف المنصور بن حسين الحلاج وفاز عنها بجائزة الدولة التشجيعية عام ١٩٦٦، ومن عجب ألا يفوز عبد الصبور بالتقديرية إلا بعد رحيله.
وتقول الدكتورة نعيمة مراد في كتابها المسرح الشعرى عند صلاح عبد الصبور" ان في أعماله المسرحية "خلاصة جزئيات لا حصر لها من التراث العربي والغربي في أن واحد انصهرت جميعها في يوثقة تجاربه الذاتية، وتاريخ مجتمعه المعاصر ليخرج منها ذلك المسرح الذي إن حوى عشرات وعشرات من عوامل التأثر فإنه في النهاية فن عبد الصبور الخالص الذي يختلف كل الاختلاف عما أخذ منه الموروث التاريخي، فالتاريخ عند عبد الصبور أعطى أعماله بعدا وعمقا لا يقل خطورة عن الأسطورة، أو التراث الشعبي".
أخيرا.. لا تجد ما تختم به الكتابة عن صلاح عبد الصبور، الذي تولى مناصب كثيرة رفيعة، آخرها رئاسة الهيئة العامة للكتاب، ورحل إبان توليه منصبه بها في منتصف أغسطس عام ١٩٨١، لكن مكانه الحقيقي الرفيع هو على كرسي الشعر لا نجد أصدق ما نختم به الكلام عن هذا الشاعر الكبير سوى ما قاله هو في قصيدته الشهيرة "أحلام الفارس القديم".
"ماذا جرى للفارس الهمام
انخلع القلب
وولى هاربا بلا زمام
وانكسرت قوادم الاحلام
يا من بدل خطوتي على طريق الدمعة البريئة
يا من يدل خطوتي على طريق الضحكة البريئة
لك السلام
لك السلام".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...
الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية
بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد بعلم الله مسبقاً ومن هنا ظهرت مذاهب فلسفية كالجبرية والمعتزلة والأشعرية
تربّى فى الزاوية ودرس العلوم الشرعية وكان يحب مجالس العلماء ويقربهم إليه وامتلك واحدة من أكبر وأهم المكتبات فى العالم...