محمد سلطان باشا.. ذراع توفيق اليُمنى وكبير خَوَنة الثورة العرابية

شخصيات لها تاريخ «87» من مواليد قرية «زاوية الأموات» بمديرية المنيا ورشحه حسن باشا الشريعى ليكون مأمور قسم «قلوصنا» واقترب من الخديو توفيق وأصبح واحداً من رجاله

من حق الجيل الجديد من أبناء الشعب المصرى أن يعرف من البطل ومن الخائن، من الذى دافع عن الوطن ومات فى الميدان من أجل حرية الأرض والناس، ومن الذى قبض المال وحاز النياشين من الأعداء الذين قتلوا الشعب واحتلوا الأرض بقوة السلاح ودَعْم هؤلاء الخونة.. وفى الثورة العرابية، ثورة المقاومة من أجل تحرير مصر من الاستعمار الأوربى، عرفنا البطل ـ الأميرالاى محمد عبيد ـ الذى حارب فى التل الكبير وذاب جسده وانصهر فى حديد المدفع المنصهر، وها نحن نحاول أن نعرّف القراء الشبان من الذى خان دم ـ عبيد ـ ودم الشهداء فى كفر الدوار والقصاصين والتل الكبير.. إنه كبيرهم محمد سلطان باشا الذى كان الذراع اليمنى للخديو توفيق، وقبض عشرة آلاف جنيه من خزانة الدولة، وحاز نياشين ـ ثمناً للخيانة ـ من الملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا، و من السلطان العثمانى، ومن الخديو توفيق..

بدايةً أود أن أوضح للقارئ أن وصف ـ كبير الخَوَنَة ـ ليس من عندى، بل هو مكتوب فى كتاب يتناول حياة ـ أحمد عرابى ـ السياسية ودوره فى المشهد السياسى المصرى، وهذا الكتاب هو عبارة عن رسالة دكتوراه للباحث ـ دكتور سمير طه ـ منشورة فى ثمانينات القرن العشرين وصدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ومن المفيد هنا أن نقرأ ما كتبه ـ أحمد تيمور باشا ـ عن محمد سلطان باشا ودوره فى خيانة آمال الشعب المصرى وانحيازه للخديو توفيق والجيش الإنجليزى والسلطان العثمانى فى الأستانة، على حساب مصالح الشعب والجيش الوطنى المصرى..

يقول أحمد تيمور باشا على صفحات مجلة الرسالة فى العدد ـ 48 ـ الصادر بتاريخ: 4 يونيو 1934:

ـ هو محمد باشا سلطان بن أحمد ـ من قرية بالصعيد تُسمّى ـ زاوية الأموات ـ بالجانب الشرقى من النيل، تجاه ـ منية ابن الخصيب ـ وُلِد بها سنة 1821، ورباه أبوه فسلّمه لمعلم القرآن فى القرية، علمه القراءة والكتابة، وحفّظَه ما تيسر من القرآن الشريف، ولمّا بلغ أشُدّه تركه أبوه ينظر فى أمور القرية المذكورة، إلى أن نُقِل ـ حسن باشا الشريعى ـ من نظارة قسم ـ قلوصنا ـ فى ولاية محمد سعيد باشا على مصر، فسأله الوالى عمّن يقيمه بدَلَه على القسم المذكور، فذكر له اسم ـ محمد سلطان ـ وأثنى عليه وضمَنَ كفايته، فأقيم ناظراً لهذا القسم مدة ثلاث سنوات، ثم جعله ـ سعيد باشا ـ وكيلاً لمديرية بنى سويف، وبعد سنتين جعله مديراً لها، فبقى فيها إلى أن توفِّى سعيدباشا وتولّى ابن أخيه إسماعيل باشا، فنُقِل ـ محمد سلطان باشا ـ مديراً للغربية، فمكث بها نحو سنة، ثم أمر بنقله مديراً لأسيوط، فأقام بها نحو سنتين، ثم جعله وكيلاً لإدارة تفتيش الوجه القبلى، ثم أحال عليه النظر فى ضياعه التى فى الصعيد المسماة: الجفالك.

ويضيف تيمور باشا:

ـ ثم جعله مفتشاً على مديريات الوجه القبلى، وعظُمت الوَحشة بينه وبين عكّوش باشا وشاهين باشا، فوجد حاسدوه فرصةً للإيقاع به نظراً لمكانة الرجلين عند الخديو إسماعيل، فسعوا به عنده ووَشوا له بأمور عنه كان يكرهها، فغضب عليه وأمر بسفره إلى السودان ـ رئيساً لمجلس الخرطوم ـ وهو فى الحقيقة نفْى على جارىِ عادةِ ولاة مصر إذا غضبوا على أحد نفوه إلى السودان فى صورة تنصيبه بأحد المناصب، فصَدَع َ ـ سلطان ـ بالأمر و سافر، ولكنه لمّا وصل بنى سويف، وصله أمر الخديو بالرجوع بسبب تداخُل ولى العهد ـ محمد توفيق باشا ـ وسعيه بالشفاعة له لدى والده لأنه كان يحبه، فرجع من الطريق وقصد قريته ـ زاوية الأموات ـ فمكث بها عدّة شهور، ثم أذن له بالإقامة فى ـ القاهرة ـ فأقام بها فى داره المعروفة بجهة ـ الإسماعيلية ـ مدة إلى أن جعله ـ الخديو إسماعيل ـ مديراً للفيّوم، ولكنه عاد فألغىَ هذا الأمر قبل سفره، وبعد نحو سنة رجع بأمر الخديو إلى بعض المناصب التى كان بها بالوجه القبلى، وخُلِع َ الخديو إسماعيل، وتولّىَ بعده ولده ـ محمد توفيق باشا ـ وقامت الثورة العرابية وطالب العرابيون الخديو بإعادة انتخاب مجلس النوّاب، وكان أهمل شأنه منذ توليته، فأجابهم لذلك وأَلَّفَ مجلس النوّاب، فجعل ـ محمد سلطان باشا ـ رئيسه لِماَ يعلمه عنه من إخلاصه ومحبّته له، ثم وقعت بين العرابيين وأمراء الجُنْد منازعات، وخلاف فى بعض الأمور، ظهر لهــــم منها ـ ميل محمد سلطان باشا ـ للخديو، فأبغضوه، ونَوَوا له السوء، وقام عليه مرة ـ عرابى ـ وبعض الضباط فى داره، فهدّدوه بالقتل، وجرّدوا سيوفهم فى وجهه، وكاد يقع فى أيديهم لولا أنهم تراجعوا عنه من تلقاء أنفسهم.

 الخائن الخائف

ويقول أحمد تيمور باشا عن محمد سلطان ودوره فى خيانة الثورة العرابية وتسليم ـ مصر ـ لجيش الاحتلال الإنجليزى:

ـ واشتد قلق ـ محمد سلطان باشا ـ بعد هذه الحادثة، فاحتاط لنفسه وصار إذا جلس بداره وضع بجانبه مسدّساً محشوّاً ليدافع به عن نفسه إذا فوجئ، ولم يُغْنِ  تهديدهم له شيئاً، ولم يجدِ فى تحويله عن ـ الخديو توفيق ـ بل استمر على إخلاصه والقيام بمساعدته، ثم اشتدت الفتنة وسافر الخديو إلى الإسكندرية فصحبه ـ سلطان باشا ـ ملازماً لخدمته، واستدعاه هناك ـ درويش باشا ـ مندوب السلطان وأنبأه بإنعام السلطان عليه برتبة: رومللى بيكلربكى، وأعطاه تقليدها بيده، ثم قامت الحرب على ساقٍ بين الإنجليز والعرابيين فندبه الخديو لمساعدة الإنجليز وإرشادهم إلى الطرق، فبذل ما فى وسعه، وكاتَبَ بعض مشايخ العرب والعُمَد ومن لهم شأن يمنيهم بالخُلَع والرُّتَب والأوسمة علـــى أن يبـتذلوا الطاعـة ـ للخديو توفيق والإنجليز ـ وينبذوا طاعة العرابيين، فنجح فى مسعاه ووافقه الكثيرون فانضموا إلى الخديو وشيعته سراً، ووقع الفشل فى زُمرة العرابيين، وانهزمت جموعهم واستولى الإنجليز على مصر، ودخلوا القاهرة، فأرسله الخديو إليها نائباً عنه، وأطلق يده فى التصرّف فى الأعمال، فوصلها ليلاً من طريق بورسعيد، واستبد بالأمور أربعة أيام حتى حضر النُظَّار إليها وباشروا أعمالهم وقد تاه ـ سلطان باشا ـ وتجبَّر فى هذه الأيام الأربعة وأمر بالقبض على كثيرين ممن كان له بُغيَة فى القبض عليهم وإذلالهم ومنهم: حسن الشريعى، فإنه أوغر صدر الخديو توفيق عليه، وأشار بسجنه ونسى له سابق فضله عليه.

 نيشان الخيانة

ويصف أحمد تيمور باشا فى دراسته التاريخية المهمة المنشورة فى مجلة الرسالة لحظة تكريم ـ محمد سلطان باشا ـ من الخديو توفيق ومنحه النيشان المجيدى بقوله:

ـ ولمّا حضر الخديو من الإسكندرية عقب إطفاء الثورة، وذهب الناس لتهنئته بقصر الجزيرة، أثنى أمامهم على ـ سلطان باشا ـ ثناءً كثيراً وقال:

ـ هذا هو الرجل الذى أخلص لنا فى السر والعلانية.

وأنعم عليه بالنيشان المجيدى الأول، وأمر بإحضاره، فوضعه على صدره بيده أمامهم، ثم سعى له عند النّظار للإنعام عليه بعشرة آلاف جنيه، مكافأة له على خدمته ومسعاه، فأُعطِيت له من ديوان المالية، وكافأه الإنجليز بوسام ـ سان جورج وسان ميشيل ـ من الدرجة الأولى لمساعدته جُندَهم إبّان الحرب، وذهب به ـ السيرمالت ـ قنصلهم الكبير إلى داره وسلمه له، وقال له إن من شروط هذا الوسام أن تضعه مولاتنا الملكة بيدها على صدر من تُنعِم عليه، وقد أَتيتُ لكم نائباً عنها، وبقى ـ محمد سلطان  باشا ـ بعد ذلك فى داره بالقاهرة مُلقّباً بلقب: رئيس مجلس النوّاب، ثم أُنتِدب للإشراف على شواطئ النيل وجروفه بالوجه القبلى لما زاد الفيضان، فصدع بالأمر على كُرْهٍ منه ورأى ذلك حَطّاً من مقامه.

 شهادة مستر بلنت

من المهم ـ ياعزيزى القارئ ـ أن تعرف أن مستر ألفريد سكاون بلنت، كان من أصدقاء العرابيين والمدافعين عن حقوق الشعب المصرى، رغم أنه كان دبلوماسياً يخضع للحكومة الإنجليزية، وكان صديقاً للشيخ الإمام محمد عبده، وله كتاب يحمل عنوان: التاريخ السرى لتاريخ احتلال إنجلترا مصر، طُبع مرتين، الأولى طبعة صدرت عند دار البلاغ المصرية، والثانية صدرت عن دار الآداب المصرية، وعلى غلافها اسم الذى راجعها: الشيخ محمد عبده، وفى هذا الكتاب سرد ـ بلنت ـ تفاصيل ما جرى فى مصر من أواخر عصر الخديو إسماعيل حتى هزيمة الثورة العرابية ومحاكمة أحمد عرابى ورفاقه من رجال الجيش الوطنى المصرى، ومن بين ما ذكره فى مذكراته التى صاغت هذا الكتاب، صفحات خصصها لتوضيح الدور الخيانىّ الذى لعبه محمد سلطان باشا، نقرأ منها:

ـ كان للخديو توفيق وكيل آخر هو سلطان باشا، الذى كان زعيم الفلاحين قبلاً ثم انقلَبَ عليهم، وانضم إلى الإنجليز ولم يعد يخجل من بذر بذور الشقاق بين الوطنين الذين كانوا لا يزالون متعلّقين بوطنهم، وقد يعجب الجيل الجديد من المصريين ويتساءل عن السبب الذى جعل رجلاً شريفاً يبتدئ الحياة بالوطنية الحارّة، ثم ينتهى بالهبوط إلى ذلك الدّرَك.

ويقدم ـ بلنت ـ تفسراً لهذا التحول فى موقف محمد سلطان باشا بقوله:

ـ كان سلطان باشا رجلاً ذا كبرياء له ثروة واسعة وجاه عريض، وكان له صدر المكان فى أى اجتماع يُعقَد وكان يُسمّى ملك الوجه القبلى بين كبار الملّاك، وكان يرى أن من حقه لهذا السبب زعامة الفلاحين، وكان ينظــر إلى ـ عرابى ـ نظرة الرعاية التى يتعطّف بها الكبير على الصغير، وكان يرى فيه أداةً لتحقيق أغراضه، ولكنه لم يكن يتوقّع أن ـ عرابى ـ سيأخذ مكانه بين الجمهور، ولمّا ألِّفت وزارة 1881 ولم يكن ـ سلطان باشا ـ وزيراً بها، اغتاظ من ذلك ولكن كانت له بعض التعزية إذ عيّن رئيساً للبرلمان الجديد، واغتاظ أيضاً عندما أُلِّفَت الوزارة الثانية 1882 ولم يكن عضواً بها، فشعر أن ـ الوطنيين ـ لا يعطونه حقّه من الاحترام، فانحدَرَ إلى الجانب الآخر، ثم جاء الأسطول إلى الإسكندرية، فأخذ ـ مالْت ـ فى إغرائه، ثم تخويفه، حتى صرّح بأنه يرضى بإجابة مطالب الإنجليز، ثم انضم نهائياً إلى حزب الخديو ـ توفيق ـ فليس فى انحدار ـ سلطان ـ وانحدار ـ الخديو ـ شىء يستعصى على الفهم، فقد صارت المسألة فى نظره عناداً، بعد أن كانت طُموحاً إلى منصب، ومما خفّف عن نفسه وخز الضمير، ما وُعِد به أن تدخُّل الإنجليز لا يُقصَد به سوى إعادة الحالة إلى ما كانت عليه قبل قبل وزارة ـ محمود سامى البارودى ـ وأن مصر ستبقى دستوريةً كما هى، وبناء عليه أرسل لجميع أصدقائه خطابات يقول لهم فيها إن التحالف الموجود بين الخديو والإنجليز هو تحالف مؤقت، وسيخرج الإنجليز من مصر عندما ترجع للخديو سلطته، وإن ـ عرابى ـ فقد ثقة السلطان العثمانى وإن الاستمرار فى المقاومة لم يعدْ مُجدِياً، وقد كان لهذه الخطابات التى وُزّعت بعناية، أثر كبير وكان للأموال أيضاً أثر آخر، ويظهر أن ـ سلطان باشا ـ كان يقدم هذه الأموال من جيبه الخاص، لا من أموال الحكومة المصرية التى قررت بعد الحرب منح ـ ســلطان باشا ـ مبلغ عشرة آلاف جنيه بحجة أنها تعويضات لما ناله من الخسائر مدة الحرب ومُنِح لقب ـ سِيِر ـ من الحكومة الإنجليزية، وأغلب الظن أن ما أنفقه ـ سلطان باشا ـ لم يكن كثيراً، لأنه كان يَعِدُ الوعود ولم يفِ بها بعد ذلك.

 هدية الخائن للمحتل

ويروى دكتور سمير طه فى كتابه: أحمد عرابى ودوره فى الحياة السياسية المصرية مشهداً عجيباً كان البطل فيه ـ محمد سلطان باشا ـ صديق الخديو، عدو العرابيين الوطنيين:

ـ وَفَدَ على نظارة الداخلية ـ محمد سلطان باشا ـ وأحمد بك السيوفى وغيرهما، وأبلغوا ـ رياض باشا ـ عزمهم على تقديم نوع من الأسلحة النادرة، هدية للأميرال ـ سيمور ـ والجنرال ـ ولسلى ـ ووافق رياض باشا على ذلك، وكانوا قد عزموا قبل ذلك أن يؤلفوا لجاناً فى كل جهة لجمع نقود لإنفاذ هذا الغرض، ولكنهم اكتفوا بشراء الهدية من أموالهم الخاصة، وقد تسلّم ـ ناظر الداخلية رياض باشا ـ الهدية منهم وهى عبارة عن سيفين ومسدسات من الأسلحة النادرة.

 شهادة الإمام

كتب الإمام محمد عبده فى مــذكــراته مــا يــؤكد خيــانة ـ محمد سلطان باشا ـ للوطن والثورة العرابية وهذه المذكرات نشرتها ـ دار الهلال ـ منذ سنوات، وقال فيها الشيخ الإمام:

ـ فى 27 أغسطس 1882 جاء خبر بأن فارسين خرجا من الإسكندرية، وتوجها من الناحية الشرقية من البحيرة، وهما بدويّان من قبيلة ـ أولاد على ـ من عائلة شهيرة بالفيوم، فقُبِض عليهما عند مرورهما قرب معسكر ـ كفر الدوّارـ ووُجِدت معهما منشورات من ـ سلطان باشا ـ ورسائل منه إلى رؤساء القبائل وبعض الضباط يدعوهم إلى ترْك ـ عرابى ـ والالتحاق بالجيش العثمانى الذى جاء لإخضــاع العُصاة ـ العرابيين ـ وقـــد اعتـــرفا بكل شــىء وذكــروا أن جنـــديّاً بـــحــرياً إنجليزيــــــاً يُســــــــمّى ـ جيل ـ حمل ثلاثين ألف جنيه من ـ سيمورـ ليلحق بالسيد ـ بالمرـ ويستميل العُربان، وحمل معه رسائل من توفيق ومن سلطان باشا إلى رؤساء العُرْبان فى الشرقية، وأن مبلغاً من المال لا يقل عن المبلغ السابق سيصحب القائد الإنجليزى إلى الزقازيق، وكان مركز الدسائس فى الإسكندرية فى مكتب يُسمّى ـ مكتب المخابرات العسكرية ـ اجتمع فيه كثير من موظفى الحكومة المصرية ومن المقيمين فى مصر وكــان روح الجميع ـ سلطــان باشا ـ وقد عرف ـ سلطان ـ أن توزيع النقود باسم الإنجليز لا يفيد، وعرف مقدار سلطة النقود على الأرواح فأخذ فى التوزيع باسم الخديــو تـــوفيــق، والسلطــان العثمانــى واختــار لبثّ الأفكار ـ الحــاوى الطحاوى ـ أحد ثقاة ـ عرابى ـ وكــان ـ الحاوى ـ يعِظ إخوانه العربان بعصيان عرابى، وقوة الجيش المحارب، وكانت المبالغ التى تدفع إلى الأفراد تتفاوت من جنيهين إلى ثلاثة جنيهات.

وينهى ـ الإمام محمد عبده ـ مذكراته التى تناولت الدور الخيانىّ الذى لعبه محمد سلطان باشا بقوله:

ـ هذا الهُمَام الوطنى الذى أوقد نار الفتنة فى البلاد وجمع لها وقودها وحطبها حتى امتدّ لهبها وعمَّ الأنحاء، ثم هرب من طريقها حينما خاف أن يلذعه لهبها، جاء فى آخر الأمر نائباً عن ـ الحضرة الخديوية ـ فى حبس كثير من الناس ولم يفرّق بين الأبرياء وغيرهم، وقد نال المكافأة من الجناب العالى بالإحسان، جزاء إيقاد الفتنة، ثم الهَرَب منها ليتعلم كل مصرى هذه الطريقة المفيدة لكسب الشرف ونيل الإحسان، إلا أن العدل الإلهى سيقوم بمجازاته حق المجازاة لما صدر منه أول الأمر وآخره.

 هُدى وسلطان باشا

لا تعجب ياعزيزى القارئ، لو قلت لك إن هدى شعراوى هى المقصودة، فهى ابنة ـ محمد سلطان باشا ـ والتصق بها اسم زوجها ـ على شعراوى باشا ـ ابن عمتها على عادة الأرستقراطية المصرية التى كانت تهوى تقليد الأوربيين فى المأكل والمشرب والعادات، وكانت تتخاطب فى القصور والفيلّات باللغات الفرنسية والإنجليزية والإيطالية وتترفع عن اللغة العربية التى هى فى نظرها ـ لغة الخَدَم ـ فهى فى الأوراق الرسمية: هدى محمدسلطان أحمد، وفى المحافل والصحف والاجتماعات الدولية: هدى هانم شعراوى، والقصد هنا هو قراءة دفاعها عن ـ خيانة والدها للوطن والشعب ـ وهو دفاع ضعيف لا يقنع أصحاب العقول، لكنها بالعاطفة مجبرة على الدفاع عن مواقف والدها..

تقول هدى شعراوى فى مذكراتها المنشورة ضمن سلسلة كتاب الهلال ـ سبتمبر 1981 إن والدها لم يسع  نحو المناصب وتضيف:

ـ لقد عاش أبى صدر حياته بعيداً عن المناصب الحكومية، فقد كان عليه أن يرعى إخوته وأسرته، ثم أختير مأموراً لقسم ـ قلوصنا ـ وحاول أن يعتذر عنه فلم يجد إلا الإصرار، وتدرّج بعد ذلك ليصبح وكيلاً لمديرية بنى سويف، ثم مديراً لها، ثم مديراً للفيوم، ثم مديراً لأسيوط، ثم مديراً للغربية، ثم مفتشاً عاماً للوجه القبلى، ثم رئيساً لمجلس النواب ومجلس شورى القوانين.

وتضيف قولها عن مذكرات  أحمد عرابى التى نشرتها إحدى الصحف إن ـ عبد السميع عرابى ـ ابن الزعيم أحمد عرابى لجأ إليها لتمنحه مبلغاً من المال يطبع به مذكرات والده فى كتاب، ولا نعرف هل عبد السميع عرابى ضاقت به الدنيا فلم يجد سوى ـ هدى شعراوى ـ لتساعده على نشر مذكرات والده العدو اللدود لوالدها وتقول:

ـ وليس أدَلّ على أن ما ذُكِركان مجافياً للحقيقة من أن الصحف كانت قد نشرت مذكرات منسوبة إلى ـ عرابى باشا ـ بعد وفاته، وكان ما يُنشر يصادف هوى لدى أولى الأمر فى ذلك الوقت، فلما تركوا زمام الحكم جاء إلىّ عبد السميع أفندى عرابى يطلب منى المساهمة فى طبع مذكرات أبيه، فلما أبديتُ له دهشتى من أن يطلب منى المساهمة فى طبع مذكرات أبيه على نفقتى وفيها طعن فى وطنية والدى كذباً وبهتاناً أبدى استعداده لحذف هذا الجزء من المذكرات، وكانت دهشتى هذه المرة أشد من سابقتها وقد رفضت ذلك مقتنعةً بأنه كما أراد حذف هذا الجزء بشرط  المساعدة فإنه لا بد قد وضعه بشرط مثله لخدمة غرض آخر.

ولا نستطيع تصديق أو تكذيب رواية ـ هدى هانم شعراوى ـ لأننا لا نعرف أخلاق عبد السميع عرابى، ولم تقدم لنا شاهداً واحداً يدعم هذه الرواية، لكن شهادة الشيخ محمد عبده وشهادة الإنجليزى ـ بلنت ـ فيها ما يكفى وزيادة للتأكيد على قيام ـ محمد سلطان باشا ـ بدعم الخديو توفيق والانحياز للإنجليز، واستلامه عشرة آلاف جنيه، وهدى شعراوى لم تنكر واقعة استلام والدها ـ المكافأة ـ من وزارة المالية، لكنها تقول كــما قال ـ الخديو توفيق ـ كانت تعويضاً له عن الخسائر التى خسرها طوال مدة الثورة، ولم تنكر حوادث تكريم والدها ومنحه نياشين من ملكة بريطانيا وسلطان الأستانة ولم تقدم تفسيراً لمنحه هذه النياشين، وأحمد تيمور باشا وهو من كبار المثقفين فى زمان الثورة العرابية أورد تفاصيل الأيام التى تولى خلالها ـ محمد سلطان باشا ـ مسئولية الإدارة فى مدينة القاهرة لمدة أربعة أيام نائباً عن الخديو توفيق، وفيها فرض سطوته وأصدر أوامر بسجن واعتقال خصومه ومنهم ـ حسن باشا الشريعى ـ الذى دعمه فى بداياته ورشحه ليكون مأمور قسم قلوصنا بمديرية المنيا ومن عجائب دفاع ـ هدى شعراوى ـ قولها عن الزعيم أحمد عرابى:

ـ وأود أن أذكر هنا أن ـ عرابى باشا ـ كان قد أمر بأن تؤخذ ممتلكات أبى من غلال وخيل وغيرها وتُرسل إلى مخازن الإنجليز.

وهذا بالطبع كلام لا يصدقه عقل، وكان موت ـ محمد سلطان باشا ـ فى النمسا، وأعيدت جثته ودُفِنت فى قرية: زاوية الأموات، فى مقبرة شاسعة واسعة تتضمن مسجداً وحديقة.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

السعودي شو وتجربة شراء اشتراك نتفلكس بطريقة أكثر اطمئنانًا

في عالم الاشتراكات الرقمية، لا يبحث العميل عن المنتج فقط. هو يبحث عن تجربة كاملة تبدأ من لحظة دخوله إلى...

صلاح عبد الصبور.. الفارس النبيل الذى انكسرت أحلامه سريعا

فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...

نوران خالد: رواياتى ترصد سعى الإنسان نحو الحرية

الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية

ابتلى به الإنسان من بداية الخلق .. الاختيار مسئولية

بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد بعلم الله مسبقاً ومن هنا ظهرت مذاهب فلسفية كالجبرية والمعتزلة والأشعرية