عاطف عبيد يقدم مفارقة فنية كاشفة.. بين بكارة الريف وألاعيب الإنترنت

حكايات ساخرة تقترح أسئله مهمة حول العلاقة بين القرية المصرية ووسائل التواصل الأجتماعى

كل يبدع على طريقته.. لكن المهم أن يخط هذا الإبداع طريقه وأن يحفر بصمته وأن يجد قارئه... وأعتقد أن عاطف عبيد استطاع أن يحقق هذه المعادلة في إبداعه وقصصه .. فقد اختار طريقا للقص له خصوصيته التي تميزه وتؤكد حضوره المغاير.

في مجموعته القصصية الجديدة ( راوتر شيخ البلد) يقدم عاطف عبيد مزاوجة رائعة بين براءة الريف وتسلط وسائل الحداثة والتكنولوجيا فينتج منها مفارقات مدهشة.. يقدم لنا أجواء القرية في بساطتها القديمة ثم حين تستقبل هذه البساطة طوفان الانفتاحعلى الجديد والحديث الذي يغزو القرية..

صدقة جارية

تتجلى هذه المعادلة الواضحة وضوح الشمس في كثير من قصص المجموعة .. ربما أبرزها القصة التي اختارها عبيد عنوانا لمجموعته راوتر شيخ البلد).. ينتشر خبر وفاة عبد العزيز العيسوى شيخ البلد على صفحة القرية على الفيسبوك.. تعليقات تترحم على الفقيد لكن الأمر لا يسلم من تعليقات كثيرة شامتة مثل وعند الله تجتمع الخصوم و دامت لمين لينطلق بعدها صوت المؤذن يطلب من بكرى العلواني مدير صفحة البلد على الفيس بوك أن يغلق التعليقات.. وبعد انتهاء العزاء يقرر أولاد العيسوى أن يقدموا خدمة لأهل القرية تكون صدقة جارية على روح والدهم.. المفارقة المدهشة التي أوردها عاطف عبيد في القصة هي أن أبناء الراحل اتفقوا على أن تكون الصدقة الجارية على روح والدهم هی راوتر سريع يقومون بتركيبه على باب بيتهم يقدم خدمات الإنترنت مجانية لأهل القرية.. ومن هذا المشهد الغريب تنطلق الأحداث والتفاصيل.. يتزاحم أهل القرية على التواجد أمام منزل أولاد العيسوى.. تروج الدكاكين والخدمات من حوله .. يصبح الوضع مستحيلا بالنسبة الأبناء العيسوى وحين يطلبون الشرطة لفض الزحام وخلع الرواتر.. نفاجأ بنهاية غير متوقعة.. وفي سياق قريب أيضا يتحدث القاص في قصة طبلية فورمايكا عن الصراع بين مقهى توحة الموجود عند المحطة حيث الطاولات المصنوعة من الفورمايكا والمشروبات الغازية المثلجة، ومقهى أم السعد في وسط القرية حيث الطبالي القديمة وبينما تنقسم البلد إلى قسمين يتصارعان.. قسم توحة يتهم قسم أم السعد بالرجعية و قسم أم السعد يتهم قسم توحة بقلة الأصل يكشف السائق أبو المعاطى أن توحة وأم السعد تسافران معه في سيارته خصيصا أول كل شهر لشراء لوازم المقهيين وهما تضحكان على قرية تتصارع بين الطبالي والفورمايكا...

وفي قصة فوزية يصحبنا عاطف عبيد إلى عالم شفيف ملئ بالشجن لكن هذه الإطلالة أيضا تكون من خلال الإنترنت.. إذ يتعلم بطل القصة الراوى من خلال صديقه كيف يرى صورة حية لأى مكان في العالم من خلال تطبيق خرائط جوجل، وحين يتعلم البطل الراوي جيدا

يدخل غرفته الصغيرة ويبحث على التطبيق عن قريته الصغيرة التي لم يزرها منذ عشرة أعوام.. ها هو يرى الطريق الأسفلتي وشارع سوق السبت.. فيستعيد ذكريات الشارع .. وروائح اللحمة الجملي والسمك البلطى والسردين والهريسة .. وها هو يحرك الصورة قليلا ليظهر بيته ثم يحرك الصورة لتظهر شجرة الصفصاف الكبيرة في مدخل القرية التي يصفها في صورة بديعة بقوله حركت الصورة حتى ظهرت شجرة الصفصاف الكبيرة في مدخل القرية .. كانت لا تزال تغسل شعرها الطويل في ماء ترعة المساحات ثم يختم قصته بصورة أخرى شديدة الشجن اقتربت من المكان حتى بدا ظاهرا على الشاشة بوضوح .. ثم حركت الصورة قاصداً مبنى صغير جدا في حضن الجميزة الكبيرة ثم وضعت عليه لوحة مكتوب عليها .. هنا ترقد فوزية إلى الأبد..

أما في قصة العجل هد المصطبة فنحن أيضا إزاء مفارقة مدهشة بين قديم وحديث.. عجل عبد الصمد الذي يسمونه جنكيز يقوم بمعاشرة الجاموس وعن طريقه فقط تحمل كل جاموسة في القرية ولا يتقاضى عبد الصمد نقودا عما يقوم به عجله لكن الفلاحين يخرجون له ما تجود به أياديهم من أرز حين يحصدون المحصول إلى أن تكبر ابنته نيفين التي تدرس الأدب الفرنسي في آداب طنطا لتنشئ صفحة على الواتساب باسم جنكيز تطور فيها أدوات أجر جنكيز ليصبح نقودا من خلال الدفع الفورى النقدى عن طريق الوسائل الحديثة.. هذه المفارقة وإن بدت ساخرة كوميدية تعكس حسا ساخرا لدى القاص لكنها تطرح أيضا هما مشروعا وتساؤلا حول مدى هذا التفاعل بين القرية ووسائل التواصل والذي ينبغى ألا يصل إلى هذا الحد الكوميدي.

هذا الهم الذي يخص مدى توغل وسائل التواصل في عقول الريفيين البسطاء يسيطر على القاص كثيرا الدرجة أنه في قصة جمعة مباركة يفرغ أهل القرية ذاكرة هواتفهم من صور الاحتفال المتداولة مساء كل خميس وصباح كل جمعة من كلمات وصور جمعة مباركة بفيديوهات عروسين صغيرين ليلة دخلتهما... وأتصور أن سخط عاطف عبيد وغضبه من عدم قدرة الريفيين البسطاء على وضع حد فاصل بين قيم وأصول وذكريات ريف زمان وما يحدث الآن من استسلامهم التام لوسائل التواصل الاجتماعي وتماهيهم معها يبدو واضحا جليا في قصص كثيرة في مجموعة راوتر شيخ البلد.

حكايات الريف

يبدو لي وكأن عاطف عبيد قسم مجموعته إلى قسمين.. قسم يتناول علاقة قريته بوسائل التواصل وبالتكنولوجيا الحديثة.. وقسم يبدو فيه حنين الكاتب الذكريات وصور وشخصيات قديمة يبحث فيها عن حياة راحت وانقضت.. في قصة الحصان يسيطر عبد المجيد على شباب الحارة جميعا لسنوات و الدرجة أن من يغضب عليه يقاطعه الآخرون ويفرضون عليه عزلة تامة...

وكان عبد المجيد يحتفظ في غرفته بحصان زجاجی أزرق بدا وكأنه يستمد منه سيطرته على رفاقه لكن حين يصل خبر خطوبة من أحبها عبد المجيد وعشقها إلى واحد ممن غضب عليهم يوما وينتظر الباقون ردة فعله يفاجئهم بالقاء الحصان الزجاج من شباك حجرته لينكسر الحصان وتنتهى سطوة صاحبه إلى الأبد..

في قصة ابن خالى كمال تبدو هذه الأجواء القروية الحميمة بين أبناء خال الراوي من زوجتيه عظيمة وبهية.. الذين يربطهم رباط مقدس هو حب الاخ البكري الأكبر كمال الذي رحل مبكرا.. رغم ما كان يبدو من صراع ساخر بين أبناء الزوجتين.. وفي قصة صميدة نحن أمام صميدة هذا الفلاح البسيط الذي يمتلك ثلاثة قراريط زراعية فقط لكنه يعتبرها أعظم ثروة ويعتبر نفسه فلاح مصر الاول. وفى قصة زفارة يتناول القاص حكاية عبد الحميد التركى منادى القرية الذي يعلن بصوته الجهور نبأ وفاة عمدة القرية ومعه وفي نفس الوقت يعلن عن وجود سمك طازج لدى بائع اسماك وما يتولد عن الأمر من مفارقات وتتجلى في القصة على بساطتها حيرة الإنسان بين المال والسلطة.. وفي قصة يوميات عيسى مهدى يتناول شخصية النجار عيسى الذي جاء إلى القرية طفلا تائها ثم أصبح نجارا محدود الموهبة لا هم له إلا أن يتناول سيرة أهل القرية جميعا...

وهكذا يبدو عاطف عبيد مولعا بتناول الريف الدلتاوي عاشقا له.. لكنه العشق الذي لا يمنعه من أن يكشف سوءات كثيرة طالته.. غير أن صوره ومشاهدة التي نثرها في كثير من قصص راوتر شيخ البلد) - التي أصدر قبلها مجموعتين هما سماوى والسيد كاف

تجعلني أقول بكل ثقة إن عاطف هو عاشق حقيقي للأرض الطيبة التي ينحت من طينها كتابته الجميلة.

 

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - أطفال النول

تلتفت الطفلة ضاحكةً لدعابة زميلها، الطفل الذي من سنها، تقهقه، من أعماق قلبها تقهقه، بينما يداها على "النول"، تعرفان طريقهما...

«ذلك هو البعد».. قصيدة نثر تغازل ماضيها «الصوفى».. وتُعاتبه

استعانت بالنفرى فى عنوان ديوانها الجديد يمكن قراءة القصائد عبر منهج يدرس «طقوس التعرف» الشعرى

هند مختار: أكتب لمتعتى الشخصية

أصدرت «سيرة المرأة العجوز» بعد 15 سنة من روايتها الأولى أهتم فى كتاباتى أن تكون اللغة بسيطة وتخاطب كل الناس...

التأمل.. تجربة الصمت والهدوء الممتع

تشير الدلائل الأثرية على بعض جداريات كهوف الهند إلى حوالى 5000 سنة ق.م وتظهر الحفريات أشخاصا فى وضعيات تأملية بعيون...