د. نسمة يوسف إدريس تتحدث عن أمير القصة القصيرة

أولاد الأكابر «18» طه حسين غيَّر مسار يوسف إدريس من الطب إلى الأدب مشوار المدرسة وحكايات جدته آسيا أشعلا خياله منذ طفولته تفاصيل علاقته بنجيب محفوظ.. والسبب الحقيقى لغضب يوسف إدريس بعد «نوبل» القصة القصيرة بعمقها وتكثيفها وإثارتها كانت تناسب شخصيته بشكل أكبر.. لكنه برع فى الرواية أيضا

ألقى يوسف إدريس أحجارا كثيرة فى بحيرة الأدب المصرى والعربى.. حركتها وهزتها وصنعت بها دوائر مستــمـــرة لا تتــــــوقــف.. هــــو المبــــدع الاستثنــــائــــى صـــاحـــب اللقطة الســريعـــة المــدهشة والومضة المضيئة الكاشفة،  وهو الذى يلتقط التفاصيل العادية فيحيلها إلى أحداث مثيرة مشوقة.. وهو الذى يستكشف أغوار النفس البشرية بمبضع الطبيب الأريب وبقلم الأديب المبدع الموهوب.. عاش يوسف إدريس فى الريف وفى المدينة.. فاكتسب ميزة إضافية فى فهم الشخصية المصرية بعمومها وعلى الطبيعة.. لتكون إبداعاته فى القصة والـــروايــة والــمســرح بــانــورامــا لمجتمع ولبشر يعيشون فيه..  بانوراما أدبية كاشفة لا تنتهى صلاحيتها.. ولا يضيع مفعولها..  عن يوسف إدريس أمير القصة القصيرة وعبقرى الرواية والمؤلف المسرحى المبدع شرفت بهذا الحوار الاستثنائى مـــــع ابنتـــــه د. نسمـــة يـــوســـف إدريــس الأستــــاذة بقسم المسرح بالجامعة الأمريكية.

فى البداية سألت د. نسمة عن تلك النشأة والبدايات الأولى فى حياة والدها الكبير لتجيب: فى أحد أيام شهر مايو عام ١٩٢٧ ولد يوسف إدريس وعاش طفولته وتربى وتعلم فى قرية البيروم بمحافظة الشرقية.. وكانت نشأته الأولى وتفاصيلها عاملا أساسيا فى أن يتوهج خيال إدريس ويشتعل مبكرا جدا لتنمو فى تلك المرحلة المبكرة من حياته البذرة الأولى لإبداعه الاستثنائى المختلف، حيث كان يقطع الطريق  يوميا إلى مدرسته ويسير على قدميه خمسة كيلومترات ذهابا ومثلها إيابا، واستعان على هذه الرحلة اليومية المرهقة بكثير من التفكير والتأمل والخيال ما خلق لديه قدرة عجيبة على التخيل وإعمال الخيال فى عمره الصغير آنذاك، ثم انتقل إدريس إلى بيت جدته (آسيا) ليكون قريبا من مدرسته فأشعلت هى الأخرى خياله بحكاياتها اليومية له.. حكايات وقصص شعبية وتراثية  غرست فى قلبه حبا مبكرا للقص والحكى  ونزوعا إليه، وأعتقد أن تلك الفترة الصعبة فى سنوات أبى الأولى بالمدرسة شكلت البذرة الأولى ليوسف إدريس عبقرى القصة القصيرة والروائى الكبير والمبدع الاستثنائى المتفرد.

وتواصل نسمة يوسف إدريس: كان أبى طالبا متفوقا ومن أنبغ الطلاب ومن أوائل دفعته، أحب دراسة العلوم و برع فيها وأهله مجموعه العالى للالتحاق بكلية الطب، فالتحق بطب القصر العينى، و بعد تخرجه فكر لفترة فى أن يتخصص فى الجراحة العامة، ثم اتجه إلى الطب النفسى وافتتح عيادة للطب النفسى بجوار جامعة القاهرة.. غير أنه وفى تلك المرحلة المبكرة من حياته وجد نفسه مشدودا أكثر وراغبا بدرجة أكبر فى الكتابة وفى أن يكون أديبا قاصا وروائيا لا طبيبا لكنه ظل مترددا لبعض الوقت قبل أن يحسم قراره ويترك الطب بشكل نهائى ويتفرغ للأدب والكتابة بشكل نهائى أيضا.. لسبب أراه منطقيا جدا،  ولم يكن من الممكن أن يتجاوزه أبى وهو تلك النصيحة المخلصة ذات الوقع العظيم عليه التى أسداها إليه الدكتور طه حسين..

وأسأل د. نسمة عن تفاصيل تلك النصيحة وعلاقة يوسف إدريس بطه حسين فتقول: حين أصدر أبى مجموعته القصصية الأولى "أرخص ليالى" أحدثت صدى كبيرا دويا هائلا، وكان طه حسين من أشد المحتفين بهذه المجموعة المتحمسين لهذا الأديب الذى ولد كبيرا، ثم زاد إعجاب عميد الأدب العربى بموهبة يوسف إدريس،  وقرر أن يكون تشجيعه له عمليا فرحب بأن يكتب مقدمة مجموعته الثانية "جمهورية فرحات" التى قال فيها: هذا كتاب ممتع أقدمه للقراء سعيدا بتقديمه أعظم السعادة وأقواها لأن كاتبه من هؤلاء الشباب الذين تعقد بهم الآمال وتناط بهم الأمانى ليضيفوا إلى رقى مصر رقيا وازدهار الحياة العقلية فيها ازدهارا.

وفى موضع آخر يقول طه حسين عن يوسف إدريس فى تلك المقدمة التى كانت بمثابة وسام وشهادة عظيمة حصل عليها إدريس مبكرا: أجد فيه من المتعة والقوة ودقة الحس ورقة الذوق وصدق الملاحظة وبراعة الأداء مثلما وجدت فى كتابه الأول.

وفى موضع ثالث يمنح طه حسين يوسف إدريس صك التفرد والإبداع بقوله: كأن الكاتب قد خلق ليكون قاصا أو كأنه قد جرب القصص حتى استقصى خصائصه ونفذ إلى أسراره وعرف كيف يحاوله فيبرع فيه.

وتضيف د. نسمة يوسف إدريس: كانت المقدمة التى كتبها طه حسين لمجموعة إدريس القصصية جمهورية فرحات واحتفاؤه الكبير بموهبته القول الفصل بالنسبة لأبى فى أن يدرك أنه مبدع كبير من البداية ليقرر بشكل واضح أن يترك الطب ويتجه كلية إلى الأدب خاصة حين قال له طه حسين صراحة: عندنا آلاف الأطباء وسيولد فى المستقبل آلاف الأطباء لكن لن يولد غير يوسف إدريس واحد، فلا بد أن تركز كل مجهوداتك وموهبتك فى الأدب، وطبيعى أن يحدث هذا الاحتفاء غير المسبوق من قامة أدبية وفكرية فى حجم عميد الأدب العربى تغييرا كليا وجذريا فى مسيرة يوسف إدريس الأدبية.. وطبيعى أن ولدت بين الرجلين صداقة وطيدة استمرت حتى رحيل طه حسين.

د. نسمة يوسف إدريس تتحدث عن أمير القصة القصيرة

 بين القصة والرواية

وأنتقل مع نسمة يوسف إدريس لأسألها عن جدلية العلاقة بين القصة القصيرة والرواية فى إبداع يوسف إدريس، و أن إبداعه كان ينحاز للقصة بشكل أكبر لتجيب: حين يكون المبدع موهوبا بحق فإنه يستطيع ويهوى أيضا أن يكتب فى أكثر من لون وجنس أدبى وفى أى شكل من أشكال الفنون، وتكون له طريقة فى الكتابة فى كل فن، ولذلك كتب يوسف إدريس القصة القصيرة والرواية والمسرح بذات الجودة والتمكن، وحتى المقالات التى كان يكتبها فى الأهرام كل يوم اثنين بعنوان "من مفكرة يوسف إدريس" كان لها سحرها ومذاقها المختلف وجمهورها الذى يقبل على قراءتها، فالموهبة الحقيقية لا تتجزأ، لذلك كان طبيعيا أن يكتب مبدع بحجم موهبة إدريس كل ألوان الأدب.. لكنه فى رأيى وجد نفسه أكثر فى القصة القصيرة، ولأن لكل مبدع بصمته الخاصة جدا، فقد كانت بصمة أبى الخاصة فى القصة القصيرة فأحبها واستمر فى كتابتها، ربما لأنها كانت تليق بشخصيته وهى الفن الأدق والأقرب بالنسبة له، وفيها التكثيف والعمق والإثارة والمفاجأة، وكلها مفردات لمعان أقرب لشخصيته وبعيدة عن مط ولوع الرواية، غير أن حضوره وإسهامه فى الرواية والمسرح يظل مشهودا له بالتميز والفرادة والعظمة أيضا، فكما ذكرت فإن الموهبة لا تتجزأ، فإذا كانت له مجموعات قصصية عظيمة واستثنائية مثل أرخص ليالى، وجمهورية فرحات، وقاع المدينة، وبيت من لحم، فإن له روايات عظيمة واستثنائية أيضا مثل الحرام والعيب والعسكرى الأسود  وغيرها.

وبالإجمال أستطيع أن أقول إن يوسف إدريس فى كل أعماله كان متفردا وعبقريا، وأنه فى كل أعماله سواء ما كان منها قصصا قصيرة أو ما كان روايات تعامل مع النفس البشرية بمنطق الجراح والطبيب النفسى فى آن واحد، فهو كما كان يقول دائما كالجراح الذى يمسك مشرطا ليداوى ويشرح النفس البشرية وكأنها مريض، وهو طبيب يقوم بعلاجه ومداواته وشرح علته بالكتابة، وأعتقد أن أى نشاط يقوم به الكاتب أو المفكر فى حياته وكذلك عقله الباطن يؤثر جدا فى أسلوبه وطريقة تناوله، وفى هذا السياق كان أبى يبدو وكأنه جراح للنفوس والأحاسيس الخاصة بأبطاله.. وتميز تناوله بقدر كبير من الدقة فى شرحه لأبطال أعماله وما ميزه أن هذه الدقة طالت جميع الأبطال سواء كان البطل عجوزا أو شابا.. امرأة أو طفلاً.. وانظر مثلا إلى الدقة التى تناول بها شخصية الطفلة بطلة قصة نظرة..إنها نفس الدقة التى يتناول بها شخصية رجل كبير او امرأة وهكذا.

 إدريس.. والمرأة

ويقودنا الكلام إلى الحديث عن المرأة فى إبداع يوسف إدريس لتقول نسمة يوسف إدريس: المرأة فى حياة يوسف إدريس بشكل عام، وفى إبداعه بشكل خاص جزء لا يتجزأ من وعيه.. وفلسفته فى الحياة قائمة على أن المرأة مع الرجل جنبا إلى جنب وجهان لعملة واحدة، وأن أى مشكلة فى أى من وجهى العملة ستخلف خللا بكل تأكيد فى المجتمع كله.. هذه الفلسفة انعكست بشكل واضح على حياته وشخصه وأعماله الأدبية، وهو فى حياته الاجتماعية مثلا كان صاحب فكر غير تقليدى، وهو رجل عاطفى وحبيب..وعلاقته بأمى زوجته السيدة رجاء عبد الرحمن الرفاعى رحمها الله، والتى أسمت نفسها بعد الزواج رجاء إدريس هى علاقة حب غير عادية، وكان يردد كثيرا أنه ممتن لظهورها فى حياته، وأنه لولا وجودها ما استطاع أن يكمل طريقه فى الأدب لأنها منحته الأمان والطمأنينة وأعطته ما يمكن أن نصفه بأنها (ثبتته على أرض الواقع) لينطلق ويبدع، وأذكر أن أبى فى كل جلساته الخاصة والعامة كان يقول (كل حاجة فى حياتى  أخدتها بالدراع ماعدا قصة حبى لرجاء وزواجى منها، فقد كنت محظوظا أن الله وضعها فى طريقى)، والحقيقة أنا كابنتهما وأقرب الناس إليهما (مش فاكرة أن فيه لحظة كانا بعيدين عن بعضهما أو أن كل واحد لوحده.. لكن كانا مع بعض دائما.. فى البيت قاعدين مع بعض.. يتفرجوا على التليفزيون ويتكلموا.. فى السفر مع بعض.. فى المناسبات المختلفة مع بعض، وحتى فى الكتابة كان يكتب ويبدع وأمى بجواره، وكانت أول قارئ وأول ناقد له، وفرت له الاستقرار والحب لكى يبدع فقط.. ووفرت له مساحة إنسانية ومحبة كبيرة ساعدته على الإبداع، وكانت بالنسبة له السند والحماية)، والحقيقة أن المبدع الحقيقى يحتاج إلى  الحماية سواء من العالم الخارجى أو من نفسه.. لأن المبدع الكبير يكون كل شىء لديه متدفقا.. سواء مشاعره أو أفكاره أو حتى نوبات اكتئابه، لذلك يحتاج دائما إلى من يطبطب عليه ويسنده ويحميه، وهكذا كانت رجاء الرفاعى فى حياة يوسف إدريس، وأنا كابنتهما لا أتصور يوسف إدريس بدون رجاء الرفاعى أو رجاء إدريس، فى الحقيقة كانت قصة الحب بين والدى ووالدتى جميلة وموحية وملهمة).

وتضيف نسمة يوسف إدريس: فى كل وقت كانت نظرة أبى للمرأة بشكل عام نظرة محبة وتقدير كبيرين، وكانت للنساء المقربات منه دور هائل فى حياته.. والدته وجدته وزوجته ثم حينما أنجبنى تعمقت هذه النظرة، وهو كان يرى أن المرأة فى مجتمعنا مظلومة فى مجتمع شرقى ذكورى.. ولذلك كان أحد المحاور الرئيسية فى إبداعه هو أن تكون المرأة بطلا ورقما صعبا فى إبداعه، وانظر مثلا إلى بطلة النداهة.. إنها فلاحة لها طموحها وتطلعها الذى لا تستطيع تحقيقه، وهذه نقطة مهمة..المرأة لها طموحها لكن هناك أشياء معينة تنقصها ومش عارفة تحققها لأنها تتعارض مع التقاليد الموروثة مثلا.. هذه الفلسفة لدى إدريس تختلف مثلا عن فلسفة ورؤية عالم نجيب محفوظ الذى كان يركز على الفتوات والحرافيش ويسود فيه الرجل.

 عن نجيب محفوظ

على ذكر نجيب محفوظ سألت نسمة يوسف إدريس عن حكاية غضب والدها الشديد بعد فوز محفوظ بنوبل.. وعن علاقتهما بشكل عام لتجيب: أؤكد أن علاقة يوسف إدريس بنجيب محفوظ كانت علاقة طيبة جدا جدا جدا.. وكانا يتزاوران و يتقابلان بشكل شخصى فى بعض الأحيان، لكن مزاجهما كان مختلفا فإدريس صاحب مزاج غربى.. يسهر ويذهب مع زوجته إلى الحفلات ويرقص.. أما محفوظ فهو صاحب طباع شرقية.. يحب أن يجلس على المقاهى الشعبية ويجد فى ذلك متعة خاصة، لذلك رغم أن علاقتهما كانت طيبة جدا.. وكان كل منهما يحتفظ للآخر بمحبة وتقدير كبيرين - وهذا هو طبع تلك الأجيال العظيمة - لكنهما لم يكونا صديقين، وهنا أذكر أيضا أنه حين مرض الأستاذ نجيب محفوظ مرضه الأخير زارته والدتى فى المستشفى.. هذا أمر، أما الأمر الآخر الخاص بمسألة غضب يوسف إدريس يوم إعلان فوز محفوظ بنوبل فهو حقيقى لكنه لم يغضب اعتراضا على شخص أو موهبة محفوظ، لكن غضبه واعتراضه كان لأن لجنة جائزة نوبل أرسلت صحفيين ومندوبين عنها زاروا والدى فى بيته وأجروا معه حوارات باعتباره من سيحصل على نوبل فى ذلك العام، ولم يتطرقوا نهائيا إلى سيرة نجيب محفوظ.. وبشكل واضح لجنة جائزة نوبل خدعت يوسف إدريس خدعة كبيرة.. لذلك عندما أعلنت الجائزة حدثت لأبى صدمة عنيفة وكان الأمر بالنسبة له مفاجأة مفزعة جدا ولم يكن يتصور أن لجنة الجائزة (يخدعوه و يضحكوا عليه بالطريقة دى)، لكن نجيب محفوظ لا ذنب له فى الموضوع.. هذه هى الخلاصة فى هذه القضية التى تثار دائما.

 على يسار السلطة

ينتقل الحوار إلى مواقف يوسف إدريس السياسية، وأسأل د. نسمة عن هذه العلاقة المتوترة دائما بين والدها واى سلطة.. وان الرجل كان فى الأغلب الاعم على يسار السلطة لتجيب: كان أبى يرى أن جزءا كبيرا من مسئولية المفكر هو أن يكون مهموما ومشغولا بمشاكل وهموم  أهله وناسه وكثيرا ما قال امامى: (ما اقدرش اشوف بيتى بيتحرق واقعد ساكت.. لكن لازم اكتب) وتجلى هذا الأمر فى مقاله الاسبوعى بالاهرام (من مفكرة يوسف ادريس).. هذه المشاكل والأزمات الكثيرة التى يعانيها مجتمعنا والتى لا تنتهى عملت لــوالـدى اكتئاب وأخذت جـدا من مجهوده الذهنى والنفسى والعصبى.. وكان بطبيعة شخصيته التى اتسمت بالصدق  يكتب ما يمليه عليه ضميره دون أن ينظر لما يمكن أن يجلبه عليه ما كتبه من مشاكل او أزمات وبغض النظر إذا كان سيغضب  من أو سيرضى من.فالكاتب فى رأيه لابد أن يعبر عن نبض الشارع ونبض الناس.. والحالة السياسية هى جزء من هذا النبض. ومن المؤكد أن هذه الطبيعة الشخصية التى تتسم بالصدق والوضوح أثرت فى  مواقف يوسف ادريس السياسية والاجتماعية خاصة ما يتعلق بقضية الحرية.. لذلك  لم يكن ابى من المرضى عنهم فى عصر عبد الناصر  كما تعرض  للاعتقال فى اعتقالات سبتمبر  اواخر عهد السادات.. وقال حسنى مبارك كلاما ضده بشكل مباشر حينما قبل ابى جائزة صدام حسين فى وقت انقطاع العلاقات بين مصر والعراق ورد ابى على مبارك بأنه قبل جائزة أدبية لا علاقة لها بالسياسة.. ولم يندم يوسف ادريس على كل تلك الأزمات التى حدثت له بسبب مواقفه السياسية فقد كان صاحب موقف ينحاز للناس ويرى أن أهم شىء فى حياة البشر هو حريتهم وفى الحقيقة هذه الاعتقالات والمشاكل لم تكن تفرق مع والدى اطلاقا فقد كان يؤمن بموقفه وبفكره وبأن مصلحة الوطن هى الأهم.. لكن اللافت هنا أن جميع الرؤساء الذين اتخذ يوسف ادريس مواقف ضد سياساتهم  كانوا يكنون كل احترام وتقدير له  لأنهم كانوا مقتنعين تماما أنه يعارض من أجل المصلحة الوطنية.

 وأنا هنا أشعر باعتزاز وبفخر لمواقف ابى الوطنية وتمسكه بقناعاته فأنا مؤمنة مثله تماما بأنه لو لم يكن للكاتب والمفكر والمبدع راى وموقف فلا طعم ولا لون ولا معنى لما يكتبه.

  سينما ومسرح

انتجت السينما أعمالا مهمة مأخوذة من ابداعات يوسف ادريس  كما كتب  عددا من المسرحيات ذات الحضور اللافت فى تاريخ المسرح المصرى.. ماذا عن علاقة والدك الكبير بالسينما والمسرح؟

تقول د نسمة: رغم أن السينما أنتجت أفلاما مهمة عن أعمال ابى مثل  فيلم لا وقت للحب المأخوذ عن قصته قصةحب.. والحرام والنداهة وعلى ورق سوليفان. الا انه - فــى رأيى – ظلم سينمائيا.. وهناك مخرجون سينمائيون كانوا دائما ما يقولون إن أعمال ادريس تحتاج إلى مجهود وحساسية وجرأة وأنها تحتاج إلى سيناريوهات مخصوصة ولو توفرت لها هذه الشروط فستكون أعمالا تغير وجه السينما المصرية والعــربية.. ولــذلك أقـــول إن أسالــيب الاخراج التى وجدت فى عصره حين كانت السينما تنتج عددا جيدا من الأفلام لم تتوفر على ما تستلزمه طبيعة ابداعات يوسف ادريس العظيمة من أساليب وفنون تجسد هذه الإبداعات بما يناسبها على شاشة السينما.. ولان إبداعه مستمر الصلاحية والجودة وله قصص كأنها كتبت هذه الأيام وتناقش حالنا واحوالنا الآنية فأتمنى أن تعيد السينما اكتشاف يوسف ادريس وان يظهر مخرجون من أجيالنا الجديدة يتناولون أعمال ابى بشكل حديث ومختلف..ولكن اتمنى اولا أن تتوفر لهم أعماله ورقيا وان تكون كل هذه الأعمال مطبوعة ومتاحة لهم.. أما بالنسبة للمسرح  فقد كتب سلسلة مقالات بعنوان نحو مسرح مصرى، تعتبر حصيلة آرائه فى المسرح إلى جانب أنها تعبر عن مواقفه السياسية والوطنية شديدة  المصرية شديدة الإنصاف والاعتزاز بالشخصية المصرية، وكيف أن هذه الشخصية لها طبيعتها وبصمتها الخاصة.. و المسرح بالنسبة ليوسف ادريس كان منصة مهمة يجسد من خلالها آراءه السياسية والاجتماعية لتتبدى من خلال تجسيدها مسرحيا بشكل حقيقى ومن لحم ودم، وربما بشكل أوضح كثيرا مما تتبدى من خلال القصة والرواية..ومسرحياته الخالدة من عينة الفرافير والمخططين والجنس الثالث وملك القطن والبهلوان هى علامة فى تاريخ المسرح المصرى بل والعالمى بل إن مسرحية مثل الفرافير على سبيل المثال لا تقل جودة عن المسرحيات العالمية مثل فى انتظار  جودو لصمويل بيكيت، وانظر إلى فكرة مسرحية الفرافير وما فيها من قضية العبد والسيد.. أو الفرفور.. السيد  وتداخلها فى المجتمع لتدرك  إلى أى مدى كان يوسف ادريس سابقا لعصره.

  تنويعات

هناك من أطلق على يوسف إدريس لقب تشيكوف العرب.. فهل تأثر إدريس فعلا بتشيكوف وماذا عن علاقته بالأدب الاوربى؟

تقول د. نسمة: قد يندهش الكثيرون حين أقول إن أغلب قراءات والدى كانت فى الفيزياء والفلك والعلوم الأخرى.. وأنه كان يقرأ كثيرا فى الفلسفة الألمانية وفى الأدب الألمانى، وكان مولعا على وجه خاص بقراءة اثنين من فلاسفة الألمان وهما إيمانويل كانط وهيرمين هيسة، غير أنه كان يقرأ أيضا فى الأدب الروسى لكنه لم يتأثر بتشيكوف أو بغيره من الأدباء الروس أو غيرهم.. فإبداعه نابع منه ومن ذاته لأنه مبدع حقيقى أصيل،  وهو مثل العملة الأصلية النادرة لا يطالها أبدا تراب الزيف أو التقليد.

 ورثت عن أبيك  موهبة الأدب..  حدثينا عن هذه الوراثة الجميلة؟

تقول د. نسمة: كنت أقرب أبنائه إليه بحكم أننى أصغر أبنائه والبنت الوحيدة.. وحين بدأت أكبر قليلا كان هو قد بدأ يتخفف من بعض مسئولياته ويجلس معى كثيرا.. وقد ورثت كثيرا من سمات شخصيته، وكتبت القصة القصيرة والرواية، وأنا الآن أنتظر صدور روايتى (هواية) التى عكفت على كتابتها لسنوات، وطبعا أتمنى أن أكون وريثة حقيقية له فى الكتابة والإبداع أو حتى أن أكون ورثت جزءا من موهبته، وأعول كثيرا على روايتى الجديدة فى أن تبرهن على أننى ورثت جينات الإبداع فعلا عن والدى العظيم.. يوسف ادريس.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

السابعة والخمسين
سامح الجباس: أعدت خطب طه حسين للحياة بعد 70 سنة
ابراهيم
إبراهيم عبد العزيز يقرأ علي مسامع نجيب محفوظ ملخصا للصحف
طه حسين
محمد محمد مستجاب يتحدث عن والده المبدع الاستثنائى الكبير
سيف
الناقد أيمن بكر يقرأ ملامح التجربـة المعرفية فى «هوامش العميد»

المزيد من ثقافة

لعشاق الطبيعة والهدوء: أماكن في كندا ستجعلك تشعر أنك في كوكب آخر

السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...

أفضل برنامج محاسبي سعودي للشركات المتوسطة معتمد من الزكاة والدخل

مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....

قصة مصورة - اللهم إنى نائم

لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...

دعاء إبراهيم: أكتب لأفهم نفسى والآخرين

اختلاف الثقافة يعمّق الإحساس بالاغتراب.. والألم لا جنسية له


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م