في بيت يحيي حقي .. كانت لنا حكايات

أنت مكافح ولك مستقبل .. لا أنسى ما حييت هذه الجملة " الوسام " الذي قلده لي يحيي حقي حينما طلب مني أن يكون لقاءنا للتعرف علي شخصيتي ، والذي كان هو نفسه الذي يحاورني بدلا من أن أحاوره ، وخلال ثلاث ساعات حدثته عن مولدي وأصلي وفصلي وأمي وأبي وعمله ، وتعليمي وأساتذتي وحكايتي مع الصحافة ، واشتغالي بمهن أخري كعامل أسانسير للإنفاق علي الصحافة التي لم أكن أحصل منها إلا على القليل . كان الرجل يستمع لي باهتمام شديد ويطلب مني أن أستكمل كلما عاد بعد قيامه للرد على تليفون أو لفتح الباب لطارق ، ولما أحسست أني أطلت قلت له : هل أمامي وقت ؟ ، فقال لي : اطمئن .. الوقت أمامك .. أكمل .. إنني مستمتع !

 

لقد أشعرني أن حياتي لها قيمة رغم أنني كنت لا زلت بعد في البدايات ، ولكنه كان مشجعا إلي درجة أن صوتي غاب عنه أسبوعا لنوبة برد أصابتني وأقعدتني في البلد ، فلما اتصل بي في القاهرة لم يجدني ، فاتصل بمجلة " الإذاعة والتليفزيون " التي أعمل بها ، ولما عدت لمست قلقه علي كابن غاب عنه ، ولما عرف أن نشاطي محصور ما بين المجلة والبيت ، فلا أحضر ندوات ولا أجلس على قهوات ، انتهز فرصة زيارة زميل لي كان مشتاقا لمقابلته ، وأراد أن يحظى بإهدائه كتابا ، فطلب مني إحضاره من مكتبه ، وفي هذه الأثناء طلب من زميلي أن يكثر من الخروج معي خارج دائرة البيت والعمل الصحفي ، وذلك خشية علي من الاكتئاب ، كما صرح لي زميلي بعد انصرافنا . إلي هذه الدرجة كانت رعاية يحيي حقي لصحفي شاب مثلي ، وهو ما فعله مع أجيال من الشباب كان يستقبلهم في بيته ، ويستمع إلى إبداعاتهم ، ويكتب مقدمات لكتبهم ، لهذا إذا أردت أن تقدم مثلا حيا للبساطة والتواضع والأبوة الحانية ، فتذكر يحيي حقي الذي كانت حياته مزيجا من  " الذوق والصبر " هكذا  كان شعار هذا الأديب الذي ما إن تتعرف عليه حتي يشعرك أن " البساط أحمدي "، أقول هذا رغم أن الرجل أعرض عني سنة كاملة حتي ألتقيه ، ومع ذلك صبرت ، فهو قامة تستحق وإن وقع هو بعض قصصه الأولي باسم " قصير" مشيرا إلى نفسه .

لم ينقطع اتصالي به تليفونيا قبل أن يأذن لي بزيارته ، كان ودودا ، ومع ذلك شعرت أنه يختبرني ، يسألني عن قراءاتي واهتماماتي ، ومدي اطلاعي علي كتبه ، وبعد أن اطمأن سمح لي بلقائه علي شرط أن أركب الأوتوبيس ولا أركب تاكسي ! كان شرطا عجيبا ، وإن كان متحققا قبل أن يشترط ، فقد كنت في ثمانينات القرن الماضي صحفيا تحت التمرين يحاول أن يجد فرصة في شارع الصحافة ، ولم تتوفر لي موارد الترف لركوب التاكسي . لا يوجد غير الأوتوبيس . وأثناء حواري معه كشف لي عن السر ، فأثناء عمله الدبلوماسي بسفارتنا في روما اشتري سيارة ، ولكنه ضعيف في الجغرافيا ، واكتشف أن الأوتوبيس يمر في موعد انصرافه ، وبالصدفة أيضا يمر علي بيته ، فكان يسير بسيارته خلف الأوتوبيس كل يوم ! حتي جاء يوم تغير فيه مسار الأوتوبيس حتي وجد يحيي حقي نفسه ماضيا خلفه إلي الجراج !.

ولكن ذكري اللقاء الأول لا تنسي في بيته بشارع الغزالي بمصر الجديدة ..

قرأته جيدا وأعددت له قائمة أسئلة مطولة وكأنه اللقاء الأول والأخير . طلب مني أن أقرأها عليه ، ولم يدعني أكمل ، وقال لي بلهجة ودودة يصعب عليك : هل جئت لتمتحنني يا إبراهيم ؟! ، وأعطاني الدرس الأول وهو أن أذاكر أسئلتي ولا أكتبها في ورق ، وكفاية سؤالين ثلاثة مهمين تغني عن أسئلة كثيرة مكررة .

وفي لقاء آخر كان الدرس الثاني : لا تستغل فضفضة محدثك معك وتكتب كل ما يقوله ، اعمل كنترول علي كلامه ، ولا تأخذ منه ما يثير ويحدث ضجيجا ، حتي تكتسب ثقته .

أما الدرس الثالث : لا تجعل الصحافة كل همك حتي لو حققت نجاحات فيها ، ولكن تخصص في شئ يمكن أن تكون أنت مرجعا فيه .

ولم يكن يسميها دروسا أو نصائح ، ولكن يسميها وصايا ، واعترف أنني عملت بوصاياه ، خاصة التخصص ، فاهتممت برسائل الأدباء التي تكشف عن الوجه الآخر الإنساني من حياتهم ، وقد شجعني هو علي ذلك وأعطاني عناوين اثنين من أصدقائه الذين كان يراسلهم ، وهما الشاعر عبد الله السيد شرف – في قرية صناديد بمحافظة الغربية – والذي كان يسير علي كرسي متحرك ، والصديق الآخر محمد عصمت المهندس الزراعي ( ولكن اهتماماته أدبية وفنية وهو ما ربطه بحقي ) الذي كان يعيش بمنطقة جليم بالإسكندرية ، وقد أعطاني كرتونة – وضعها تحت سريره – تحتوي علي خطابات يحيي حقي إليه ، وقد حدثني عن تحدي يحيي حقي - من أجل زواجه بمن يحب - لوزارة الخارجية التي كان يعمل بها دبلوماسيا ، فقد أحب فرنسية ، واستأذن السفارة في هذا الزواج ، ولكنها رفضت ، وانتصر يحيي حقي لحبه مضحيا بالوظيفة المرموقة . وحدثني محمد عصمت عن إخوة يحيي حقي الذي يبدو أنه كان يعرفهم جيدا ، وهم إبراهيم أكبرهم ، وإسماعيل الأوسط ، وموسي الأصغر ، وقد ماتوا جميعا ، ولم تبق له إلا أخته فاطمة ( كنا وقت هذا الحديث في عام 1989 ) . وحدثني عصمت أيضا عن ندمه لأنه كان السبب في ضياع شرائط نادرة بصوت سيد درويش ، أو كما قال لي : أسطوانات سيد درويش كانت كلها عندي ، وطلبها مني ابنه محمد  عندما علم بأمرها ، وقال لي إنه ليس عنده نقود يعطيها لي مقابلها ، ولكنني فضلت إعطاءها للحكومة ، فهي أقدر علي حفظها والاهتمام بها ، كما قدرت ، فأعطيتها ليحيي حقي عندما كان رئيسا لمصلحة الفنون ، فأرسل لي مقابلها مبلغ 38 جنيها ، فقلت له : أنا متبرع بها ، فقال لي : الحكومة لا تأخذ شيئا إلا بالفلوس – ولكن شرائط سيد درويش ضاعت فلم يعرف مصيرها ، ويا ليتني أعطيتها لابنه محمد الذي كان سيحافظ عليها .

وحدثني عصمت عن فترة عمله مهندسا زراعيا وكيف أنه كان مطلوبا منه عمل حصر للحدائق ، وتصادف أن حديقة عزبة أم توفيق الحكيم داخلة في الحصر ، وقابلها وطلبت منه زراعة المانجو بحديقتها فأعطاها مجموعة من الشتلات مجانا . كما حدثني عن عبد الوهاب وكانت له به علاقة ، وكيف أنه مر بأزمتين – وتلك تفاصيل ليس هذا مكانها - نجم عن إحداها أغنيته :

لا موش أنا اللي أبكي .. لا موش أمنا اللي أشكي .

وقد أكرمني يحيي حقي بإملاء خطاب – امتدحني فيه- حملته إلي صديقه القديم قائلا له :

أخي عصمت

إنني سعيد لوصلك بأعز صديق لي الأستاذ إبراهيم عبد العزيز الذي أحبه كل الحب ، ووصفك لي كما أتصورك ، لأنني أعيش معك دائما ، ولا آسف علي شئ قدر أسفي علي أنني غير متمكن من لقاءك ، فقد أصبحت ممن يقال عنهم : مقتدر بغيره . أعيش مرحلة الاضمحلال ، والظاهر أنها كسولة بطيئة .. ربنا ينهي القصة كلها برحمته وغفرانه .

                                     يحيي حقي

                                  4 / 7 / 1989

أما عبد الله السيد شرف فقد نشرت بعض رسائل يحيي حقي إليه ، وكانت أزمة ..

في أحد رسائله كشف عن ضيقه من ضياع بعض الكتب المهمة التي استعارها منه الأديب محمد جبريل بسبب التنقل ، وغضب جبريل وأرسل توضيحا ، واتهمني بمحاولة الوقيعة بينه وبين حقي ، مع أنني لم أكن أعرف جبريل من قبل . ونبهني حقي أن أتريث في النشر بعد ذلك وأحذف ما يسئ ، وطلبت منه رقم جبريل لمصالحته ، وطلب مني حقي أن آتيه بعد عودتي من عند جبريل ، ولما تأخرت عليه استقبلني مداعبا : طبعا يا سيدي من لقي أحبابه نسي أصحابه . فقلت له : بل أنت ( عطر الأحباب  ) – وهو اسم أحد كتبه .

وتطورت العلاقة إلي درجة أنه طلب مني موافاته في مواعيد معينة كلما تجمعت له بعض رسائل القراء ، فيطلب مني قراءتها عليه ، ثم يمليني رده عليهم ثم يقوم بتوقيعه ، وكان بعضهم يطلب كتبا له ، أعطاني ثمنها لشرائها وإهداءها لهم باسمه ، ولما بقي بعض المال بعد رحيله ، اقتضت الأمانة إعادته إلى وحيدته نهي ، فطلبت مني إخراجها صدقة على والدها .

ولما كانت نهي حبي مع زوجها خارج مصر في البحرين ، ومن ثم كان يحيي حقي يعيش وحيدا ، وفوجئت به يطلب مني أعجب شئ لا يمكن تصوره ، ولكنها ثقته التى أعتز بها ..

كان يسألني عن أحوالي ، وقلت له إنني سأتزوج قريبا ، وبعد فترة يبدو أنه ظن أنني تزوجت بالفعل – ولم يكن ذلك قد حدث بعد - وطلب مني أن أقيم وزوجتي معه حتي عودة ابنته ، وكانت فرصة لا تعوض لأن أكون قريبا جدا من الرجل الذي ائتمنتي علي نفسه ، فقد كان يعتبرني ابنا له ، صرح هو بهذا حينما استضافني ذات مرة علي الغذاء في نادي هليوبوليس – مكافأة لي علي ما سوف يأتي في حينه -  وكان يضع ذراعي في ذراعه ، وكلما قابل أحدا يعرفه كان يعرفه بي : ابني إبراهيم – ما أجمل أن تكون ابنا ليحيي حقي .

أما سبب هذه المكافأة فلأنني كتبت له كلمته التي أملاها علي لإرسالها لمؤتمر أدباء الأقاليم الذي اختاره في ذلك العام لتكريمه ، ولكن ظروفه الصحية حالت بينه وبين الحضور .

يحيى

 سألني تليفونيا إن كان بإمكاني الحضور إليه مبكرا ، وألا أكون مرتبطا بأي نشاطات في ذلك اليوم  ، وكنت عنده في السابعة والربع صباح الثالث عشر من مايو 1991 لأجدني وزوجه ينتظراني علي مائدة الإفطار ، معتذرا عن تواضع الإفطار وبساطته والذى يتكون من سميط وشاي ، يسبقه يحيي حقي ببعض الأدوية الفاتحة للشهية أو المعالجة للمعدة أو المساعدة علي الهضم . ثم أجلسني الأديب الكبير علي مكتبه قائلا لي إنه نفس المكتب الذي طالما جلس عليه ليكتب إبداعاته ، ثم جاءني بكشكول مسطر مما يستعمله التلاميذ وراح يمليني كلمته ..

كان ذهنه حاضرا ، وأولي وقفاته للتفكر حينما قال :

لا إبداع إلا ..

ثم راح يفكر طويلا في استكمال الجملة ، وأمسك سيجارة بين أصابعه دون أن يشعلها ، وبعد قليل أشعلها ، ورفع إحدى قدميه ليضعها على كرسي أمامه ، ثم ينزلها ويضع يده على رأسه ، وأسمعه يحدث نفسه بصوت مسموع : طيب . طيب – ثم ينزل يده من على رأسه ليمد قدمه الأخرى على الكرسي ، ويردد آخر ما أملاه : لا إبداع إلا ..

ثم يتناول رشفة من النسكافيه الذى أمامه ، ثم يقول ممليا : دهشة جدنا – ثم يطلب مني شطبها ، ليضع يده على الترابيزة ، ويمسك بالسيجارة ويشد منها نفسا لا يأتي بشئ لأنها كانت قد انطفأت ، ثم يمليني ( إلا إذا تلقى ) ثم يحاول استبدالها ( إلا إذا تقبل ) ، ثم يتراجع ( لا ) ويمليني وقد رتب أفكاره : لا إبداع إلا إذا تلقى الفنان كل ما في الوجود حوله بدهشة جدنا الأول ..

ثم عندما تعجبه عبارة نجح في تركيبها واستراح إلى صياغتها ، يتوقف قليلا ليقول ( كويس ) ، ثم يضع يده اليسرى على رأسه . وإذا وصل إلى عبارة أعجبته أكثر كقوله : فأعضاء هذا النادي الذي تنتمون إليه ليسوا أبناء رحلة الطين والصلصال والخزف ، بل أبناء هذه المرحلة التى مس فيها المخلوق الطيني .. قبس من روح الله .

يعلق : كويس كده .. عظيم .

وحين يمليني : وأؤمن إيمانا جازما أن رسالة الفن هي تبصير الإنسان وتحويله من مرحلة الطين إلي مرحلة القبس الإلهي ، وقد استهزئ بهذه القيم حين اندلعت مع قيام الاشتراكية نظرية تقول : الفن إنما هو لخدمة المجتمع . وسرنا نحن في هذا الموكب -

ولكن يحيي حقي يعود ليطلب مني أن أشطب الفقرة الأخيرة بعد كلمتي ( القبس الإلهي ) ليعيد صياغتها هكذا : ها أنذا أدخل في خضم هذا الجدل العقيم الذي ثار في أعقاب قيام الحركات الاشتراكية في أوروبا وزججنا أنفسنا فيه ، فأضعنا الوقت وانبهمت الرؤية ، وأحدثنا لجيل الكتاب الشبان بلبلة حين قلنا لهم أن الفن لخدمة المجتمع ، ومن ذا الذي يزعم أن الفن بالمعنى الذي وصفته لا يعني المجتمع .

ثم توقف ليحدث نفسه : أيوه افتكرت . أيوه برافو – ثم يمليني : أليس أكبر عناية هو تبصيره بهذا القبس الإلهي ؟ ينبغي أولا أن نصل إلي هذا النضج ، ثم لنا بعد ذلك أن نتخاصم وأن نتعارض وأن نتعصب، ولكن كبني آدميين لا كوحوش مفترسة .

ثم رأيته يضغط على رأسه ويقول : يا سلام .. الفكرة راحت فين ، ثم نظر إلي وقال : استني يا إبراهيم – وضرب بيده على رأسه حزنا على فكرة أفلتت منه ، وراح يخبط بيديه على الكرسي وقال في غيظ من  راح منه عزيز عليه : ضاعت مني فكرة مهمة جدا – ثم حاول أن يتخلص من شعوره بالضيق ، ووضع يده على رأسه في استسلام وتأمل كأنه يستدعى الفكرة الهاربة ويتحايل عليها أن تأتي .

ورغم رهبتي مما أراه ، وصمتي الذي يحترم لحظات فكر وتفكير أستاذنا يحيي حقي ، إلا أنني فوجئت به يقول : استني . طول بالك – كأنه يريد ألا أتململ ، بينما أنا في الحقيقة رغم الرهبة التي شعرت بها كنت في قمة السعادة ، وأنا أرقب أديبا كبيرا في لحظات نادرة وهو يجاهد جهادا حقيقيا لكى يضع الكلمة أو الفكرة المناسبة في مكانها ، فليس الأمر لديه مجرد ثرثرة أو ملء صفحات بأي كلام كيفما يرد علي الخاطر . ثم طلب مني أن أقرأ عليه الفقرة الأخيرة التي أملاها علي ، ليواصل إملاءه ، ثم كنت أراه يتوقف قليلا ليغمض عينيه نصف إغماضة ، ثم يواصل عرض فكرته .

لقد أملاني رسالته في ساعتين ، ثم قال لي :

لقد حضرت لحظة مهمة في حياتي .

أما اعتزاله الكتابة فقد تحدث عنه في رسالة كتبها إلي زوج ابنته نهي ، جاء فيها أن الكتابة مرتبطة بالصحة وقوة الأعصاب ، وهو مالم يتوفر له ، ومن ثم آثر الاعتزال ، أو كما كتب قائلا :

" .. أما أنا فقد أصبحت ومنذ ثلاث سنوات تقريبا لا شغلة لي ولا مشغلة . وأحاول أن أحاسب نفسي وأعللها وأقول :

يحق لمن بلغ السبعين وكانت حياته نوعا من الجهاد لا ينقطع أن يخلد إلى الراحة . ولا أنسى يوما كنت راكبا سيارة بنت الشاطئ وأنا بجانبها قالت لي : يحسن بأصحاب الأقلام إذا شاخوا أن يسدلوا الستار بأنفسهم على مسرحهم صونا لهم من إنتاج أعمال مصابة بالجفاف والسعال والروماتيزم .

ثبت لي أن العمر أعصاب ، فأمامي مثلا حسين فوزي مداوم علي الإنتاج كأنه شاب . لابد أن أعترف أن أعصابي ليست كأعصابه . تصورت يومئذ أن بنت الشاطئ تعنيني بالذات " .

وإذا كان يحيي حقي قد توقف عن الإبداع بقلمه ، فهو لم يتوقف عن نشر الإبداع بشخصيته علي كل الشباب الموهوب الذين قصدوه ، فيدفعهم للتقدم للأمام ، أو كما يقول :

ومما أعتز به صداقاتي العديدة بالأدباء الشبان واحتفائي بكتاباتهم على اختلاف مذاهبها ، فالحنو على الجيل الصاعد ليس مسألة عاطفية في نظري ، فالفنان الصادق هو الذي يشعر أن المعبد أو الهيكل الذي يعيش فيه يجب أن يستمر وأن يسلمه إلى جيل آخر . هناك بالطبع لذة الأب وهو يري إنه يتقدم ، ولكن اللذة الأساسية هي المتصلة بوجود الفن واستمراره " .

يحيى

ولم يكن يحيي حقي يساعدني معنويا فقط – كما يفعل مع كل الشباب الذين طرقوا بابه – بل كان يساعدني ماديا بطريقة غير مباشرة عندما سألني ذات مرة سؤالا فاجأني عن مرتبي ، فلما أخبرته استقله ، فطمأنته أنني أكتب في بعض الصحف العربية بما يوازن تكاليف المعيشة ، ولذلك لم أطلب منه حديثا أو رأيا في تحقيق صحفي إلا استجاب ، بل إنه كان يتطوع أحيانا وأنا جالس معه باستدعاء ذكرياته ، أو بعضا من الحكمة ، أو تعليقا علي أحداث وقعت ، مما يساعدني علي أنشر علي لسانه في صحف مصر وخارجها ، بل إن هناك أحاديث طريفة دارت بيني وبينه سجلتها في أجندتي الخاصة في نفس اليوم ولم أنشرها ، مثل هذا الحوار الذي جري يوم 6 سبتمبر عام 1986 ونصه كما كتبته يومها :

سألني يحيي حقي : هل حلقت شعرك ؟

قلت له : نعم .

سألني : كم دفعت للحلاق ؟

قلت : جنيها ونصف .

تساء ل مستنكرا : لماذا يأخذ مني الحلاق ثلاثة جنيهات ؟

قلت له مداعبا : الأجر على قدر أهمية الرؤوس وما تحتويه ، وأيضا على قدر رقي المنطقة .

ثم طلب مني أن أقرأ له ما كتبه الأديب خيري شلبي فى مجلة الإذاعة والتليفزيون تعليقا علي كتابه الذي أهداه له " صفحات من تاريخ مصر " ( كان يتمنى أن يكون مؤرخا لو لم يكن أديبا ) فكان لا يعجبه تكرار الكلمة الواحدة ثلاث مرات في سطرين ، وقال : كلمة واحدة تكفى لربطها ببقية الكلام ، دون أن يخل ذلك بالمعنى المطلوب .

ومضيت أقرأ له ، فلاحظ التداخل بين المنقول عن كتابه وبين ما يعلق به الكاتب ، ولكن سره أن يشير الكاتب إلى مجهود فؤاد دوارة الذي قام بجمع مقالات يحيي حقي المتفرقة في بطون الصحف .

وكان خيري شلبي قد طلب مني الحصول من يحيي حقي علي عصا هدية من التي يقتنيها . وبالفعل لبي طلبه ، وقد وجدت يحيي حقي يصطحبني إلي ركن في بيته أشبه بحوض الشجر أو الورد ، وضع فيه مجموعة من العصي مختلفة الأشكال .

ثم طرق الباب طارق ، وكان يحيي حقي منتظرا أحد الزائرين الذي طلب مقابلته ، فقلت له : يبدو أن زائرك قد وصل ، فقال بثقة : إنه البواب – وبالفعل كان هو البواب وقد جاءه بصحيفة " الأخبار " ، فسألته : هل تعرف الطارق دون أن تراه ( من العين السحرية ) ، فقال : نعم .. تعودت على طرقات معينة تكشف عن صاحبها !

وتصفحت له محتويات الجريدة فطلب مني التوقف عند مقال فؤاد دوارة ، فقرأته عليه ، وقد أشار فيه إلى مجلة " المجلة " التي كان يرأس تحريرها حقي ( في ستينات القرن العشرين ) ولم يعجب د. سهير القلماوي رئيس هيئة الكتاب - آنذاك – انتقادات فؤاد دوارة في " المجلة " لأمور الثقافة المصرية ، مما أثار حفيظة د. ثروت عكاشة وزير الثقافة في ذلك الوقت ، والذي طلب كف " المجلة " عن النقد ، ودافع يحيي حقي بأن النقد ينير للوزارة طريقها ، ولكن الوزير صمم على موقفه بل وطلب استبعاد دوارة من الكتابة رغم توسيط حقي لتوفيق الحكيم لتهدئة الوزير الذي كان مصرا على قراره !

وطلب حقي أن أقرأ له باب ( نصف كلمة ) للكاتب الساخر أحمد رجب ، وكان مضمونها أن رئيس الوزراء قد وافق على الاحتفال بعيد الإنتاج ، ولكنه وقد عثر على العيد لم يعثر على الإنتاج ! – وابتسمنا للحقيقة المريرة ، وشر البلية ما يضحك .

ثم طلب يحيي حقي قراءة عمود مصطفي أمين " فكرة " التى جاء فيه أن الإرسال التليفزيوني ل" دبي " وصل إلي انجلترا ، بينما إرسال تليفزيون مصر لا يغطي بعض مساحات مصر ، وأنهم في انجلترا يحترمون مواعيد نشرات الأخبار ولا يقطعونها أو يؤخرونها لخطاب لتاتشر ( رئيسة الحكومة البريطانية آنذاك ) – وعلق يحيي حقي : هذا هو الفرق بين الدول المتحضرة والدول المتأخرة .

ثم قرأت جانبا من ندوة مجلة " الهلال " مع يحيي حقي ، فلم تعجبه طريقة كتابة الحوار التي لم تكن منسقة بما فيه الكفاية – حسب رأيه – ثم عندما وصلت إلى كلمات ثناء عليه ، قال لي : كفي . فلما سألته : لماذا لا تعجب بكلمات الإعجاب المستحقة لك ؟ فقال : نحن نبالغ كثيرا في التفخيم والتعظيم .. لا تجد هذا في الخارج أبدا .

ولما انتهينا من قراءة الصحيفة ، سألت يحيي حقي عن فترة عمله بالمحاماة ، فقال : لما كثر الخريجين أصبح هناك فترة تمرين قبل العمل بالمحاماة ، فعملت ستة شهور تحت التمرين  ووجدت أن القاهرة ممتلئة ، فذهبت إلي الإسكندرية ، وعملت مع محامي يهودي قال لي إن أجري سيكون ستة جنيهات في الشهر ، ولما كنت بدأت العمل معه في منتصف الشهر ، انتظرت أن أقبض نصف الأجر ، فلم يعطني شيئا ، وقال إن المكتب لم يكسب هذا الشهر ، فتركته إلي محام آخر اسمه الحلواني أعطاني ثمانية جنيهات  ، ثم تركته إلي محامي في دمنهور جعل أجري اثني عشر جنيها ، وقد كسبت قضية في الجنايات سجلتها في كتابي ( خليها على الله ) ، ولكن أسرتي وجدت رغم ذلك أنني لا أصلح للمحاماة ، فعملت معاون نيابة في منفلوط بصعيد مصر ، إلى أن اشتغلت بالعمل الدبلوماسي عن طريق المسابقة ، حيث أعلن حافظ عفيفي وزير الخارجية أنه سيفعل مثل الإنجليز : امتحان لا ينجح فيه إلا المستحق ، بدون واسطة أو توصيات . وكان امتحانا عسيرا في اللغة الإنجليزية والفرنسية والقانون الدولي .. ونجحت .

يحيى

ثم جاء الزائر المنتظر ( .... ) والذي فاجأنا بقوله إنه مرشح لأربع جوائز دولية منها جائزة نوبل ! – هذه النوعية من الزائرين دلتني علي أن يحيي حقي كان يستقبل أي زائر يطلب مقابلته حتي دون تدقيق .

وقال الزائر العجيب إنه يقول شعرا استلهمه من القرآن ، وأن د. شوقي ضيف قد شهد له .. الخ ، فلما سمع منه يحيي حقي قال له : لا شئ فيه ، فجادله : قد يفكرون أنني أحاكي القرآن ، فأكد له حقي : لا شئ فيه من ذلك – ولما انصرف الزائر قال لي يحيي حقي إنه ضاق بهذا الرجل وما يدعيه عن دواوينه التي لم تطبع ، والجوائز العالمية التي رشح لها – مضيفا : كان الله في عونه وعون أهله . هناك ناس من هذا النوع عندهم نوع من الوهم يعيشون فيه طول الحياة .

ولكن يحيي حقي كان معجبا بشعر ابن هذا الزائر الذي اصطحبه معه ، وكان طالبا بكلية الطب ، وقال له حقي إن عنده قماشة الشعر ، وكان قد سأله كيف يأتي له الشعر ، فقال : تأتيني الخاطرة أو الفكرة فأصوغها .

  • هل يأتيك الشعر بسهولة ؟

-أحيانا يصعب التعبير عن الفكرة إلا بشطر من البيت أو بيت كامل .

  * إذا لم يواتك البيت أو القافية التي تريدها هل تتركها أم تحاول ؟

  - أتركها وأحاول الإتيان ببيت جديد – فقال له يحيي حقي مداعبا : ولكن البيوت غالية هذه الأيام ! ( وضحكنا ) ، ثم أهداه الطبيب الشاعر لوحة " شعر " تحية لصاحب القنديل الذي لم ينقطع نشاطه حتي الرمق الأخير متمثلا ببيت شعر للشيرازي أملاه علي يقول :

نحن أمواج إن نسترح ننعدم

                         نحن أحياء بأنا لا نستريح .

وقد أخبرني يحيي حقي أن شاعرا شابا اسمه أحمد ممتاز سلطان أعاد صياغة بيت الشيرازي هكذا :

نحن أمواج في استراحتها المو

                        ت فإنا – الأحياء – لا نستريح .

ولما سألت يحيي حقي عن عنوان يضعه علي سيرة حياته قال :

" فعل ما أمكنه أن يفعله ولم يندم علي شئ " .

 

 

 	إبراهيم عبد العزيز

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

الإفرازات: متى تكون طبيعية ومتى تستدعي القلق؟

"هل هذا طبيعي؟" – هذا السؤال الذي تهمسه كل امرأة لنفسها مرة واحدة على الأقل في حياتها، غالبًا بعد ملاحظة...

لعشاق الطبيعة والهدوء: أماكن في كندا ستجعلك تشعر أنك في كوكب آخر

السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...

أفضل برنامج محاسبي سعودي للشركات المتوسطة معتمد من الزكاة والدخل

مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....

قصة مصورة - اللهم إنى نائم

لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...


مقالات

قلعة قايتباى بالإسكندرية
  • الثلاثاء، 10 مارس 2026 09:00 ص
المسحراتي.. شخصية تراثية صنعها رمضان
  • الإثنين، 09 مارس 2026 06:00 م
وماذا بعد؟!
  • الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م
بيت السناري
  • الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م