قصة غرام «عالية» و«خالد» تعلن عن نهاية الحب فى زمن السلفيين رواية جديدة ظاهرها رومانسى وباطنها يحمل المأساة والصدمة
سألت مرة الفنانة القديرة نادية لطفى عن تصورها للعلاقة العاطفية التى ربطت بين عبد الحليم حافظ وسعاد حسنى، وبحكم أنها كانت من أقرب أصدقاء العندليب والسندريلا، كنت متأكدا أن لديها تصورا مختلفا لتلك العلاقة التى شغلت الناس واختلفوا حولها وأثارت الجدل ولا تزال.
ملخص ما قالته بولا أن ما جمع صديقيها لم تكن قصة حب طبيعية، فقد وجد فيها حليم إحساس الأمومة الذى حرمه منه القدر، ووجدت فيه سعاد إحساس الأمان الذى حرمها منه الزمان، فكل منهما كان يبحث لدى الآخر عن إحساس يفتقده، وليس الحب الطبيعى بين رجل وامرأة على ما كان بينهما من فارق فى العمر والخبرة بالحياة.
تذكرت ما قالته بولا وأنا أقرأ "زهرة النار"، الرواية الجديدة للكاتب الكبير محمد سلماوى. لكن ما علاقة قصة العندليب والسندريلا.. بقصة الرواية؟.. ستعرف حالا.
تداعى إلى خاطرى كذلك مشاهد الغرام بين خالد ونوال فى فيلم "نهر الحب" (المأخوذ عن الرواية العالمية "آنا كارنينا")، وقصة الحب المحرم بين الضابط الشاب الوسيم وزوجة الباشا التى وقعت فى هواه وضحت من أجله بحياة القصور.. فما علاقة "زهرة النار" بمشاهد الغرام المحفورة فى الوجدان بين فاتن حمامة وعمر الشريف؟.. ستعرف حالا.
وتداعى ثالثا تلك الأبيات الرومانسية بالغة الروعة والتأثير بقلم وقلب شاعر "الأطلال" إبراهيم ناجى: قلت أسلوك وكم من طعنة بالمدارة وبالوقت تهون/ فإذا حبك يطغى مُزبدا كدفوق السيل طغيان الجنون.. وستسألنى حتما عن علاقتها بالرواية، سأجيبك بالإجابة نفسها: ستعرف حالا !
(1)
تنتمى "زهرة النار" إلى عالم محمد سلماوى الروائى، ببنائه المعمارى المنضبط، وخيوطه المتداخلة فى مهارة، وشخصياته الواضحة المنحوتة، وتفاصيله الدقيقة المدهشة، وحكاياته ذات الطابع الإنسانى العابر للثقافات والأزمنة، ولغته البسيطة البليغة التى تصل إلى المعنى وتعبر عنه بلا زوائد ولا زخارف. وفى الوقت نفسه فإن "زهرة النار" متفردة وسط هذا العالم الروائى المميز، بما تحمله من نسيج مختلف، وبما تزخر به من شخصيات وخيوط وتفاصيل وأحداث وأفكار، بل وجرأة فى النهاية تبدو جديدة وغريبة.. وصادمة.
فى "زهرة النار" يبدو سلماوى كلاعب سيرك متمرس، يسير على حبل مشدود بخطى واثقة، يعرف كيف ينقل خطواته ويسيطر على مشاهديه بثقة، ويحرك شخصياته وأحداثه وخيوطه بمهارة، مدركا تعقيداتها ومتعتها فى الوقت ذاته، فيجعلك تلهث وراء التطورات بإيقاع محسوب، تنسى معه نفسك وتعيش فى قلب زهرة النار ولا تفيق إلا مع صدمة النهاية..
ورغم أن الرواية تبدأ بمصادفة قدرية، تضطر فيها الأمطار الغزيرة بطلها المهندس المعمارى الشاب خالد السروى إلى الدخول فى أقرب محل يحتمى فيه من السيول المنهمرة، فيجد نفسه فى "دكان زمان" محل الأنتيكات الفخم بحى الزمالك، و أمام صاحبته "عالية منصور" المرأة الخمسينية المحتفظة بجمالها وأناقتها ورشاقتها، لتبدأ الأحداث وتتطور وتشتعل.. نقول رغم تلك المصادفة القدرية فإن كل تفاصيل الرواية محسوبة بدقة ومحبوكة بإحكام، بما فيها اسم الرواية وعنوانها..
"زهرة النار" كما يعرفها المؤلف هى "زهرة برية عملاقة.. قالوا إنها الأكبر حجما فى مملكة الزهور، نشأت فى أواسط القارة الأفريقية ثم استقرت فى دولة جنوب أفريقيا.. منظرها رائع وقصتها أكثر روعة، فهى بعد انقطاع المطر تنضب وتنغلق على نفسها حتى تجف تماما وتصبح كقطعة الخشب اليابسة، وقد تظل على هذا الحال سنين طويلة فى انتظار النيران التى كثيرا ما تجتاح الغابات، فإذا مستها النار انتفض كيانها كله وعادت إلى الحياة من جديد، عندئذ تتفتح بتلاتها مرة أخرى بفعل الحرارة ليظهر الكنز الذى بداخلها وهو حبوب اللقاح التى تنبئ بتجدد الحياة واستمرارها".
وهى نفس مواصفات بطلة الرواية "عالية" وما جرى لها، هى زهرة النار الفاتنة التى تخشبت بعد جفاف حياتها، فإذا بنار الحب تمسها وتعيدها للحياة وتضعها فى قصة حب جارفة يتوهج فيها قلبها من جديد.
تصورت عالية أن حياتها انتهت برحيل زوجها وشريك عمرها ومحور حياتها رجل الأعمال الثرى حمدى الصفتى، فتشعر بعده بوحدة قاتلة تحاول أن تخرج منها ومن أحزانها بممارسة تلك الهواية التى تحبها، وهى تجارة التحف والأنتيكات القديمة، وتقضى فى محلها الصغير ساعات النهار ثم تعود من جديد إلى وحدتها وحزنها.
فإذا بهذا الشاب الذى قادته الصدفة إلى محلها يغير حياتها، رغم أنها عاملته فى البداية بقسوة وصرخت فيه أن يخرج حتى لا يلوث بحذائه المبلل بالمطر والطين محلها الأنيق، لكن شيئا ما بدأ جذبها إليه وجعلها تتعلق به، فسرته فى البداية بأنه يذكرها بزوجها الراحل وطموحه الجارف وشغفه الشديد بالقراءة والكتب والمعرفة والثقافة، فخطر ببالها – على سبيل الاعتذار من إهانتها له – أن تمنحه بعضا من كتب زوجها المكدسة ببيتها ولا تعرف ما تصنع بها.
المهندس الشاب كذلك شعر نحو هذه السيدة ذات الشعر الفضى بشىء ما جذبه إليها، وجعله يعود إليها ملتهفا وشغوفا بالاقتراب منها.
بحسابات العقل والمنطق: نحن أمام عالمين مختلفين متوازيين، من الصعب بل من المستحيل أن يلتقيا ويتقاطعا، وأن تجمعهما قصة حب.
"عالية" هى سليلة طبقة أرستقراطية لها عالمها وتفاصيلها وحياتها، وهو ما يقدمه سلماوى ببراعة فى مشهد العشاء بقصر يحيى بك وزوجته "جينا" على شرف "عالية" التى كانت تزورهما بعد انقطاع، ولأول مرة بعد رحيل زوجها. كل شىء على المائدة العامرة له أصول وكل خطوة بحساب، من أول عدد السفرجية إلى نوعيات الأطباق إلى أصناف الطعام وترتيب الأطباق ونوع الشمبانيا مع كل طبق، إلى طبق الحلو الأخير "المون بلان" المأخوذ اسمه من أكبر جبال الألب الأوربية، ثم ارتشاف القهوة فى قاعة أخرى على إيقاع موسيقى الفلامنكو الإسبانية.
فى عالم عالية الأرستقراطى أنت على موعد مع أصناف من السجاد الشيرازى الحريرى، ومزهريات المورانو، ومعزوفات شوبان، وسيمفونيات تشايكوفسكى، ولوحات رينوار وكلود مونييه، وتماثيل عصر النهضة، وأندر الكتب من زمن مطبعة جوتنبرج.. وتأخذك الرواية إلى عالم جديد ومثير، هو عالم محلات الأنتيكات والتحف النادرة، وهو عالم له تفاصيله الخاصة وأسراره الدقيقة التى لا يعرفها إلا الذين عاشوه وألفوه وتمرسوا فيه لسنوات واكتسبوا فيه الخبرات.
أما خالد فهو ابن طبقة أخرى مختلفة، ابن الطبقة الشعبية ومدارس الحكومة والحارة ومقاهى وسط البلد وسندوتشات الفول والأحلام المجهضة.. فقد تخرج بتفوق فى كلية الهندسة وبقسم العمارة قبل أربع سنوات، لكنه فشل فى الحصول على وظيفة مناسبة، ويعيش على مصروف يتحصل عليه من والده الموظف الحكومى، الذى قرر أن يتزوج بعد رحيل أم خالد، واقتضت الظروف أن يستقل خالد بحياته فى غرفة وصالة فوق سطوح عمارة بميدان الجيزة.. يدفع والده إيجارها.
حياة خالد محورها أصدقاء وزملاء مدرسة الأورمان، صحيح أن كل منهم ذهب إلى كلية مختلفة، وصحيح أن لكل منهم اهتمامات وطموحات متباينة، لكن ظلت الصداقة القديمة متواصلة ومتينة.. يشغل وقته بالأصدقاء وبقصة حب مع زميلته نجوى على أمل أن يعثر على وظيفة مناسبة تعينه على إتمام الزواج والاستقرار.
عالمان شديدا الاختلاف والتمايز، فكيف يمكن أن يلتقيا؟
إنه الحب أو ما تصورا أنه الحب.. أما الحقيقة فتقول إنه الاحتياج. "عالية" كانت تبحث عن طوق نجاة من الغرق فى بحور الوحدة والاكتئاب بعد رحيل زوجها، وهو ما يعبر عنه سلماوى عندما يصف حالتها: “أخذت تفكر فى حياتها، كم أصبحت رتيبة. كل يوم يشبه الذى سبقه. كل يوم يشبه الذى يليه. كل حياتها فارغة بعد رحيل زوجها.. كانت قد انغلقت على نفسها ولم يعد بحياتها مكان لشىء غير الوحدة والفراغ".
إنها تبحث عن أمان وسند فى وسط عالم ملىء بالزيف والتصنع، تجسد لديها فى يوسف بك رستم، الثرى المتصابى، الذى ورث ثروة بلا عناء عن أسرته، لا يفعل شيئا فى حياته سوى أن يستمتع بها ويشترى ما يحلو له ويقضى نصف عامه فى نيويورك، ومولع باقتناء الأشياء الثمينة.. ويظن أن "عالية" واحدة من تلك الأشياء فيحاول أن يغريها بثرائه الفاحش لكى ينالها.
وخالد هو الآخر كان يبحث عن طوق نجاة من حياة الضياع التى يعيشها، فالسنوات تمر وهو لم يحقق شيئا من طموحاته وأحلامه، حتى قصة الحب التى يعيشها مع "نجوى" لا يشعر فى داخله بصدقها ولا بجدواها وكأنه مجبر عليها، كما لا تشبع عنده افتقاده العميق للحنان الأمومى الذى افتقده منذ الرحيل المبكر لوالدته.
هى تبحث عن أمان وهو يبحث عن حنان، فيجد كل منهما ما يبحث عنه عند الآخر رغم اختلاف العمر والطبقة والظروف ( ألا يذكرك ذلك بتحليل بولا لقصة السندريلا والعندليب)!
ولأن الحب أعمى فإنهما يلغيان العقل وحساباته، وعادات المجتمع وأحكامه، ويندفعان فى قصة حب محمومة كطوفان السيل تقتلع كل ما فى طريقها (ألا يذكرك ذلك بأبيات إبراهيم ناجى).
(2)
يغزل سلماوى قصة العشق على مهل، يرسم خطوطها ويبنى تفاصيلها ويمهد مسرحها، لتبدأ حكاية غرام عالية وخالد، وما يواجهها من سدود وقيود.
ينجح سلماوى فى أن يجعلك تتعاطف مع تطورات الغرام العاصف، الذى يجتاح امرأة فى خريف العمر، تترك نفسها يقودها قلبها مستسلمة لمقاديرها دون مقاومة، مستجيبة لمقولة الفيلسوف اليونانى القديم بلوتارخوس: القدر يقود من يتبعونه ويسحب بالقوة من يقاومونه.
وجعلتها المصادفة القدرية الجديدة التى ساقتها للقاء خالد فى المصعد بعد انقطاعه عنها لفترة على يقين أنه قدرها فاستسلمت له بارادتها.. "وجدت نفسها تطوقه لا إراديا بذراعيها، تريد أن تحتويه بداخلها كفل صغير عاد إليها بعدما ظنت أنه فقد إلى الأبد". وأما هو فقد دفن رأسه كطفل فى صدر أمه التى افتقدها.." توسلت: كفى كفى أرجوك، قال بصوت خافت: لا أستطيع لا أستطيع، كان كمن حرم دهرا مما ظل يشتهيه ثم وجده فجأة أمامه، بين يديه، فى أحضانه".
تسمح له أن يدخل قلبها وبيتها وتمنحه بسخاء، بل لا تهتم بكلام الناس ولا تقاليد المجتمع فتصحبه معها فى رحلة إلى باريس ليرافقها فى زيارتها السنوية لأهم معارض التحف والأنتيكات فى العالم والذى يقام فى “شاتوه” على أطراف باريس.. وتتحول الرحلة إلى مشهد غرامى ساحر تتعاطف فيه مع الحبيبين وتقاسمهما أوقاتهما السعيدة، ناسيا أو متجاهلا القوانين والأعراف التى تجرم هذه العلاقة وتؤثمها ( ألا يذكرك ذلك بتعاطفك مع مشاهد الحب المحرم لبطلى “نهر الحب” فى لبنان).
ولما يعود العاشقان إلى مصر تبدأ التقاليد فى محاصرتهما والقيود فى تكبيلهما ومطاردتهما، ليفيقا من سكرة العشق على الحقيقة العارية: إنهما يرتكبان إثما ويخالفان قيم المجتمع وأخلاقه.. ثم إن كل طبقة تحاول أن تستعيد ما يخصها، خاصة الطبقة الشعبية التى ينتمى إليها خالد، إذ يرفض والده ويثور على تلك العلاقة ولا يرى فى "عالية" سوى امرأة ساقطة أغوت ابنه وتكاد تضيع مستقبله، فيذهب إليها فى "دكان زمان" يواجهها بما ظنه حقيقتها ويطالبها بأن تترك خالد لحياته الطبيعية وخطيبته التى تركها بسببها.
والمؤكد أن القارئ الذى عاش قصة الغرام وتعاطف معها سيكون على موعد مع صدمة قاسية فى نهاية الرواية، التى تشى بانسحاب "عالية" وعودتها إلى عالمها وطبقتها ووحدتها القاسية، مضحية بأجمل قصة حب زلزلت كيانها.
ومن السذاجة أن نصدق أن تهديد الأب واستعطافه لعالية هو السبب فى تلك النهاية الحزينة الصادمة، فسلماوى أذكى من أن يرتكب تلك السذاجة الدرامية، وأتصور أن السر والسبب الحقيقى يكمن فى تلك الإشارات الواردة فى الرواية عن زمن أحداثها، وهو أخريات عهد الرئيس السادات وصعود تيار الإسلام السياسى وسطوة التيارات المتطرفة وتسرب أفكارها إلى المجتمع وعقول الناس.. وكأن المؤلف يشير من بعيد إلى السر والسبب، وأن تلك الرياح السموم ستقتلع فى طريقها كل قصة حب تخرج عن “الباترون” وتتصادم مع الفكر الوهابى وفتاوى السلفيين.
وكأن الأب كان هو صوت تلك الجماعات والفكر الجديد وهو يحاكم "عالية" ويدينها: تقولين إنك تحبينه. إن امرأة فى سنك وخبرتك كان يجب أن تدرك منذ البداية أن ما يربطكما ما هو إلا نزوة عابرة لامرأة وصلت لمرحلة سنية معينة تجعلها فريسة لأى شاب يبدى اهتمامه بها، وهى نزوة أيضا لخالد، مغامرة مثيرة لشاب ليست له خبرة كبيرة فى العلاقات النسائية. ثم أضاف وكأنه ينطق بحكم محكمة: إن علاقتكما علاقة غير طبيعية، لذا فهى محكوم عليها بالفشل إن عاجلا أو آجلا، لأن ما بنى على باطل فهو باطل.. لا تخدعى نفسك يا سيدتى”.
وكأن سلماوى أراد أن يقول بتلك النهاية الصادمة لزهرة النار إننا على موعد مع زمن وفكر جديد قادم، لا مكان فيه للفن والحب والجمال.. لتبقى "زهرة النار" متخشبة، عسى أن يأتى زمن قادم تتفتح فيه وتتوهج وتلمسها نيران الحب المقدسة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد