«عيد الثقافة».. مصر تحتفل برمـوز قوتها الناعمة

تكريم عشرات المبدعين فى ليلة مبهجة وزير الثقافة يعلن ملامح مرحلة جديدة من العمل الثقافى وتطوير قصور الثقافة أحمد الشهاوى: الثقافة المصرية تحتفل بذاتها وتاريخها وقدرتها على الاستمرار شعبان يوسف: لفتة جميلة من الدولة وخطوة لتعضيد دور الثقافة

كرم الدكتور أحمد فؤاد هَنو، وزير الثقافة، الأسبوع الماضى، 104 من المبدعين المصريين، احتفالا بعيد الثقافة المصرية. وجاء على رأس المكرمين الفنان محمد صبحى والكاتب محمد سلماوى والموسيقار عمر خيرت والكاتبة فاطمة المعدول والفنان حسين فهمى والمطرب محمد ثروت وغيرهم، وأكد الوزير خلال احتفالية "عيد الثقافة" فى نسخته الثانية، والتى نظمها المجلس الأعلى للثقافة، وأُقيمت بالمسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، بحضور الدكتور أشرف صبحى، وزير الشباب والرياضة، إطلاق مجموعة من المبادرات والمشروعات والخطط الاستراتيجية، التى تستهدف تطوير البنية الثقافية المصرية، وتعزيز العدالة الثقافية، وتفعيل مسارات التحول الرقمى، واستعادة الدور الريادى للفنون المصرية.

قال هَنو إن الاحتفاء بـ"عيد الثقافة" يُمثل مناسبة وطنية لتكريم رموز الإبداع المصرى، والإعلان عن ملامح مرحلة جديدة من العمل الثقافى، مشيرًا إلى أن تكريم المبدعين هو احتفاء بقيمة العطاء، ودور المبدعين فى ترسيخ مكانة الثقافة المصرية. كما وجّه التهنئة إلى جميع المكرّمين وغيرهم من رموز الفن والفكر والمعرفة.

وفى هذا السياق، أعلن وزير الثقافة إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتطوير قصور الثقافة، بوصفها نقلة نوعية فى آليات عمل هذا الصرح العريق المنتشر فى جميع محافظات الجمهورية، حيث تستهدف الاستراتيجية اكتشاف المواهب فى كل محافظة، وتأهيل الكوادر ورفع كفاءتها، وتمكين الشباب، وتوسيع نطاق الإتاحة الثقافية، مع اعتماد أكواد موحدة للبناء والتجهيز الفنى، بما يوفر بيئة آمنة وجاذبة للإبداع، ويعيد لقصر الثقافة دوره كبيت مفتوح لأبناء الوطن. كما أعلن قرب إطلاق "قصر الثقافة الرقمي" بعد الانتهاء من العمل عليه، ليكون منصة معرفية مفتوحة تتيح المحتوى الثقافى والفنى لكل مواطن فى أى مكان، دعمًا للتحول الرقمى، وتحقيقًا للعدالة الثقافية، وإتاحة الفرص المتكافئة للوصول إلى المعرفة.

وضمن الخطة الوطنية الشاملة لإحياء صناعة السينما المصرية، أعلن هنو انطلاق "المشروع المتكامل لإعادة إحياء السينما"، الذى يرتكز على تطوير الأصول السينمائية المملوكة للدولة، وتحويلها إلى مراكز إنتاج تكنولوجية حديثة تواكب التطور العالمى، مع الحفاظ على التراث السينمائى المصرى وإعادة تقديمه رقميًا للأجيال الجديدة، تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية باستثمار الأصول الثقافية وتعظيم دورها فى دعم الاقتصاد الإبداعى. كما أعلن عن عودة المهرجان القومى للسينما المصرية فى يوبيله الفضى، بعد سنوات من التوقف، فى أول تعاون من نوعه بين صندوق التنمية الثقافية والمركز القومى للسينما، تأكيدًا على مكانة السينما كأحد أهم روافد القوة الناعمة المصرية.

وفى سياق تعزيز التكامل مع مؤسسات الدولة، كشف وزير الثقافة عن إطلاق المبادرة الوطنية لإحياء وتطوير النشاط الثقافى والفنى بالجامعات المصرية، برعاية رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولى، إلى جانب إطلاق المهرجان القومى للمسرح المدرسى، على أن يتم تنفيذ المبادرتين من خلال المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، بالتعاون مع قطاعات وزارة الثقافة المختلفة، بهدف إعادة الروح للنشاط الثقافى والفنى داخل الجامعات والمدارس. وأكد أن هذه المشروعات والمبادرات تمثل ملامح مرحلة جديدة من العمل الثقافى، تقوم على بناء الإنسان، وصون الهوية الوطنية، وتوسيع نطاق الإتاحة الثقافية، وتعزيز الحضور المصرى إقليميًا ودوليًا، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن الثقافة هى أساس الوعى ومحرك التنمية المستدامة.

وأضاف وزير الثقافة فى كلمته أن احتفالية "عيد الثقافة" تشهد تكريم نخبة من أبناء هذا الوطن من الحاصلين على جوائز الدولة، ومن الذين رفعوا اسم مصر فى المحافل الدولية، إلى جانب رموز الفن والإبداع الذين منحوا الثقافة المصرية تفردها بما قدموه من فكر وإبداع وإنجاز، ليصبحوا علامات مضيئة فى مسيرتها الثقافية. كما أكد أهمية الوقوف وقفة تقدير وإجلال لاستذكار الرموز الثقافية والفنية الذين رحلوا عن عالمنا خلال العام الماضى، وتركوا بصماتهم خالدة فى وجدان الوطن.   

الشاعر الكبير أحمد الشهاوى، الحائز على جائزة الدولة التقديرية مؤخرا، وأحد المكرمين فى الاحتفالية، يقول: حين نودى على اسمى فى عيد الثقافة، بدار الأوبرا المصرية، شعرتُ أن القصيدة التى عشتُ داخلها عمرًا خرجت أخيرًا إلى الضوء، وجلستْ إلى جوارى، لا بوصفها نصًّا مكتوبًا، بل بوصفها حياةً كاملةً أُنجزت، أو كادت. لم يكن التكريم لحظة احتفالية عابرة، بل كان مرآةً طويلةً رأيتُ فيها وجهى كما تشكَّل عبر السنين.. طفلًا يطارد اللغة فى الأزقة، وشابًا يراهن على الشعر فى زمنٍ قاسٍ، ورجلًا آمن بأن القصيدةَ يمكن أن تكون وطنًا، وملاذًا، وموقفًا أخلاقيًّا من العالم. هذا التكريم لا أراه وسامًا على الصدر، بل مسؤولية جديدة، وعهدًا يتجدد بينى وبين الشعر، بأن أبقى وفيًّا له، نقيًّا بقدر ما أستطيع، حرًّا كما حلمتُ دائمًا.

ويكمل الشهاوي: فى دار الأوبرا المصرية، ذلك الفضاء الذى يجمع بين الجمال والنظام، بين الفن ووقاره، شعرتُ أن الثقافة المصرية نفسها كانت تحتفل، لا بأشخاصها فقط، بل بذاتها، وتاريخها، وقدرتها على الاستمرار، رغم كل ما يحيط بها من عواصف. أن يُقام عيد للثقافة فى هذا الزمن، هو فعل مقاومة ناعمة، وإصرار على أن المعرفة لا تزال قادرة على أن تصنع معنى، وأن الشعر لا يزال قادرًا على أن يقول "لا" بطريقته الخاصة. عيد الثقافة بالنسبة إليَّ، ليس مناسبة رسمية، بل طقس اعتراف جماعى.. اعتراف بأن المثقف ليس كائنًا هامشيًّا، وبأن الشاعر ليس زينة لغوية، بل شاهدا على عصره، وحارسا للأسئلة الكبرى.

وعن شعوره لحظة التكريم، يوضح: شعورى فى تلك اللحظة كان مزيجًا من الامتنان والتواضع. الامتنان لأن بلدى، بثقافتها ومؤسساتها، تقول لي: رأيناك. والتواضع لأننى أعرف أن الشعر أكبر من أى جائزة، وأن ما لم أكتبه بعد أهم مما كتبته. فالتكريم لا يُغلق الطريق، بل يفتحه على اتساعه، ويضع الشاعر أمام سؤال جديد.. ماذا ستفعل بكل هذا الحب؟

الشاعر والكاتب شعبان يوسف أحد المكرمين يقول: التكريم لفتة جميلة ولطيفة، يُشعر المبدعين والمثقفين الذين بذلوا مجهودات متنوعة أن الدولة تشكرهم، ويرجعنا عيد الثقافة لتقليد جميل فى الستينيات، وهو عيد العلم، الذى كرم أدباء وفنانين ومفكرين وكرمت فيه أم كلثوم وعبد الوهاب، والجمع بين الفنانين والكتاب والراحلين لفتة جميلة من الدولة، وخطوة لتعضيد دور الثقافة، ورفع مستوى موازنة الدولة للاحتفاء بالثقافة، ويمثل لمسة وفاء جيدة.

ويختتم يوسف قائلا: مارست طوال حياتى العمل الثقافى سواء كشاعر أو كاتب بمتعة وشغف، وشاءت الأقدار أن الثقافة كانت رغبتى، ثم أصبحت مسار عملى، سواء على المستوى المستقل أو الرسمى.

الشاعر والكاتب الصحفى سيد محمود أحد المكرمين يقول: أعيش حياتى كصحفى وطوال حياتى أعشق العمل من خلال التواصل الحى، ونقل الشغل من الأرض عبر العمل الميدانى، ودائما أترك مساحة للتواصل مع كافة الأجيال، بغض النظر عن عمرها أو خبرتها، وأحب زيادة المعرفة، لأنه لا توجد معرفة مكتملة. التواصل المباشر يعطى مساحة خاصة، فيكون هناك خبر ومعلومة. وطالما الصحفى يمارس عمله جيدا يصبح خبيرا فيه، ويجب أن يكون على تواصل بكل الأطراف، سواء مستقل أو رسمى، تعلمت ذلك وطبقته فى الصحافة الثقافية، أسوة بالمحرر الاقتصادى مصباح قطب، الذى كان يكتب قصائد وقصصا، ويكتب تقريرا اقتصاديا، به كمية هائلة من المعلومات.

ويضيف محمود: عملت فى وزارة الثقافة سابقا 4 سنوات، وسعيد أن يأتى التكريم من مكان عملت فيه، خصوصا أننى لست من مطبوعة ثقافية متخصصة، وإنما أنا من مطبوعة عامة فى الأهرام، وكتبت طوال الوقت فى الثقافة، بغرض أن يتفاعل الجمهور العام مع هذه المساحة، لأنها خدمة حقيقية، والتكريم أسعدنى، خاصة أنه ليست لدىّ أدنى معرفة سابقة بوزير الثقافة الحالى د.هنو، بالعكس دائما إشاراتى ومقالاتى تحمل نبرة نقدية، وبالتالى الاختيار موضوعى، وهذا شىء يسعدنى. والتكريم له معنى فقد سمح بمساحات المحبة مع المحيطين، وجسّد طاقة إيجابية حول المكرمين، وشمل مجموعة من الأخبار الجيدة حول إعادة توظيف قصور الثقافة، التى نتمنى الاستفادة منها، خاصة بعد تراجع أدوارها، ولابد من اهتمام حقيقى بها، خصوصا فى ظل وضع التعليم المؤسف، للحفاظ على الرصيد الثقافى لمصر، فلابد من الاهتمام بالأشخاص فى القرى حيث العمال والفلاحون، ليصبحوا هدفا لوزارة الثقافة، كما كان شائعا فى الستينيات، حيث وضع العمل الثقافى خارج القاهرة كأولوية.

ويختتم سيد محمود قائلا: الشعر مساحتى الخاصة جدا. أكتب ولا أنشر، ولم أكن أول ضحايا الصحافة كشاعر، وعندما نشرت كتابا، محمود درويش كتب عنه أكثر من 60 مقالا، وكنت محظوظا جدا، ولم أتوقف عن كتابة الشعر، ولم أنشر سوى ديوانين، أحدهما بالعامية، ثم آخر فصحى بعده بـ13 عاما، ثم قصائد متفرقة، ومازلت أقرأ وأكتب الشعر لأسباب تخصنى.

الكاتب الصحفى محمود التميمى، صاحب مشروع "أرواح فى المدينة"، وأحد المكرمين، يقول: شىء مبهج أن يكون هناك رغبة فى تكريم المؤثرين فى الثقافة المصرية، خاصة المساهمين فى الحفاظ على الهوية المصرية، ومبادرة الدولة للتكريم سنة حسنة وتذكرنا بعيد العلم، وأن يكون عيد للثقافة المصرية، فهذا أمر جيد. و"أرواح فى المدينة" مشروع ثقافى يخاطب الجمهور العادى من المتعطشين لحب المعرفة وليس الجمهور النخبوى، وفى هذا المشروع لا نتحدث عن شخصيات فقط، وإنما هو مشروع حفظ الذاكرة المصرية، ولا يقتصر على تكريم الأعلام فقط، وهم جزء من ذاكرة مصر، ويشمل أشخاصا وأماكن، ومفارقات تدل على المشكلات الاجتماعية وبحث الشخصية المصرية، وهو بحث شهرى، وليس فقط مبادرة لتكريم الإعلام.

Katen Doe

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

"زهرة النار

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص