لم يتخل عن انحيازه لثورة يوليو.. وكانت أمنيته أن نتعلم من أخطائنا تنبأ بأن الرباعيات ستكون أشهر إبداعاته.. لكنه لم يكن سعيدًا بهذا الأمر هذه حكاية قصيدة «ربنا» التى كتبها ر دًا على أسئلتى له أغانيه الوطنية مع عبد الحليم.. كانت حاضرة فى ميدان التحرير أثناء ثورة يناير لأنها تجربة ملهمة تخطت الزمن حبه لوالدتى منى قطان ساعدها على معرفة نفسها وهويتها
كان صلاح جاهين عبقريا يمشى على الأرض... هو الشاعر العظيم وأمير شعراء العامية وفيلسوف البسطاء صاحب القصائد والرباعيات الخالدة في تاريخ إبداعنا المصرى والعربي... وهو رسام الكاريكاتير القدير مبدع الأفكار التي لا تنضب وهو الممثل وكاتب السيناريو والحوار المتالق صاحب الحضور الجميل الخلاق. غير أنه قبل كل ذلك وبعده.. ابن مصر ونبتها الطيب الذي كتب على اسمها أعظم وأجمل الشعر وأعذبه قصارت قصائده اشجارا باسقة في حدائق الوطن تنشر الهواء والنسيم والظل. وحين يذكر اسم صلاح جاهين تتراءى امام العيون "صورة" مصر الجميلة بشوارعها وحاراتها وأزقتها.. بمدنها وقراها وكفورها ونجوعها .. بناسها الطيبين.
بعمالها وفلاحيها الشقيانين الذين عبر عنهم جاهين بصدق وحب شديد. هنا تتحدث إلينا حديثا استثنائيا قطعة من روح صلاح جاهين... وفرع من شجرته الظليلة.. ابنته الصغرى الفنانة المبدعة سامية جاهين.. فإلى الحوار...
في البداية سألت سامية جاهين عن قصيدة "ربنا".. آخر ما كتب صلاحجاهين، وقد كانت هي السبب في أن يكتب والدها آخر قصائده.. فأجابت
نعم.. القصيدة ربنا هي آخر قصيدة غنائية كتبها أبي قبل رحيله... أتذكر أننى سألته فعلا عن ربنا.. لكن السؤال لم يكن بالصيغة التي ذكرها البعض (يعنى إيه ربنا.. ولكن كان بصيغ أخرى.. وقتها كان عمری ست سنوات.. وسألت ابی تلك الأسئلة الطفولية البريئة هو ربنا مين؟ وليه مش بنشوفه ؟ وهو شكله ايه ؟.. وردا على أسئلتي كتب صلاحجاهين هذه الأغنية وقرأها علي ويقول في مطلعها:
مين اللى كور الكورة الأرضية
مين اللى دورها كدة بحنية
مين اللي في الفضا الكبير علقها
ما تقعش منها أي نقطة مية
وللأسف مات أبي قبل أن يتم تلحين الأغنية بالشكل الذي تمناه، لكني أذكر أنه في حفل تأبينه قدمت استاذة بيانو كانت تعلمني البيانو لحنا بسيطا للأغنية ... وقمنا بغنائها في حفل التأبين لكنها لم تسجل ولم تحفظ للأسف الشديد.
وفي تلك الفترة التي رحل فيها صلاحجاهين - تواصل سامية جاهين - كنت طفلة صغيرة في عمر الست سنوات. لكنني أذكر بعضا من مشاهد الصلاحجاهين في مقدمتها أنه كان مبتسما طوال الوقت، وأتذكر جيدا صوت ضحكته المجلجلة.. وغالبا كان يجلس دائما على مكتبه حيث كان يقضي معظم وقته في حجرة مكتبه يكتب ويعمل...
وفي تلك المرحلة الأخيرة من حياة أبي كنت الشخص الوحيد المصرح له بدخول حجرة مكتبه.. بالرغم من احتياجه للهدوء الشديد وهو يكتب شعره أو يكتب أي شيء يشكل عام... كان مسموحا لي أن أعمل اللي أنا عايزاه) أدخل حجرة المكتب والعب كثيرا.. وأذكر أنه كان يحضر أوراقا وألوانا ويضعها على الأرض ويجلس ويرسم معى وهو في قمة سعادته وهو يراني أرسم...
تم إنه بأفكاره المبتكرة وطفولته الجميلة قرر أن يقيم في معرضا في البيت حيث كان يعلق اللوحات التي أرسمها على الحوائط ويجبر أصدقاءه على حضور المعرض، فيقومون بشراء اللوحات بعشرة قروش وربع جنيه وهكذا.. وأذكر مثلا أنه حين توفي الفنان الكبير عم عهدی صادق رحمه الله فوجئت بعد أن دخلت مكتبته أنه كان يحتفظ بالكثير من تلك اللوحات التي رسمتها في طفولتي بتشجيع ودعم من صلاح جاهين لابنته الصغيرة.. وبمناسبة عهدي صادق أقول إنه كان هناك مجموعة كبيرة من جيل الفنانين الشباب الذاك ممن كانوا أصدقاء وزملاء لوالدتي الفنانة منى قطان في المعهد العالي للفنون المسرحية من المقربين اصلاح جاهين، مدل مصطفی متولى وشوقى شامخ وفاروق الفيشاوي وسمية الألفى احتضنهم صلاح جاهين وتبناهم وربطته بهم علاقة إنسانية وطيدة خاصة عهدي صادق.
وأسال سامية جاهين... عن قصة الحب والزواج بين والديها صلاح جاهين ومنى قطان لتجيب: لا يمكن اختصار قصة حبهما والعلاقة بينهما في كلمات أو سطور.. فقد كتبت والدتي كتابا عن علاقتها وحياتها مع صلاح جاهين بعنوان "صورة شخصية لزوجة شاعر .... حكت فيه حكايتهما وكيف حدث التقارب والحب والزواج.. لكن بشكل واضح اقول إن كلا منهما وجد عند الطرف الآخر ما كان ينقصه.. فأصبح كلاهما يكمل نصفه الآخر.. وقد عرف جاهين زوجته منی على العالم وساعدها على معرفة وتكوين هويتها التي كانت تبحث عنها، وهي ما زالت تحكى عنه حتى الآن.. وكيف أنه انسان حنون جواه طفل شقى وبريء وجميل).
ابن البلد
وينتقل الحوار مع سامية جاهين إلى محطة إبداع العبقري صلاح جاهين وأعرب لها عن تلك الدهشة والإعجاب الشديدين بشاب عمره ٢٦ عاما يكتب النشيد الوطني لبلاده لتجيب: نعم هذا مصدر فخري واعتزازي.. فأنا ابنة هذا الرجل الذي كتب أغنية صارت النشيد الوطني لمصر لسنوات طويلة.. فقد كتب صلاح جاهين نشيد والله زمان یا سلاحی. اشتقت لك في كفاحي انطق وقول أنا صاحي.. يا حرب والله. زمان ... غنت أم كلثوم هذا النشيد الوطني العظيم ولحنه كمال الطويل وأصبح النشيد الوطني لمصر طوال فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر.. وفي الحقيقة لا يدل الأمر على عظمة صلاحجاهين فقط... لكنه يدل أيضا على عظمة المرحلة التي عاش فيها الشاب صلاحجاهين كان شباب تلك المرحلة قادرين على أن يعبروا عن انفسهم وعن بلدهم وشعبهم بهذه البراعة والعظمة التي عبر بها جاهين في نشيد " والله زمان يا سلاحي ... مصر الجبت في تلك اللحظة التاريخية جيلا من العظماء كان صلاح جاهين واحدا منه وجزءاً من مجموعة عبرت عن تلك المرحلة الفارقة في تاريخ الوطن.. والحقيقة عندما أسمع نشيد والله زمان با سلاحي" من كلمات والدي يصوت أم كلثوم المس قلبي ووجداني مشاعر وطنية صميمة، وأشعر بفخر كبير أن هذا الرجل العقاري العظيم الذي كتب هذا الكلام هو أبي.
وأسال سامية جاهين عن تلك الأغاني الوطنية التي كتبها صلاح جاهين وغناها له أهم مطربي مصر والعالم العربي أم كلثوم التي غنت "والله زمان یا سلاحی" و "نوار"، وعبد الحليم الذي غنى "احنا الشعب" و "بالاحضان" و "صورة" و"بستان الاشتراكية" وغيرها، لتقول تجربة صلاح جاهين في الأغاني الوطنية سواء مع أم كلثوم أو عبد الحليم في تجربة فريدة وناجحة ومستمرة إلى الآن.. وأذكر أننا في ميدان التحرير أثناء ثورة يناير ۲۰۱۱، كنا نسمع أغاني صلاح جاهين وأغاني ثورة يوليو خاصة تلك التي غناها حليم - في ميدان التحرير.. كنا تغنيها لأن مطالبنا وقتها ما زالت هي هي وأحلامنا هي هی.. استطاع صلاح جاهين أن يعبر عنها بصدق شديد واستطاع حليم أن يوصلها للناس بروحه وصدقه وصوته الجميل... وهنا تكمن عبقرية التجربة.. أنها كانت. متخطية لأى زمن وأنها عبرت عن أمال وأحلام المصريين بشكل عام وعلى مر الزمن.. لأن الأغاني الوطنية التي تعيش هي تلك الأغاني الصادقة (اللي طالعة من قلب من ألفها ومن لحنها ومن غناها بصدق شديد الأغاني التي تعبر عن الناس وتتكلم بلسانهم.. وهو ما تحقق بكل وضوح وبالذات في تجربة صلاحجاهين وعبد الحليم في الأغنية الوطنية.
على اسم مصر
تواصل مسامية جاهين: هنا أجدني أقول إن مصر في شعر صلاح جاهين واضحة وضوح الشمس، هو كان عاشقا لهذا الوطن يفرح لفرحه ويتألم لألمه. وفي نفس الوقت كان يرى مشاكله وأزماته وعارف يعتقدها بحب في شعره). و تحضرني هنا قصائد كثيرة، وأهم وأشهر هذه القصائد التي كتبها جاهين على اسم مصر"، واعتقد أن كل شعر صلاح جاهين يتكلم عن مصر حتى لو بشكل غير مباشر قصيدة "كلام إلى يوسف حامي مثلا اللي يحكي فيها عن تأثیر سید درويش المعتد والمربوط بما سبقه وما لحقه من فن مصرى أصيل والقصيدة تراب دخان" (اللي فيها حب ونقد وغضب وحزن وقصيدة غنوة برمهات، وقصيدة الموتى وقصيدة "الأمير" وقصيدة "القمح" وقصيدة "زي. الفلاحين" و "الدرس انتهى" و "بكرة أجمل م النهاردة ... كلها قصائد عظيمة عن مصر والمصريين بطرق وبأشكال مختلفة. غير طبعا كل أغانيه الوطنية، مصر بالنسبة اصلاح جاهين كانت طول الوقت هي الناس الشعب المصري العظيم (اللي هو نفسه جزء منه ) وكان دائما يحاول أن يعبر عن أماله وأحلامه وفي نفس الوقت إحباطاته وآلامه، صلاح جاهين كان شأنه شأن كل العظماء في تاريخنا يحترم الناس يحس بهم، ومن أجل هذا احترمه الناس وأحيوه.
جدير بالذكر هنا أن مصر التي أحبها صلاح جاهين لم تكن أبدا منفصلة عن محيطها، بل كانت دائما مصر العربية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالدول العربية الأخرى التي يرتبط تاريخها وثقافتها ومستقبلها ومصيرها بعضها البعض.
بهاء جاهين بيحكيلي إن بابا قبل ما يتوفى بايام كان فيه غارة عملتها أمريكا على ليبيا ودي كانت أول مرة تحصل) فبابا اتصل بيهاء في التليفون وكان بيزعق ومنفعل جدا، وعمال يقول له احنا بقينا مستباحين " قد كده كان متأثر إن دولة عربية أخرى أمريكا بتعمل عليها غارة وبيتكلم بصيغة "احنا".
عن عبد الناصر.. والنكسة
ثم حدثت النكسة .. وكان غضب وحزن صلاح جاهين عارما، وربما تغيرت نظرته الجمال عبد الناصر، أسأل فتجيب سامية جاهين صلاح جاهين مثل كل المصرين هو واحد منهم ومعبر عنهم. يتأثر بكل ما يؤثر فيهم. يفرحالمرحهم ويحزن لحزتهم.. وشأن كل المصريين الجرح وغضب وأحبط... وشعر يحزن شديد بعد النكسة.. ومفيش حد ماحسش بالإحساس به). سواء كان من جموع الشعب أو في السلطة أو من النخبة. يعنى الكل كان حزينا، وهذا أمر طبيعي جدا، ولكنني لا أعتقد أبدا أن نظرة صلاح جاهين لعبد الناصر أو الثورة يوليو قد تغيرت بعد النكسة بالشكل الذي يتم الترويج له.. وأبي نفسه رد على هذا الكلام بقلعه بعد الثورة بسنوات، عندما كتب ردا على خطاب أرسله أحد القراء الجريدة قال فيه إن صلاح جاهين كفر بالثورة وبمبادئها ولم يعد مؤمنا بها يومها كتب جاهين ردا نشر بـ "الأهالي قال فيه ما معناه انه ليس معنى أننا أخطأنا أن تقول إن كل ما فعلناه وقمنا به كان خاطئا.. أو أننا كفرنا بالثورة ومبادئها.. لكن الصحيح هو أن تعرف بأخطائنا ونصححها ثم تسير الأمام.... ووقتها قال في رده على رسالة القارئ القاضية أيضا، مخاطبا الأجيال الشابة: دوركم كشباب أن تتعلموا من هذه الأخطاء
وقد قال جاهين كل هذه المعاني في قصيدته الشهيرة (أنغام سبتمبرية) التي
رئى فيها عبد الناصر..
عايز أشوف من ثاني وأتذكر
عايز اشوف ليه ضربة من ضرباتي صابت
وضربة من ضرباتي خايت
وضربة وقفت بالشريط في وضع ثابت
قال المكتجي رجوع مفيش
عيش طول ما فيك أنفاس تعيش
وبص شوف
ركن الشباب صفوف صفوف
ركن الشباب في السينما بيصفر
مفيش وقوف
ركن الشباب فيه ألف مليون شب
ومش عاجبهم لا ملك ولا أب
انظر إليهم وانت تتذكر.
وكأنه في هذه القصيدة كان يراجع ما كان يحدث.. ويطالب بالتصحيح ...
ولكن البعض قال مثلا إن جاهين كتب رباعية يا طير يا عالي في السما طز فيك ... في جمال عبد الناصر وهي تحمل هجوما لانعا؟
تجيب سامية جاهين: هذا كلام خاطئ تماما.. اخترعه أحد الفنانين وقرر أن يقوله فانتشر انتشار النار في الهشيم... وهو ليس صحيحا على أي مقياس رباعية يا طير يا عالي في السما كتبت قبل النكسة، ولم تكن من الرباعيات التي كتبت في الأواخر.. ولم يقصد بها عبد الناصر.. ولم يقصد بها أحدا بعينه. فهي رباعية فلسفية شأنها شأن معظم رباعيات صلاح جاهين.
وهنا لابد أن أعطى أبي حقه في أمر هام جدا ربما يغفله البعض عامدا متعمدا، وهو أنه على محبته لعبد الناصر وإيمانه بثورة يوليو.... كان ينتقد ويقول ويرفض، ومثلا حين تم اعتقال عدد من زملائه المثقفين والفنانين ومنهم فؤاد حداد وإبداعهم بسجن الواحات في أواخر الخمسينيات كتب صلاح جاهين قصيدة عنوة برمهات) وأهداها بشكل مباشر لرفاقه المعتقلين ويقول فيها على سبيل المثال:
الدنيا كدب في كدب وانتوا بصحيح.
وقال فيها أيضا:
أنا قلبي قلعة نحاس
صهدت على الحراس
داخوا
ولما زاد الصهد ساح قفلها
ملعون في كل كتاب يا داء السكوت
ملعون في كل كتاب يا داء الخرس
وكتب أيضا في قصيدة "تراب ودخان" أبياتا تحمل نفس المعنى.. صلاح جاهين انتقد ورفض في كل المراحل التي عاشها.. ولم يسكت أبدا وحين كان يرى الظلم كان يشير إليه ويقول ده ظلم... وبالطبع استمر نهجه النقدي في عهد السادات، وكم من مرة انتقد سياسة الانفتاح انتقادا لاذعا وقويا.. ولو رجعنا إلى أرشيف الأهرام في السبعينيات وراينا كاريكاتيره اليومي الأدركنا حجم النقد وحجم الاختلاف مع سياسات السادات الذي ميز كاريكاتير جاهين في كثير من الأحيان
رباعيات صلاح جاهين
أسأل سامية جاهين عن رباعيات صلاح جاهين. هذا الفن الشعري الباقي الذي تفرد به والدها لتجيب: هذه الرباعيات هي تجربة فريدة جدا.. حاول كل الشعراء من بعده أن يقلدوها فلم يستطيعوا.. وقد جاءه إلهامها بينما كان ناهبا إلى مقر مجلة "صباح الخير" بقصر العيني.. وحينما وصل إلى صباح الخير كانت قد اختمرت في ذهنه أولى تلك الرباعيات فعرضها على أحمد بهاء الدين رئيس تحرير صباح الخير انذاك فانبهر بهذا الإبداع العبقري الجديد وقال الصلاحجاهين بالحرف تقدر تكتب ده كثيرا... تقدر تكتب رباعية تكون جاهزة للنشر كل أسبوع ؟ " فأجابه صلاح جاهين بـ نعم.. وهو ما حدث بالفعل لتتزين "صباحالخير كل أسبوع بمربع تنشر داخله رباعية من رباعيات جاهين، وأصبحالقراء ينتظرونها بلهفة ويتطلع الجميع كل أسبوع إلى جدید رباعیات صلاحجاهين لتحدث صدى كبيراً وتكتسب شهرة واسعة ... تميزت الرباعيات بأنها بسيطة مكتفة وممتعة وفلسفية وسهلة الحفظ.. وصارت بالنسبة للشباب مدخلا إلى شعر صلاح جاهين.
فأول ما يقرؤونه من شعره هو الرباعيات. وهو نفسه كان يقول أن الناس سوف يتذكرونني بالرباعيات.. وأنها ستبقى وتخلد لأنه كان يدرك قيمتها وتفردها جيدا.. لكنه لم يكن سعيدا بشكل كبير بهذا الأمر.. فهو كشاعر لا تمثله الرباعيات فقط.. فتجربته الشعرية أوسع وأشمل... ففي كل مرحلة وفي كل كتابة فتح(سكك) للشعر. لم يطرقها أحد قبله.... والرباعيات من ضمن هذه (السكت). وهي بالطبع تجربة فريدة ومهمة، وفي كل رباعية رؤية أو فلسفة أو سؤال وجودي أو تأمل أو وجهة نظر.. أو كل هذا.. استطاع هذا العبقري أن يكتفها وأن يكتبها بلغة سهلة جميلة وصلت للناس وهذا هو سر تفرد التجربة وبقائها.
يوميات الكاريكاتير
وماذا عن صلاح جاهين رسام الكاريكاتير؟
تجيب سامية جاهین کاریکاتیر صلاحجاهين ودوره التاريخي لا يخفى على أحد، هو صاحب ورائد مدرسة خاصة في الكاريكاتير.. وحيث كان كاريكاتير صلاح جاهين تاريخا وتوثيقا لمراحل مهمة في تاريخ مصر من خلال قيام جاهين بالتعليق على الأحداث والتفاعل المباشر معها عبر رسوماته الكاريكاتيرية ... وهنا أثمن جهدا مشکورا قام به فنان الكاريكاتير الكبير الراحل جمعة حين عشر على جوال كبير يحوى رسومات صلاحجاهين الكاريكاتيرية التي نشرت بمجلة صباح الخير علقي في بدروم مبني جمعية رسامي الكاريكاتير، فذهب به إلى هيئة توثيق التراث التي أصدرت بعض هذه الرسومات في كتابين.. لكننا هنا نحن أسرة صلاح جاهين التوجه يطلب محدد إلى مؤسسة الأهرام العريقة .. فالمعروف ان جاهين استمر برسم بشكل يومي على صفحات الأهرام السنين طويلة ... وكان عدد هائل من قراء الأهرام يشترون اعداده ليتابعوا كاريكاتير جاهين الذي كان عبارة عن تعليق ساخر وساخن وتفاعل مباشر مع الأحداث برؤية تنحاز للشعب وتتبني أراده و تناقش مشاكله الاجتماعية والسياسية.. ومن خلال هذا الحوار توجه نداء للمسئولين بالأهرام الأرشفة كاريكاتير صلاح جاهين ونشره على موقع الاهرام عبر الإنترنت، وكذلك طباعته وإصداره في كتب فهو يجسد فترات مهمة في تاريخ الوطن.. ولا اعتقد أن الأمر سيكون صعبا .. ولتمنى أن يتحقق في القريب العاجل.
الليلة الكبيرة
ينتقل الحوار إلى محطة فنية شديدة الأهمية في حياة صلاح جاهين، والفن المصري بوجه عام وهو أوبريت الليلة الكبيرة التجيب سامية جاهين: حكى أبي أنه كان يتنقل في طفولته وصباه الباكر في محافظات مصر المختلفة بحكم طبيعة عمل والده كرليس محكمة، وكان الهدوء هو سمة العيش في تلك المدن التي عمل بها والده.. ولم يكن قد خبر القاهرة أو عرفها أو أقام بها... فلما جاء إليها وأقام بها في مطلع شبابه (اتخض منها) يسبب زحامها وضجيجها مقارنة بذلك الهدوء التام في باقي المدن... وكانه أراد أن يروض القاهرة بزحامها ويسيطر عليها، فأراد أن ينقل إحساسه بالزحام والضجيح والموالد وتفاصيلها، فنجحنجاحا هائلا في أن يكتب الأوبريت المصري الأشهر والأهم (الليلة الكبيرة) وهو الأوبريت الأيقونة) كلاما الجاهين ولحنا للشيخ سيد مكاوي الذي كان أول معرفته بجاهين حين التقى الاثنان لأول مرة بالإذاعة المصرية، تم جمعهما بعد ذلك الأوبريت الشهير الذي تابعه المصريون وأحبوه وصار عملا خالدا في تاريخنا الفني
أصدقاء صلاح جاهين
ماذا عن علاقة الصداقة بين صلاحجاهين وفؤاد حداد؟
تقول سامية جاهين: المرة الأولى التي قرأ فيها جاهين شعرا الحداد. كانت على صفحات إحدى المجلات.. يومها فرحكثيرا وقال: هذا هو الشعر الذي أبحث عنه وده الشعر اللي بأحاول أكتبه). لأن فؤاد حداد وقتها كان كاتب شعر) بالعامية المصرية وليس زجلا كما جرت العادة وقتها.. وبالنسبة لتجربتيهما فهما. صاحبا مدرستين مختلفتين.. وإن تلاقيا في فكرة الكتابة بالعامية المصرية، لكن لكل منهما مشروعه المختلف عن الآخر.. وأذكر هنا أنه حين بدأ بهاء جاهين يكتب شعرا ويبدأ تجربته قال له والده: اذهب إلى عملك فؤاد حداد لتتعلم منه الشعر.. وفي مقدمة أحد دواوينه كتب جاهين أنا أشطر من فؤاد حداد ولكنه أشعر مني... ولك أن تتخيل كم كان هذا الجيل عظيما حقا، فلا غيرة ولا حقد.. لكن إيمان بالآخر واعتراف به.. ثم جاءت علاقة المصاهرة بينهما لتتوطد صداقتهما على أسس الصحبة الإنسانية الخالصة.
وماذا تقولين لنا عن تلك العلاقة الإنسانية والفنية العظيمة التي جمعت صلاح جاهين بسعاد حسنى؟
تجيب سامية : قالت لي سعاد حسني أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة بالحرف الواحد صلاح جاهين كان زي أبويا ... وكنت استشيره في كل حاجة ... وقد قالت هذا الكلام كثيرا واعتبرته فعلا أبا روحيا لها، وفي الحقيقة فإنه ليست سعاد فقط التي كانت تستشير صلاحجاهين في أمورها الفنية والإنسانية. فهناك فنانون كثيرون كانوا يفعلون نفس الشيء ويلجأون لجاهين وفي مقدمتهم أحمد زكي... أما عن العلاقة الفنية بين سعاد وجاهين.. فكل منهما كان شخصا عبقريا.. وعندما يلتقى عبقريان مثلهما فلابد أن يكون إنتاجهما الفني هو الآخر مختلفا واستثنائيا.. ودائما كانت سعاد تقول أن بدايتها الحقيقية كمطربة استعراضية جاءت على يد صلاح جاهين من خلال أفلام "خالي بالك من زوزو" و أميرة حتى أنا و المتوحشة".. وفي الحقيقة فإن صلاح جاهين وفي لحظة فنية فارقة سلط الضوء على منطقة فنية في سعاد لسه ما كانش الجمهور شافها ولا هي نفسها شافتها ولا اختبرتها) وهي قدرتها على أن تكون مطربة استعراضية.. وكانت نقطة فاصلة ومهمة في حياتها كفنانة...
وهل كتب صلاح جاهين فیلم خللی بالك من زوزو هرو با من اكتتابه بعد نكسة يونيو كما قال البعض؟
تجيب مسامية جاهين هذا السؤال يبدو غريبا فيهذا المنطق يكون صلاح جاهين قد كتب كل ما كتب من شعر وفن ومنذ لحظات إبداعه الأولى هروبا من الاكتئاب.. وهو كان يعتبر الإبداع لعبة والفن أيضا لعبة.. ودائما ما كان يقول الفنان لازم يكون لعبى وطفولي " وهو كان بيروح لهذه المنطقة وييجي طول الوقت" سواء في الأعمال التليفزيونية أو الشعر أو حتى الزجل، فأحيانا كان يكتب زجلا والزجل خفيف. فهل معنى هذا أنه كان يكتب أحيانا زجلا للهروب من الاكتتاب.. الحقيقة أشعر أن هذا النوع من الآراء هو (استاميات) مكررة... والحقيقة أن صلاح جاهين كان لديه قدرة كبيرة على العطاء الفني. يمشى في كل الاتجاهات ويعبر عن نفسه بكل. الطرق.. لما يكون فرحان يعبر عن نفسه بالفن زعلان يعبر عن نفسه بالفن... قلقان.. يعبر عن نفسه بالفن. وفي كل الأحوال هو يعبر عن الناس بالفن، وأذكر أن كاتبا كتب مقالا عن جاهين قال فيه اللي يكي الناس وضحكهم)، وهذا قول صادق تماما... فأبي كان لديه القدرة على أن يبكي الناس ويضحكهم في نفس الوقت بالشعر وبالرسم وبالفن. انتهى الكلام ولا تنتهى المحبة لواحد من كبار مبدعى مصر وعباقرتها العظام.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد