مصادفتان عجيبتان صنعتا أسطورة صلاح جاهين فى الرسم

محاولة لإنصاف رسام عبقرى ظلمته شهرته كشاعر«11» مدرس رسم مغمور اكتشف موهبته فى المدرسة الابتدائية أحمد بهاء الدين اكتشفه صحفيًا ومنحه فرصة عمره عاش يكره الرسم 14 سنة حتى تفجرت موهبته فى «غابة»

فى تجربة صلاح جاهين طغى الشاعر على الرسام، الكلمة على الريشة، فذهب أغلب الضوء والاهتمام إلى أغنياته ورباعياته وأوبريتاته المسرحية وسيناريوهاته السينمائية، فذاعت وشاعت واشتهرت ورددها الناس، وكتب عنها النقاد وتنافسوا فى الحديث عن عبقريته الشعرية وكلماته المسحورة التى تنفذ إلى القلوب ببساطتها وروعتها وعمقها وما تحمله من معان جديدة وتراكيب مبتكرة وإيقاع مدهش..

وأغلب الذين كتبوا عن صلاح جاهين دخلوا إلى بساتين إبداعه الوارفة من باب الشعر وبوابته، وهو ما يمكن أن نقف عنده فى عشرات المقالات والدراسات، التى ترى فى شعره العمود الفقرى لتجربته، هو فاتحتها وأساسها ونقطة انطلاقها..

أتوقف مثلا عند ما كتبه صديقه ورفيق رحلته الساخر الأشهر محمود السعدنى:

"لم ألتفت إلى عبقرية صلاح جاهين إلا عندما لفت زكريا الحجاوى نظرى إليها، وكان العم زكريا هو أول من اكتشف عبقرية صلاح جاهين عندما قرأ علينا شعره أول مرة، كتمت ضحكة فى صدرى فقد كان يردد كلمات بسيطة تقولها ستى وخالتى وأمى يرحمهن الله، وكنت وقتئذ فى سن لا تسمح لى بمعرفة الفرق بين العبقرى والحمار»..

وعندما أدرك السعدنى وعرف فإنه تجاسر بأن يضعه مع المتنبى شاعر العربية الأكبر فى جملة واحدة عندما كتب:

"لم يكن صلاح يجيد رص الكلام، ولكنه كان يستخرج من كلام الناس أغانى تبقى إلى أبد الدهر، وسبب خلودها أنها كلمات يستعملها الناس فى حياتهم اليومية، كلمات جميلة ولكن الناس لم تلتفت إلى جمالها إلا عندما استخدمها صلاح فى أغانيه، هنا كان الشاعر صلاح جاهين أقرب الناس إلى الشاعر المتنبى، فالمتنبى لم يخترع لغة ولكنه استخدم لغة الناس فى حياتهم اليومية، وعندما صاغها المتنبى فى أشعاره تذوق الناس حلاوتها كأنهم يسمعونها أول مرة، ولذلك خلدت أشعار المتنبى كما خلدت أغانى صلاح جاهين».

وامتلك صديقه الناقد رجاء النقاش الجسارة نفسها عندما وضعه فى جملة واحدة مع بيرم التونسى أو أمير الشعر الشعبى كما وصفه، ورأى أن صلاح جدير بأن يرثه على عرش إمارة الشعر الشعبى، وبلا مواربة يكتب:

"ظل بيرم التونسى فى ميدان الشعر الشعبى أميرا له لا ينافسه أحد طيلة هذه الفترة الطويلة التى تبدأ منذ مرحلة التمهيد لثورة 1919 إلى قيام ثورة 23 يوليو 1952، ومع مقدمات ثورة يوليو ظهر صلاح جاهين ليكون خطوة جديدة لامعة فى تطور الشعر الشعبى، وليحتل بموهبته الكبيرة المكان الذى أصبح خاليا بعد أن أعطانا أمير الشعر الشعبى أروع ما عنده».

أما يحيى حقى فقد اعترض على هذا التشبيه، ورأى أن شعر صلاح لا يشبه عامية بيرم القديمة ولا عامية بديع خيرى المليئة بمزاج تركى، ويراه أقرب إلى «أبو نواس»..لماذا؟..يجيب يحى حقى:

"فعندما تقرأ صلاح تتذكر شعراء جاهليين أو عباسيين، فأنا مثلا أحب أبونواس، وأجد فى صلاح كثيرا من روح أبى نواس وقفشاته، ولكن بلا جدال كان صلاح فى مأزق، لأن اللغة العامية لغة دائمة التطور، وتتغير من جيل إلى جيل، والغريب أن صلاح قفز فوق فروق اللغة العامية وتنقلها من جيل إلى جيل، واستصفى لنا روحها الخالصة وكتب بها».

وبلغ من حماس يحيى حقى لإبداع صلاح وعبقريته وتفرده بأن وصفه بأنه هدية السماء إلى الأرض..

إلى هذا الحد كان افتتان الكتاب والنقاد بشعر صلاح جاهين.. وحتى منافسيه من شعراء العامية أقروا له بالعبقرية والتفرد..

أحمد فؤاد نجم مثلا، بكل نرجسيته وفاجوميته عندما جاء أوان الجد شهد له وكتب عنه وأنشد فيه:

نفسى أكتبلك قصيدة زيك ملهاش مثيل

حراقة وبنت نكتة أزعة وبلسان طويل

وتكون بعيون كحيلة فيها حزن الأصيل

على الشاعر اللى ولى والشعر السلسبيل

....

امبارح كنت سابح فى بحورك الزلال

أشرب وأطرب وأصحصح من خمرك الحلال

قابلتنى موجة شاردة من موال الكلام

وتراب دخان وصورة للسد وللرجال

قال وأنت فى شكل غنوة بتحمس للنضال

فزيت من حلمى صاحى عاوز أسألك سؤال

قلبى انخطف وراحلك على جناح المحيط

شوف قد إيه بحبك 

شوف قلبى البسيط.

فؤاد حداد شاعر العامية الفذ عندما قرأ قصيدته «على اسم مصر» قال: لو لم يكتب صلاح غيرها لكفته»..

وحتى كبار شعراء الفصحى، مصريون وعربا، اعتبروا جاهين ملهما، وهل هناك أصدق مما كتبه عنه محمود درويش:

"لا أعرف كيف أستعيد ذلك الفصل الضائع من عمر جميل جرنا إلى اليقين، ولا أعرف كيف أجد الكلام الجدير باستعادة كلام تحول فينا إلى مصر ولا أعرف كيف أمشى فى وطن تحول إلى شجن، وكيف أتحمل شجنا تحول إلى وطن، وصلاح جاهين هو الذى قال لنا بطريقة لم يقلها غيره: إن ما فينا من مصر يكفى لنفرح».

لا يحتاج صلاح جاهين الشاعر إلى المزيد من الإطراء، فقد قيل فيه ما يكفيه ويفيض، وهو إطراء مستحق ويصادف أهله، فشعر صلاح جاهين كان بالفعل ثورة فى الكلمة الشاعرة، سواء فى دواوينه أو أغانيه أو رباعياته، تفرد بها بقاموسه ولونه ومعانيه وموضوعاته وسحره، وصنعت منه فى النهاية أسطورة..

ولذلك فإننا نخصص هذه الصفحات للحديث عن صلاح جاهين الرسام، التجربة التى لا تقل عبقرية وفرادة وسحرا، وكانت ريشته ثورة فى الرسم، بخطوطها وموضوعاتها وجرأتها غير المسبوقة، ونظن أنها تجربة تستحق أن نتوقف عندها ونعيد اكتشاف الرسام صلاح جاهين..

(1)

نشأ محمد صلاح الدين بهجت أحمد حلمى الذى اشتهر فيما بعد باسم صلاح جاهين فى أسرة لا سوابق فيها للفن، فجده لوالده «أحمد حلمى» كان مناضلا سياسيا ورفيقا للزعيم مصطفى كامل ونائبه فى إدارة «اللواء» جريدة الحزب الوطنى القديم، وخاض الجد معارك سياسية طاحنة ضد الاستعمار البريطانى والأسرة الخديوية، وحوكم بتهمة العيب فى الذات الملكية ودخل السجن عام 1910، أما والده المستشار بهجت أحمد حلمى فكان من رجال القضاء، وترقى فى سلكه حتى وصل إلى رئاسة محكمة الاستئناف.. وكان الأب يخطط لكى يلحقه ابنه فى سلك القضاء أو على الأقل المحاماة، خاصة أنه كان الابن الوحيد له على 3 بنات (صلاح مواليد 1930، بهيجة مواليد 1932، وجدان «1937» وسامية «1942")

والثابت أن محمد صلاح الدين (الاسم المركب الذى اختاره له والده) ولد فى حى شبرا الشعبى، وكان جارا للموسيقار بليغ حمدى، والتحقا بنفس المدرسة «التوفيقة» لكن بحكم عمل الأب وتنقله بين المحاكم ودوائر القضاء فى عموم القطر المصرى، تنقل صلاح فى طفولته وصباه بين محافظات مختلفة من صعيد مصر إلى دلتاها ..

تفجرت مواهب الطفل «السمين»، وهو لم يزل فى الثالثة من عمره، وحدث أن دخل على جده ذات يوم فى مكتبه وكان يزوره صديق له اسمه الدكتور العنانى، فصعد الطفل الصغير فوق الكرسى وأنشد أول قصيدة يكتبها فى حياته، مجرد كلمات ساذجة لا بد أن ذاكرته وعتها من حكايات والدته قبل النوم، وبطريقة شديدة الجدية والبراءة أنشد الطفل قصيدته التى كتبها من وحى اللحظة ترحيبا بضيف جده: كانى مانى، دكان الزلبانى، دكتور العنانى، كانى مانى»..

أما الرسم فلم يكن على خريطة اهتمامات صلاح أو خططه، بل يمكن أن نقول إنه كان يتجنبه ويشعر بعقدة تجاهه.. قبل أن تنفجر ريشته بتلك الموهبة الطاغية.

وفى تجربة صلاح جاهين مع الرسم فإن أمامنا 7 أوراق تلخصها وتحكيها وتكشف أسرارها..

الورقة الأولى: عنوانها الصدمة

فلا بد أن ترتسم علامات الدهشة على كل العارفين بموهبة صلاح جاهين وعبقريته كرسام عندما تصدمهم تلك الحقيقة التى تؤكد أنه كان أخيب تلميذ فى الرسم.

فحتى بلغ 14 عاماً من عمره لم يكن أحد يتوقع له النبوغ فى الرسم، كان صلاح على حد وصف شقيقته «بهيجة» أخيب تلميذ فى مادة الرسم بين أقرانه فى المدرسة، كانت بهيجة تصغره بعامين فقط، ولاحظت بهيجة أن شقيقها مستواه عادى جداً فى الرسم، وأنه ينفر من الموضوعات التى يطرحها عليهم أستاذ الرسم، فهى تقتصر فقط على الطبيعة الصامتة من شجر وبيوت وسماء.. ثم حدث «الانقلاب» على يد مدرس جديد لمادة الرسم، كان متفتحاً ومتخرجاً فى كلية الفنون الجميلة، ويمتلك شخصية ساحرة جذابة، وكلف الأستاذ الجديد تلاميذه برسم موضوع عنوانه «غابة تهب عليها الرياح»، فإذا بموهبة صلاح جاهين تنفجر عارمة صاخبة متدفقة، كأنها شلال كانت تحجبه سدود، نجح أخيراً فى هدمها وتجاوزها.

تفوق صلاح فى رسم الغابة، ليكتشف أستاذه أنه أمام موهبة عظيمة تحتاج إلى رعاية وعناية واهتمام خاص، ويضمه المدرس إلى «جماعة الرسم» بالمدرسة، ويتحدى بـ «أخيب تلميذ فى الرسم» الجميع، ويدخل به المسابقات على مستوى مصر كلها، ولا يخذله التلميذ «البدين» أبداً، وعلى مسئولية شقيقته بهيجة رسم صلاح وهو فى سن الرابعة عشرة لوحة أخذتها وزارة المعارف العمومية وأرسلتها إلى إنجلترا «فى مسابقة بين تلاميذ العالم النابهين فى الرسم» واحتفظوا بها هناك، ولم يردوها «إعجاباً على ما يبدو».

واتسعت آمال صلاح وأحلامه فى الرسم، وسيطرت عليه فكرة الالتحاق بكلية الفنون الجميلة لصقل تلك الموهبة بالدراسة والعلم، لكن تلك الأحلام الوردية سرعان ما تحولت إلى كوابيس أمام غضب والده وثورته العارمة، كان الأب ـ المستشار بهجت أحمد حلمى الذى وصل إلى درجة رئيس محكمة الاستئناف بالمنصورة ـ مصراً على أن يلتحق ابنه بكلية الحقوق مثله، ليواصل طريق القضاء، فهو عنده الطريق «الأمثل»، والأكثر وجاهة وضماناً واستقراراً فى بلد لا يعرف الاستقرار.

وذهب صلاح مرغماً إلى كلية الحقوق حسب رغبة الوالد، ولكن روح الفنان الكامن بداخله تمردت، وثارت، وفى لحظة تمرد عارمة ذهب إلى الالتحاق بكلية الفنون الجميلة سراً، دون علم والده وتحدياً لرغبته، وأقبل صلاح على الدراسة بنهم وحب، ولكن ضميره كان يعذبه ويؤنبه لخداع والده، ووجد الحل، ذهب إلى أستاذه بكلية الفنون الجميلة حسين بيكار يشرح له مشكلته بالتفصيل ويطلب منه النصح والمشورة، تعالوا نسمع إلى بيكار ـ الفنان العظيم الراحل وهو يروى القصة: «وفجأة وأنا أحاول إبعاد هذا الضجيج ـ ضجيج الطلبة من مرسم قسم التصوير ـ إذا بطالب قصير القامة يقترب منى بحذر شديد، ويقول: اسمى صلاح جاهين، سنة أولى تصوير، وجئت أستشيرك فى مشكلة تقلقنى لدرجة أفقدتنى توازنى، فأنا أحب والدى لدرجة التقديس، وكانت أمنيته أن أسلك نفس الطريق الذى سلكه، فألحقنى بكلية الحقوق التى قضيت فيها عامين مرغماً، لأن اهتمامى كله منصرفاً إلى الفن، فقررت أن أنسلخ من كلية الحقوق وألتحق بكلية الفنون الجميلة، الأمر الذى يرفضه أبى تماماً، ولهذا تجدنى فى غاية الحرج، لا أريد أن أحبط والدى، كما لا أريد أن أكبت مشاعرى الصادقة التى تتصاعد يوماً بعد يوم لدرجة الهوس..

بهرتنى شجاعة هذا الطالب وتشبثه بهدفه النبيل، فقلت له: هل فى إمكانك أن تحدد لى موعداً ألتقى فيه مع والدك؟! وفى اليوم التالى جاء صلاح بصحبة والده، الذى جلس فوق مقعده كأنه أحد تماثيل كهنة آمون.. بادرته بقولى: أرحب بك كوالد لواحد من أكفأ الطلبة والذى أتنبأ له بمستقبل يشرفك ويشرف مصر، والفن يا سيدى المستشار ليس مهنة يتبرأ منها الإنسان، فهناك من عمالقة التاريخ من يتربعون فوق قمة المجد والشهرة أمثال: «مايكل أنجلو» و«مبرانت» فى الخارج»، وأمثال: محمود مختار، ومحمود سعيد فى مصر، بينما لا نرى فى المهن الأخرى مهما تعاظمت من يحتل هذه المكانة فى قلب ووجدان الجماهير.. إن مكان صلاح جاهين فى الفن ولا شىء غير الفن».

ومازال بيكار يحكى: «ارتسمت علامات الامتعاض على ملامح الوجه المتهجم، ورحل الرجل دون أن يطلعنى على قراره الأخير، وفى اليوم التالى توجهت كعادتى إلى المرسم، بحثت عن صلاح بين زملائه فلم أعثر له على أثر.. وفى اليوم اللاحق أيضاً كان المرسم خالياً منه، وتوالت الأيام دون أن أرى صلاح منهمكاً فى رسم النماذج التى كان يقبل عليها بنهم شديد، وعلمت من زملائه أنه عاد إلى كلية الحقوق إرضاءً لوالده».

رجع صلاح مرغماً إلى دراسة الحقوق، ولكن سرعان ما عاوده التمرد، فترك التعليم نهائياً ليعمل بالصحافة، كان يريد أن يثبت للجميع أن موهبته أكبر من المؤهلات الدراسية، وأنه ليس من النوع الذى يكتسب أهميته بالمؤهل الحاصل عليه.. وهو قرار ندم عليه بعد ذلك، وكان يتمنى ـ بعد أن تقدمت به السن ـ أن تعود به السنين، ليعود إلى مدرجات الجامعة ليستكمل دراسته، ويحصل على مؤهل عال.

(2)

الورقة الثانية: وتحمل عنوان الأب الروحى

عاش صلاح جاهين فى بداية مشواره وبواكير عمله الصحفى كرسام تجارب شديدة الغرابة، ولعل من المناسب أن نسمعها من صديقه محمود السعدنى بحكم أنه كان طرفا فيها وشاهدا عليها:

"وأغرب شيء أننى اشتركت ذات عام قبل ثورة يوليو 1952 على ما أذكر فى تسفير صلاح جاهين إلى السعودية ليعمل هناك مستشارا لمطبعة، ما علاقة صلاح بالمطبعة؟!..لا أدرى، ولكنه كان تواقا إلى السفر والبعد عن القاهرة، وعندما سافر إلى جدة لم يطق العيش فيها، إذ يبدو أنه كان يسافر بخياله أحيانا، فلما سافر فى الواقع صدمته الحياة فى بلاد الغربة فهجر جدة وعاد بعد ثلاثة شهور..وأذكر أيضا أننى ذهبت مع صلاح إلى جريدة «القاهرة» فى أول إنشائها، وتعاقدت الجريدة مع العبدلله محررا بها وتعاقدت مع صلاح جاهين رساما للإعلانات !..ما علاقة صلاح جاهين بالإعلانات؟.. لعلها النظرة السطحية للأمور والتزام الجانب الأسهل فى مسائل التعيين وتشغيل الناس».

عاش صلاح فترة من عدم الاستقرار، عاش فيها صعلوكا عظيما كما كان يحب أن يصف نفسه، يتنقل من مقهى إلى مقهى، يعيش حياة الليل والانطلاق، أصدر ديوانه الأول ورسم مئات اللوحات إلى أن قرر الاستقرار فى العمل الصحفى.

دخل صلاح الصحافة ليعمل سكرتيراً للتحرير فى مجلة «روزاليوسف»، كتم شلال الرسم المتدفق فى داخله، حتى يثبت أقدامه أولاً، ثم يطلق العنان لمواهبه، وجاءت الفرصة سريعاً، فالموهبة كالجريمة لا يمكن إخفاؤها، ولعبت الصدفة دوراً فى كشفها، كان صلاح فى أوقات الفراغ، أو التعب يجلس إلى مكتبه ويمارس هوايته الأثيرة فى الرسم، يرسم لنفسه ثم يخفى ما صنعت يداه، ودخل أحمد بهاء الدين مكتب صلاح مصادفة، ولم يكن موجوداً، وعلى المكتب لاحظ رسومات مدهشة، جديدة فى خطوطها وانسيابها، وتشى بموهبة نادرة، تأملها بهاء بعين خبير، لعب دوراً مهماً فى تاريخ الصحافة المصرية على امتداد نصف القرن فى اكتشاف المواهب والتقاطها ودعمها ودفعها ومساندتها.. كان بهاء يومها «الرجل الثانى» فى المؤسسة العريقة، بعد إحسان عبدالقدوس ابن صاحبة الدار ومؤسستها «روزاليوسف»، سأل بهاء عن صاحب الرسومات، وعرف أنه صلاح جاهين، وطلب من الموجودين إحضاره فوراً، واختفى صلاح، وارتفع صوت بهاء: «هاتوه من تحت طقاطيق الأرض».

ودخل صلاح لمكتب بهاء وهو يظن أنه ارتكب جريمة ينتظره عقابها، وخرج وهو يقفز فرحاً، فقد منحه بهاء فرصة عمره: صفحة كاملة أسبوعياً ستخصص لرسوماته الكاريكاتيرية، وبدأ صلاح يرسم، وبدأ الشلال فى التدفق هادراً صاخباً، يقتلع فى طريقه كل السدود، والحواجز التى عطلته ووقفت فى طريقه، واضطرته لكتم مواهبه فى الرسم.

أحمد بهاء الدين كان هو الأب الروحى لصلاح جاهين وعرابه، أو بتعبير محمود السعدنى كان «المنصة التى انطلق منها صاروخ صلاح جاهين إلى الفضاء الفنى، وكان صاروخا متعدد الدرجات»..

ولم تكن مصادفة أن يطلق صلاح على ابنه الوحيد اسم بهاء، عرفانا وامتنانا لهذا الرجل الذى غير مسار حياته..

منحه بهاء الثقة وشهادة ميلاده كرسام.. ثم يظهر هيكل ليصنع منه أسطورة!

وما زال ملف صلاح جاهين مفتوحا..

Katen Doe

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

صلاح
صلاح
صلاح

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص