شخصيات لها تاريخ «53» أحمد حسنين.. ملك غير متوّج فـى قصر عابدين

رتب «العزومات» الملكية فى رحلة «الملك فؤاد» إلى الصعيد ونجاحه سهل له السفر مع «فاروق» ليكون «كبير الحاشية» المرافقة له فى فترة دراسته فى لندن الملكة «نازلى» أحبته وهى التى طلبت من ولدها «الملك فاروق» أن يوافق على زواجها منه بعد أن طلّق زوجته وهجر أولاده ليكون قريبًا منها اكتشف واحة «الكُفرة» فى صحراء ليبيا والملك فؤاد منعه من قيادة الطائرة وعيّنه فى المفوضية المصرية فى واشنطن وتزوج «لطفيّة» ابنة الوزير المفوض سيف الله يسرى باشا

هو الصعيدى ابن الشيخ الأزهرى، الذى أقام الدنيا ولم يقعدها، وشغل الناس فى حياته، وبعد موتــــه فـــى "فبراير 1946" على كوبرى قصر النيل، وقيل إنه "اغتيال" دبره الإنجليز، والأداة هى سيارة "لورى"، وكما كانت حياته غامضة، كان موته غامضا، وهو "الأفندى" الذى رضى "الملك فؤاد" عنه فرفعه إلى مرتبة كبرى، جعله المسئول عن رعاية "ولى العهد" ـ فاروق ـ فى رحلته التعليمية فى "لندن"، واعتبره المؤتمن على ولده الوحيد، ولكن "أحمد محمد حسنين" استولى على قلب "نازلى" أرملة "الملك أحمد فؤاد" واستولى على عقل "فاروق" الملك الشاب، وأصبح هو الملك الحقيقى غير المتوّج فى قصر عابدين، وكان من آثار سلوكه، ضياع "فاروق" وهروب "نازلى" وانهيار العرش فى وقت قصير، وكأنه كان المفجّر الذى قضى على "حكم عائلة محمد على" الذى دام لمدة قرن ونصف القرن، واستطاع الصمود فى وجه الدولة العثمانية والقوة العسكرية البريطانية الاستعمارية الباطشة.

فى كتابه "البرنسيسة والأفندى" أطلق الكاتب المؤرخ "صلاح عيسى" على شخص "أحمد محمد حسنين" ـ باشا ـ لقب "كومبارس التاريخ"، وهو لقب غير دقيق، لأن "حسنين" ـ وهو اختصار لاسمه واشتهر به تخفيفاـ كان من جذور قوية، متحالفة مع العائلة العلوية الحاكمة، ولها مبررات القوة الكفيلة بوضعها فى موقع متقدم فى التاريخ، وهذا يجعل فكرة "البطولة" و"النجومية" هى الغالبة فى عائلة الرجل الذى كان محل اهتمام ثلاثة ملوك "فؤاد ونازلى وفاروق"، وكان الرأس المدبر للسياسة التى اتبعها "فاروق"، لأنه "ابن الشيخ" الأزهرى الكبير"محمد حسنين العدوى" ولأنه من "بنى عدى" وهى قبيلة "قرشية" قدمت للتاريخ، سيدنا "عمر بن الخطاب" الخليفة الذى فتح "مصر" وبلاد الفرس، وحكم عشر سنوات، استطاع خلالها أن يؤسس "دولة" الإسلام القوية، وخلال البحث فى المراجع المتاحة عن "أحمد محمد حسنين" وجدت له النصير الصديق "محمد التابعى" الصحفى الرائد، الذى كان يملك مجلة "آخر ساعة" ويشترك فى ملكية جريدة "المصرى" ويعتبره "حزب الوفد" واحدا من رجاله، ووجدت الراوى الموظف الكبير "دكتور حسين حسنى" ـ السكرتير الخاص للملك فاروق ـ وله مذكرات منشورة "دار الشروق ـ القاهرة" وفيها توثيق لما شهد عليه من أحداث وقعت داخل "قصر عابدين" ووجدت الناقد المدقق ـ أقصد الكاتب صلاح عيسى ـ الذى اعتمد على المصدرين "التابعى، حسنى" وزاد من عنده التحليل والتفسير لكل ما اتخذه"حسنين" من قرارات، وما حاكه من "مؤامرات"، ومن المهم أيضا الإشارة إلى مرجع مهم هو كتاب "سقوط نظام" وكتبه الصحفى الأشهر "محمد حسنين هيكل" وقدم فيه الأسباب التى أدت إلى سقوط نظام "الملكية الدستورية" الذى ظهر عقب كتابة "دستور 1923" وفى هذا الكتاب بالذات، اهتمام بحادث "4 فبراير 1942" الذى كان "طعنة" فى قلب "حسنين" وكان "بروفة" لما أقدم عليه "الضباط الأحرار" فى 23 يوليو 1952، ورغم تعدد المصادر التى رصدت تاريخ "أحمد أفندى محمد حسنين" و"أحمد بك محمد حسنين" و"أحمد باشا محمد حسنين"، عاش الرجل ومات ولم يعرف الناس حقيقته، لأنه فى اعتقادى ـ رجل مخابرات بريطانيا ـ الذى تلقى تدريبات رفيعة المستوى، فأتقن التمثيل والكتمان والتلوّن، وصدقه الناس.

 بداية الرحلة

قبل أن نقرأ تاريخ "أحمد محمد حسنين" كما رواه "دكتور حسين حسنى" ـ السكرتير الخاص للملك فاروق منذ توليه العرش حتى يوم خلعه فى العام 1952ـ من المهم أن نتعرف إلى "دكتور حسين حسنى" وهو كما ذكر فى مقدمة مذكراته التى صدرت بعنوان "سنوات مع الملك فاروق"، فهو "دكتور" من رجال "الحزب الوطنى" الذى أسسه الزعيم الوطنى "مصطفى كامل" وحصل على "الدكتوراه" من جامعة "مونبلييه" فى فرنسا، وكان موضوعها هو "قناة السويس"، وكانت له سابقة اعتقال، بتهمة الانتماء للحزب الوطنى، وصدر عفو عنه، وعمل فترة فى وزارة الخارجية، ثم أُلحِق بالقصر، بعد نجاحه فى مهمة سياسية ثقافية فى "اليمن"، وفى مذكراته توثيق دقيق لمشاهد ومواقف من حياة "أحمد محمدحسنين" أو "حسنين"، نقرأ منها ما رواه عنه بعد أن ارتقى من "حسنين أفندى" إلى "حسنين بك":

ـ جرت خلال تلك المدة مقابلات عديدة بينى وبين "حسنين بك"، كان يروق له خلالها التبسّط فى الحديث معى فى موضوعات شتى، وعلمت فى ذات الوقت أنه كان فى تلك الفترة محروما من رضا وعطف "الملك فؤاد" بسبب عدم إطاعة الأوامر، بالعودة إلى مصر، عقب محاولته العودة من أوربا على متن طائرة يقودها بمفرده، لكنها سقطت به ونجا من الحادث، ولكنه صمم على معاودة المحاولة، فصدر إليه أمر بالعودة، إلا أنه مضى فى محاولته، فباءت بالفشل مرة أخرى، وكان من جرَّاء ذلك أن غضب "الملك" من هذا التصرف ورفض مساعدته ماديا، لتسديد ثمن الطائرة التى تحطمت، بل رفض مقابلته منذ ذلك الحين.

ويضيف دكتور حسين حسنى:

ـ ذكّرته بالمرة الأولى التى رأيته فيها، وكانت فى "وزارة الداخلية" عشية الإفراج عنى من الاعتقال، فروى لى بهذه المناسبة كيف أنه قبل الحرب العالمية قد سافر إلى فرنسا للدراسة، ولم يلبث سوى سنة واحدة، انتقل بعدها إلى "جامعة أكسفورد"، وكان اللورد "ملنر"ـ الذى لعب دوره المعروف فى المفاوضات المصرية الإنجليزية بعد ثورة 1919ـ هو الذى أشرف على إلحاقه بتلك الجامعة، وظل يواليه بالإشراف طوال دراسته فى "أكسفورد" ولم أعلم ولم أسمح لنفسى بالاستفسار من "حسنين بك" عن منشأ صلته باللورد "ملنر" بل إنه روى لى كيف أنه عندما دعاه اللورد "ملنر" لقضاء نهاية الأسبوع فى قصره الريفى لأول مرة، وقع فى حيرة مما ىجب أن يعطيه للخدم كمنحة نظير القيام بخدمته.

 مشروع عميل

من رواية "دكتور حسين حسنى" عن "حسنين بك" عرفنا أنه كان قريبا من "ملنر" وهو شخص استعمارى، أصبح وزير المستعمرات البريطانية، وهو معروف فى تاريخنا المعاصر، فقد جاءت "لجنة ملنر" مكلفة من مجلس العموم البريطانى بهدف التحقيق فى أسباب "ثورة 1919" وحاولت التواصل مع الساسة المصريين، فى الوقت الذى كان فيه رجال "الوفد المصرى" فى "باريس" بهدف عرض قضية استقلال مصر على مؤتمر الصلح المنعقد فى "فرساى" وكان رد الجماهير المصرية على أعضاء هذه اللجنة، عبارة "اسأل سعد باشا" وهو الرد الذى يعنى أن "الوكيل" المفوّض من الشعب هو "سعد زغلول" الذى رفضت بريطانيا الاعتراف بتمثيله للشعب، رغم وجود "توكيلات" موقعة من كافة الطوائف والجماعات فى القُطر المصرى، ولكن الشاب "أحمد محمد حسنين" التحق بجامعة فرنسية، وبعد سنة دراسية وحيدة انتقل إلى "أكسفورد" بدعم كامل من "ملنر" وهنا يقدم لنا ـ دكتور حسين حسنى التفسير الذى جعلنا نعتبر "حسنين" الطموح، مشروع عميل للاحتلال:

ـ بعد سنتين من إقامته بأكسفورد، أُعلنت الحرب وساد إنجلترا، شعور الحماس الطاغى للانضمام إلى الجيش لنُصرة بلاد "البلجيك" الصغيرة فى مواجهة عدوان "ألمانيا" ولما كانت القوانين لاتسمح بدخول الأجانب إلى الجيش البريطانى، رأت الحكومة الشروع فى تدريب المتطوعين من الطلبة الأجانب فى تشكيل خاص، وكان أن تطوّع الطالب "أحمد محمد حسنين" فى صفوف من تقدموا للتدريب، إلا أنه لم تلبث بريطانيا أن أعلنت الحماية على مصر، وعُيّن سكرتيرا خاصا للجنرال "ماكسويل"ـ قائد جيش الاحتلال ـ وذكر لى أنه كان يأمل من وراء قبول هذا المركز أن يقدم ما يستطيع لخدمة بلاده، ولكنه كان يشعر بشىء من الضيق مما كان يراه من إمارات الاستخفاف من جانب بعض الضباط الذين يترددون على مكتب "ماكسويل" لأنه كان يرتدى الملابس المدنية، ولملافاة ما قد يتعرض له من سوء المعاملة، سمح له بارتداء ملابس ضابط بالجيش البريطانى، وعندما تقرر نقل "ماكسويل" من مصر، طلب إليه أن يختار المركز الذى يود أن ينقل إليه فاختار وزارة الداخلية، وبذلك عُيّن مفتشا بها، وكان ذلك هو السبب فى أننى رأيته فى موقع سكرتير "هورينلور" ـ كبير المفتشين والمشرف على الأمن العام إذ ذاك ـ وسمعت منه أنه عندما شرع السيد "السنوسى" فى أوائل الحرب العالمية الأولى فى تدبير هجوم على الحدود الغربية لمصر لمناصرة "تركيا" فقد اشترك "حسنين" بحكم مركزه مع "ماكسويل" فى التفاوض مع "السنوسيين" لإيقاف حركتهم.

وحسب ما أورد "صلاح عيسى" عن "حفنى محمود" ـ شقيـق محمــــــد باشا محمود ـ وكان زميل "حسنين" فى "أكسفورد" وكان يعادى "ميكافيللى" فيلسوف الانتهازية، صاحب كتاب "الأمير" وشعاره "الغاية تبرر الوسيلة" وفى الوقت ذاته، ضبطه "حفنى" يقرأ فى كتاب "الأمير" وهنا ننتقل إلى قصة "حسنين" مع "الحركة السنوسية" والتفاوض معها، بهدف وقف خطة العدوان على الأراضى المصرية، لنجد أن هذه المشاركة فى المفاوضات أفاد منها "حسنين" فى تسهيل رحلة استكشاف جغرافى مع "روزيتا فوربس" التى تم خلالها اكتشاف واحة "الُكُفرة" فى صحراء ليبيا، ورغم أن "روزيتا" نسبت الكشف المهم لنفسها، إلا أن "حسنين" ذاع صيته، فى الشرق والغرب، فقربه "الملك فؤاد" وعيّنه فى المفوضية المصرية فى واشنطن، وهناك فى أمريكا، التقى "لطفية" ابنة "سيف الله يسرى باشا" ـ الوزير المفوّض المصرى ـ وتزوجها، ليصبح صهر العائلة المالكة، ويصبح الوجه المرضى عنه من "السفير البريطانى" ويصبح "الوسيط" بين السفير والقصر، ولكن هناك حلقة مهمة أنجزها "حسنين" قبل أن يصبح "حسنين باشا" هى حلقة "كسب عطف" الملك فؤاد، الذى فقده بسبب رحلة الطيران التى حاول إتمامها، وتحطمت طائراته ثلاث مرات، ونجا من الموت بأعجوبة، وكان الرجل الذى ساعده على استعادة "العطف الملكى" هو الدكتور "حسين حسنى"، وحدث ذلك أثناء التجهيز لرحلة "الملك فؤاد" إلى الصعيد، بغرض وضع أحجار أساس لبعض المشروعات هناك، واقترح "دكتور حسين" اختيار "حسنين بك" ليكون ضمن طاقم مرافقى الملك فى رحلته، لما له من ثقافة واسعة فى إعداد الولائم التى ستقام على "اليخت" لكبار العشائر وكبار الموظفين، حسب ما رواه "دكتور حسين حسنى" فى مذكراته:

ـ أبديت لكبير الأمناء، أنه نظرا لكثرة الولائم التى ستقام على اليخت لكبار الموظفين والأعيان، فى كل عاصمة أو مديرية ينزل فيها الملك، فإن خبرة "حسنين بك" فى شئون تنظيم الولائم والاستقبالات، ستكون عونا كبيرا له فى تلك الرحلة الطويلة، وبعد مناقشة قصيرة اقتنع برأيى ـ ولو أنه كان يخشى أن لا ينال موافقة الملك، ولكن الملك لم يبدِ اعتراضا، ولمّا أبلغت "حسنين بك" بما حدث، كاد لا يصدقه لطول عهده بنسيانه وإغفال شأنه، وكانت تلك الرحلة فى الواقع فاتحة مرحلة جديدة من حيث اتصاله بالملك، وقد ساعدت الظروف فيما بعدها على تقوية هذا الاتصال، حيث أعقب ذلك قدوم الملك "عمانويل".

 رائد الملك

قبل وفاته بشهور، قرر الملك "فؤاد" إرسال ولده وولى عهده "فاروق" ليدرس العلوم العسكرية فى مدرسة "ساندهيرست" فى لندن، وهى مدرسة مشهورة، تستقبل أبناء العائلة المالكة فى بريطانيا وأبناء الملوك والأمراء من دول العالم، وبدأ التفكير فى اختيار الشخص الذى يرافق "ولى العهد" واستقر الرأى على "عزيز المصرى" و"حسنين بك" وانتهى التفكير إلى منح "حسنين بك" قيادة "الحاشية" المرافقة لولى العهد، فتكون له الحرية الكاملة فى إدارة الفريق الذى يتولى السهر على راحة ولى العهد، ويكون "عزيز المصرى" تحت قيادته، وجرى استئجار قصر صغير مناسب "كنرى هاوس" فى ضاحية "كنجستون" على مقربة من "لندن" وكان سفر "فاروق" فى صيف العام 1935، ومعه ضمن الحاشية "البكباشى عمر فتحى والدكتور عباس الكفراوى" وهنا يروى لنا الدكتور "حسين حسنى" رواية مهمة، وصف فيها ما دار بين "حسنين بك" و"الملك فؤاد" قبل سفره فى مهمة "رائد" ولى العهد، الذى سوف يكون ملك مصر:

ـ فى الليلة السابقة على السفر، اشترك العاملون بديوان "كبير الأمناء" فى إقامة حفلة عشاء بفندق "سيسل" بالإسكندرية تكريما وتوديعا لحسنين بك، وبدا لى صموتا واجما، فانتهزت فرصة جمعتنا على انفراد وسألته عن السبب فى ذلك فقال إنه كان عائدا لتوّه من مقابلة "الملك فؤاد" الذى كان قد طلب أن يراه فى اللحظة الأخيرة، فإن الكلمات التى سمعها من الملك وهو يوصيه بالعناية بابنه قد تركت فى نفسه أثرا عميقا، حيث قال له إنه يستودعه "أمانة" هى أغلى ما لديه، وهى "ولده" ولذلك فإنه يرجو أن يحقق ثقته فيه فيبذل كل الحرص والعناية فى السهر على ما فيه خيره وإعداده للمهمة الكبرى التى تنتظره، وأن يجعل ذلك نُصب عينيه فى كل تصرفاته معه، وأنه سوف يكون مسئولا عن ذلك أمامه وأمام الله، وقد وقعت هذه الكلمات فى نفس "حسنين بك" بما جعله يشعر بثقل المسـئولـيــة الكبـــرى ويسـأل الله أن يعينــه على تحمُّل أعبائها.

ولم يكن "حسنين بك" على مستوى المسئولية، بل كان يمثل دورا، حسب ما قاله عنه ـ الكاتب والمؤرخ صلاح عيسى ـ فى كتابه "البرنسيسة والأفندى" فى فصل حمل عنوان "خطة راسبوتين"..

ـ والحقيقة أنه كما يجزم الذين عرفوه عن قُرب، كان ممثلا باهرا، فقد كان التمثيل إحدى هواياته المحببة له وهو طالب، حتى أنه فكر فى أن يحترف "التمثيل"، لولا معارضة أبيه، الذى اضطر لضربه ثلاث مرات، كى يقلع عن هذه الفكرة، وقد رأس فيما بعد "جمعية أنصار التمثيل" وكان حريصا على مشاهدة تجارب المسرحيات التى تقدمها الجمعية، ومناقشة الممثلين فى الطريقة التى يؤدّون بها أدوارهم، وظل طوال حياته قريبا من أهل الفن، ومجالس الطرب، وصديقا وفى بعض الأحيان عاشقا لكل نجوم التمثيل فى عصره، وإليه يعود الفضل فى دخول الفرق المسرحية ـ خاصــــــة فرقــــــة الريحــــــانى ـ إلى "قصر عابدين" لتقدم عروضها أمام "الملك فاروق" وشقيقاته، وكان يبدى ملاحظات ثاقبة، على الطريقة التى يؤدى بها الممثلون أدوارهم، حتى إن واحدةً من أكبر ممثلات المسرح فى ذلك العصر وهى "زينب صدقى" قالت مرة إن عدم اشتغال حسنين باشا بالإخراج والتمثيل، خسارة كبرى للمسرح، ويقول عنه "حفنى محمود باشا" الذى عرفه فى العام 1911، حين كانا يدرسان معا فى "جامعة أكسفورد" إنه لم يتعب فى فهم صديق له، كما تعب فى فهم "حسنين" إذ ما يكاد يكشف عن ناحية من أخلاقه، بعد جهد طويل، فهو محوط بالأسرار من كل جانب، وإذا تأملت تقاطيعه وجدتها أقرب إلى ما تقرأ عن السحرة والكُهّان، يحيا حياة الخشونة، ولا يأنف من حياة الترف واللهو، وقد يجمع بينهما فى يوم واحد.

ومرة أخرى نقول، لم يكن "حسنين بك" وفيا للملك "فؤاد"، فهو استولى على عقل ولده المراهق "فاروق" واستولى على قلب الملكة الأم، الأرملة التى كسرت الطوق، وتركت نزواتها تعبث بها، وتنزلها من عرش الملكة، إلى حضيض التدنّى، فشاعت أخبار مغامراتها، وكان "حسنين" هو الحبيب الذى سيطر على قلبها، فأصبح هو الملك، غير المتوّج فى قصر عابدين، وكان ـ دكتور حسين حسنى "السكرتير الخاص للملك فاروق" هو الشاهد:

فى صباح اليوم التالى لوصول الملك الشاب، وجدت "حسنين بك" مبتهجا وقال لى: حدثت فى الليلة الماضية مفاجأة سارة، لم يكن يتوقعها، فإن الملك دعاه فى المساء إلى الطابق العلوى بقصر القبة، وطلب منه أن ينتظر قليلا فى إحدى القاعات، ثم إذا به يعود ومعه والدته "الملكة نازلى" فكانت مفاجأة اضطرب لها، ولكن الملكة قالت له إنها بعد كل الذى سمعته من ابنها عن مبلغ عنايته به أثناء وجوده معه فى إنحلترا، حرصت على أن تلقاه لتعرب له عن مدى تقديرها لكل ما بذله، نحو "فاروق" ولتطلب منه أن يستمر فى موالاته بالعناية والإرشاد، وقال: "حسنين بك" إن "الملكة نازلى" استبقته مدةً تبادله حديثا كله عطف ومودة، وقد بات ليلته سعيدا، متأثرا بما أبداه "الملك" الشاب من تقدير فى الكلمات التى قدمه بها إلى والدته، حيث ذكر أنه رأى أن من أول واجباته أن يقدم لها "الرجل" الذى أحاطه بكل إخلاص وعناية، كما أن الملكة أغدقت عليه كلمات الثناء والتقدير ..

 نهاية الرحلة

ومضت السنوات و"نازلى" الملكة "عشقت" الرحالة الصعيدى، الوسيم، الفارس، وهو استخدمها فأصبح لقبه "حسنين باشا" رئيس الديوان الملكى، وأصبح "المايسترو" الذى يقود الحياة السيــــــاسية مــــــن "قصر عابدين" وهو من فرض على "الملك فاروق" أن يطلب منه الزواج من أمه "الملكة نازلى" وكان "حسنين بك" طلّق زوجته "لطفية سيف الله يسرى" ابنة "شويكار" مطلقة "الملك فؤاد" لما طبعت قصائد "بيرم التونسى" التى تضمنت هجاء وتعريضا بالملك "فؤاد" و"نازلى"، طلقها ليخطو خطوة أعلى فى طريق الصعود فى القصر، لكنه تلقى طعنة فــــــى يوم "4 فبراير 1942" لما اقتحم السفير البريطانى "مايلز لامبسون" قصر عابدين بقوات، وهدم سور "قصر عابدين" واعتدى على الحرس الملكى وأجبر الملك فاروق على تكليف "مصطفى النحاس" بتشكيل حكومة وفدية، وقضى "حسنين باشا" فترة قصيرة، استوعب خلالها "الطعنة" وردها للوفد، بالوقيعة بين "مكرم عبيد" و"مصطفى النحاس" وحدث الشرخ الكبير، وضعف "الحزب الشعبى" وهو بهذه المؤامرة "رد الكف" للزعيم "مصطفى النحاس" وفى يــــــوم "19 فبراير 1946"، عند الساعة الثالثة بعد الظهر، غادر "حسنين باشا" قصر عابدين فى سيارته متجها إلى بيته فى "الدقى" وعندما كانت سيارة "لورى" تابعة لقوات الجيش البريطانى تسير بسرعة، اصطدمت بسيارة "حسنين باشا"، وتصادف لحظة وقوع الحادث، وجود وزير الزراعة، وحاول إنقاذ "حسنين" لكن روحه فاضت قبل الوصول إلى أقرب مستشفى.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ابراهيم3
الشيخ
كريم ثابت.. عين بريطانيا علــى «فاروق» فى قصر عابدين
قؤاد
ماهر
فتحية
نازلي
رياض

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص