رأى الحاج إبراهيم فى حمل امرأته، إجابة من الله على دعاء قديم، ردده طوال أيام زواجه الأول من "بنت الشيخ طه"، جعله فى نهاية صلواته، أضافه لأوراده المسائية، "رب لا تذرنى فردا وأنت خير الوارثين".
وظل يردده حتى تركته بنت الشيخ طه ورحلت، وبلغ السبعين من عمره، ولم ينجب.
الآن، تتوالى النفحات والهبات الإلهية، رأها معجزة كتلك التى عاشها زكريا حين تأكد له خبر الحمل، بكى وهو ساجد، الحمد لله على المنع قبل العطاء، طلب منه الابن، فأتى له أولا بـ "عبدالغفار"، وزاد من العطاء، فوهبه حملا جديدا وبشرى، تساءل عن الحكمة، ثم انتهى عند قول الله:" قال كذلك يفعل الله ما يشاء".
نذر المولود المقبل لخدمة الله، قال للشيخ صالح إنه سيسميه "عبد الوهاب"، وأنه سيتركه فى خدمة ساحة الجيلانى 10 سنوات، "نذرا لله" واعترافا بفضل صاحب الساحة وسادتها الكرام، "لقد وجدت فيها ما لم أجده فى بيتى، وبين أهلى".
******
أخذ السيل فى وجهه المنازل والبهائم وأتلف الأرض.
مات فى "ضرار"، 20 رجلا وامرأة وطفلا، كل فى حكايته، ومن البهائم العشرات، ردم السيل آبيار القرية الثلاثة، ولم يترك بيتا دون أن ينال منه.. بات الناس لأيام فى الشوارع بدون أسقف على رؤوس أطفالهم، والآن يحاولون لملمت ما بقى من أموالهم وأنفسهم.
فى أثناء انشغال الناس بتلك المصيبة، التقطت "محروسة" الأطرش الأخرس "سلامه"، كانت تريد معرفة تفاصيل رحلة عمها، وهى تجيد التفاهم معه، أشار سلامه، بأنه ترك الحاج إبراهيم فى القصير مع ابنه وزوجته، وأنه سيبقى هناك لوقت أطول، وأنه طلب منه أن يعود إليه نهاية الحول ببعض المؤن.
صنعت له كوب ماء بدقيق،: "بل ريقك الأول"، وفور أن انتهى، بدأت تحدثه بالشفاه والإشارة،: أنت تعلم بالخلافات الواقعة بين "خطار" أخى و"فاوى" بعدما قال إن الحاج إبراهيم متزوج وله ولد، وتعلم عصبية "خطار"، وربما يتهور عليك، فلا داعى أن تتصدر المشهد، دع الحاج إبراهيم، يبلغ الأمر بنفسه لأولاد أخيه، "خطار".. مهما وصل به العصبية لا يستطيع أن يقف أمام عمه، على عكس ما سيتعامل به مع أى شخص غيره.
لا تتحدث مع أحد فى قصة امرأة الحاج إبراهيم وابنه، وإن سألك البعض عن الحاج إبراهيم، قل كما اعتدت أن تقول لنا: تركته عند الشيخ الجيلاني، يذكر الله، ويمدح مع المادحين، وفى نهاية الحول أنا من سيجهز لك المؤن، حتى توصلها إليه، وإن شاء الله يعود لنا بالسلامة.
"دا عمك طلع صح متجوز وحداه واد".
لم تنتظر مجىء "خطار" من الزرع لتخبره، هى من ذهبت إليه، لمحها قادمة، فترك فأسه ومن معه من المؤجرين العاملين بالأرض، تقدم ناحيتها يملؤه العرق، فقالت محروسة جملتها.
أحمّر وجهه، حتى ظهرت عروق جبهته، "بيمين ما يحصل".
وقبل أن يتعصب أكثر، أشارت بيدها ليهدأ ويتوقف: "أنت ايه عاوز؟ عاوز لأرض؟ أنا هاخليك تاخد لأرض، بس على شرط، تمشى ورايا".
*****
دبت الحياة فى الجسد الكهل، فأعادت إليه النشاط والحيوية.
منذ أن عرف الحاج إبراهيم، إن امرأته حامل، وهو يستيقظ مبكرا، يجهز لها الفطار، ويكنس البيت، ويتفنن فى عمل أكلات مختلفة، ويلح عليها دائما بالراحة، وهى تسجيب إرضاءً له، ومضت الأيام هكذا، حتى جاء الطلق.
"مبرووك يا حاج، جاتلك بنية زى فلقة القمر".
قال فى نفسه كما قالت مريم البتول: "إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى"، راح علقه وجاب، ثم انتهى لأن "لله فى حكمه شئون"، ولا "يسأل عما يفعل وهم يسألون".
لم يكن يشغله فى تلك اللحظة رؤية ابنته الوليدة، كان مع الله، يسبح بحمد العلى القدير.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، مُنوِّرِ أبْصَارِ العَارفِينَ بِنُورَ المعْرفَةِ واليَقِينِ، وجَاذِبِ أَزِمَّةِ أسْرَارِ الـمـُحقِّقينَ بِجَذَبَاتِ القُرْبِ والتَّمْكِينِ، فَاتِحِ أقْفَالِ قُلُوبِ الـمـُوَحِّدينَ بِفَاتِحةِ التَّوْحيدِ والفَتْحِ الـمـُبينِ، الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ.
وقبل أن ينتهى، سمع صرخة الوليدة، فترك ما يردده، وهرول إليها.
****
"لافتح الصندوق والله لـ لابسها/ من حرير الهند عينى وألبسها".
يغنى الصيادون، وقت مرور الحاج إبراهيم على الميناء القديم، وفى يده "مكة"، تمشى جواره ببطء، وقد بلغت من العمر ثلاث سنوات.
ثلاث سنوات، بدا فيها العمر عند الحاج إبراهيم كمن يمشى للوراء لا للأمام، لقد تخلى عن وحدته القديمة، لم يعد يستكن إليها، كان يخرج السوق، ويهتم بشئون الحياة.
حــلــوة الـحيـاة بعـد أن أصبـح فيهــا "وطفــة" و"عبد الغفار"، أحلى وأحلى بعد أن أصبح لها طعم بـ"مكة". يوما ما، جلس يناجى ربه: يا الله، لقد وهبت لى بدل الفرد ثلاثة، أحبهم جميعا، لكن قلبى معلق أكثر بمكة.
ليس فقط لأنها من صلبه، فهى تمسك جوارحه، بوجهها البشوش، وابتسامتها الدائمة، بهرولتها إليه كلما لمحته داخلا إلى البيت، بحضنها، ورفقها بأمها، وعطائها المتناهى لأخيها.
كانت معاملته مفعمة بالمحبة مع امرأته وابنها، لكن معاملته مع "مكة" يسبقها قلبه، "اللهم هذا فعلى فيما أملك، فلا تلومنى فيما تملك ولا أملك".
شعر بذلك "عبد الغفار"، فشبت فى نفسه الغيرة من الصغيرة، كان إذا انصرف انتباه الحاج إبراهيم عنه وعنها، ضرب "مكة".
ذات يوم، دخل الحاج إبراهيم البيت مسرعا، على سماع صوت بكاء "مكة"، سألها عن السبب وهو يمسح دموعها، فأشارت إلى "عبد الغفار"، فنهره، قال له:"لو ضربت أختك هاقطع رقبتك، خابر ولا مش خابر".
تعرف "وطفة" أن قلب الحاج إبراهيم يميل إلى مكة أكثر، فتسلل إليها الشيطان يوسوس: كان يحب "عبدالغفار" وهو لم ينجب، وحين أنجب تحول عنه، ألا يمكنه بالفعل أن يقطع رقبته يوما ما.
بعد أن نام الطفلان، سألته: "مش أنت قلت يا حاج، أنك نادر المولود لخدمة الساحة 10 سنين، إيش هتسوى؟، هتودى "مكة"؟ وكيف.. والساحة لا يخدم فيها غير الذكور؟
كانت تريد لفت انتبــاهه إلى كون مكة أنثى، بينما "عبد الغفار" هو الذكر، هو الرابح فى كل مكان، بينما عقل الحاج، أخذه إلى سؤال آخر،: كيف يوفى بالنذر؟
فى الصباح، طرح السؤال على صديقه الشيخ صالح، فأجابه: "لا جناح عليك يا حاج إبراهيم، عندما تكبر يمكنها أن تخدم الساحة من البيت، فالسيدات يجهزن الخبز فى البيوت".
الحاج إبراهيم لن ينتظر حتى تكبر، إنه يريد أن يوفى بالنذر سريعا، حتى إذا ما بقى فى العمر شىء، عاد بهم إلى "ضرار"، حيث أهله وأرضه وماله.
فى اليوم التالى، اشترى للطفلة ملابس ولد، وعممها، وأخذها معه إلى الساحة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تعد دبي واحدة من أكثر المدن الحديثة تطورًا في العالم، حيث تجمع بين ناطحات السحاب الفاخرة والمراكز التجارية الضخمة والشواطئ...
تشمل السيارات الاقتصادية و الرياضية والفاخرة، إضافة إلى السيارات الكهربائية الحديثة. هذا التنوع يجعل الإمارات وجهة مميزة للراغبين في شراء...
أيهما يحمل الآخر، الفتاة النحيفة التي تقبض بكفها الهشة على خصر الفانوس العملاق، وقد اختفى أغلب جسدها الهش خلف جرمه...
ينتمى إلى بنى عُدىّ وأخواله من بنى مخزوم فهو قرشىّ أصيل كان يقوم بدور سفير قريش لدى قبائل العرب الأخرى...