منذ أن دخلت بيت الشيخ صالح، وهى تفكر فيما بعد، كيف تستمر فى تلك الحياة دون أن تكون هى وابنها عالة على أحد، صحيح إن الشيخ صالح وأهل بيته يعاملونها معاملة طيبة، لم تجدها فى حياتها الأولى مع أبيها، لكن هذه المعاملة تحملها عيون ممتلئة بالشفقة، وهو إحساس لا تحبه ولا تستطيع الاعتياد عليه.
لا يمكن لها أن تستمر هكذا، لن تستطيع البقاء طويلا فى هذا البيت.
يوما ما، خرجت مع فاطمة – ابنة الشيخ صالح- إلى السوق ليشتريا السمك، كان البائع يحاسب الصياد، " أنت إلك عندى اتنين باره"، شعرت بالضيق حين فهمت أن التاجر يبيع السمك بضعف السعر الذى حصل عليه من الصياد، مع أنه لم يركب "القطيرة" ولم يرمِ الشبك، ولم ينتظر حتى يأتيه الرزق.
العالم ليس بعادل هنا أيضا.
فى الصباح الباكر، وقبل أن تمد الشمس أشعتها، خرجت "وطفة" حاملة ابنها على كتفها، حتى وصلت الميناء، وهناك سألت عن الريس "سباق".
- خير يا أختى؟
- مو فاكرنى، انا اللى إجت معك من الحجاز قيمة 5 أشهر.
- يا أهلا بأهل الحجاز، كيف أساعدك؟
******
ساحرة "القصير" فى الصباح، تخرج الشمس من قاع البحر ببطء، وكأنها تفيق من نوم عميق مضى، تتثاءب، فتتلألأ مياه البحر فرحا، يا له من منظر، سبحان الخالق الوهاب.
يتأمل الحاج إبراهيم المنظر، وهو يسبح بعظمة الخالق وصفاته العليا، من قدر كل هذا الجمال، لن يتركه وحيدًا.
وصل الحاج إبراهيم إلى ساحة الشيخ الجيلانى، أشار إلى تابعه "سلامة" كى ينخ الجمل تحت الشجرة العتيقة، حمل "سلامة" الهدايا التى جلبها الحاج إبراهيم من سوق قوص، ومضى خلفه حتى وضعها ورصها فى حجرة الشيخ صالح.
صلى الشيخ إبراهيم الضحى، ثم مدد جسده فى الحجرة ونام، حتى يأتى صديقه من البيت، حاملا الفطور ، إنها العادة فى كل زيارة.
لم يأتِ الشيخ صالح الساحة مبكرا فى هذا اليوم، فقد أوقظته امرأته على خبر غياب "وطفة"، جالت فى عقلة مشاهد عدة، رآها وهى تركب القطيرة عائدة إلى الحجاز، ورآها وهى تدفن ابنها فى الصحراء بينما الرضيع يصرخ، ثم رآها واقفة ترفع يدها للسماء بينما يشع منهما ذهب وفضة.
فى النهاية قال لأهل بيته: "لا تقلقوا ستعود".
زيتون وتمر وخبز وحليب، جاء الشيخ صالح بالفطور، أوقظ صديقه، ورحب به، وما أن مد الحاج إبراهيم يده نحو الطعام، وقد بدا مقبلا عليه، حتى دخل فى الموضوع مباشرة.
- أنا جبت الشوار يا شيخ صالح.
- لمين يا راجل يا عجوز؟
- للست اللى على كتفها واد.
- مش لما تعرف اسمها الأول.
- ما تفرق الأسماء، اللى يفرق الزول عم يحس بإيه، وأنا حسيت وريت.
- وريت إيه؟
- ريتها فى المنام مرتى وولدها ولدى، وجيت أخدها معاى.
- دا أمر صاحبة الشأن.
- نسألها.
- مش لما نعرف هى فين الأول، وبعدين نسألها، طلعت من الصبح ما قالت لفين وما عادت.
وقفت اللقمة فى زور الحاج إبراهيم، فأخرجها.
********
يغنى الصيادون: "دا حبيبى مركبه بيجرى، وروحه ع الناس تسرى، وليه الهجر يا خلي"، بينما يقف الشيح صالح والحاج إبراهيم يسألان أهل الميناء، عن امرأة شابة تحمل طفلا صغيرا، وترتدى "عصابة" تغطى الأنف والفم، يستطرد الحاج إبراهيم فى وصفها لصياد: "العيون واسعة وسوداء، رموشها طويلة، حواجبها عريضة مرسومة، الأكتاف رقيقة، والقامة مصقولة، الجسد لا ممتلئ ولا نحيف، تنظر بخجل وتتحدث بحياء".
كيف عرف الحاج إبراهيم تلك الأوصاف، مع أنها عاشت فى بيتى 5 أشهر، ولا أعرفها؟ تساءل الشيخ صالح بينه وبين نفسه، ثم ابتسم ضاحكا وهو يتطلع فى وجه صديقه الكهل الولهان.
*****
"حى يا سمك.. يا سمك حى"، كانت تنادى، فوق رأسها طشت، وعلى كتفها الصغير.
اهتدى عقلها إلى أن تبيع السمك، ضمنها الريس سباق عند الصيادين، فأعطوها بالآجل، وكانوا كرماء حين منحوها طشت حتى تظل البضاعة طازجة، لم تكن تعلم أن فكرتها ستنجح، ولذلك لم تخبرهم فى البيت حين خرجت، قالت لنفسها: إن نجحت فقد وجدت طريقى وسيفرحون لى، وإن لم أنجح، لا داعى لأن يعرف أحد بخيبتى.
تحدثت "وطفة"، أمام الشيخ صالح، بينما عيناها فى الأرض احتراما وحياءً، وكان قد عثر عليها مع الحاج إبراهيم، بجوار "الطابية" عند القلعة، تبيع آخر ما تبقى فى الطشت.
لم ينتبه الحاج إبراهيم للحديث بالكامل، كان شغفه بالصغير أكبر، فقد حمله عنها فور لقائه بها، وظل يداعبه حتى عودتهم إلى بيت الشيخ صالح.
تلقفها أهل البيت بالأحضان، كتلك التى تليق بعودة المسافرين، بينما ذهب الصديقان إلى الساحة، فقد حان العصر.
بعد صلاة العصر عاد الشيخ صالح إلى البيت، وطلب "وطفة"، ثم عرض عليها ما يريده الحاج إبراهيم، الزواج، فأخرجت كيسا صغيرا كانت تعلقه فى رقبتها، وأفرغته فى يدها، كانت نقودا معدنية.
- إيه دا يا بنتى.
- ما تحصلت عليه من بيع السمك، للصيادين نصفهم، هاسدده باكر وأنا باتحصل على السمك الجديد، والباقى إلى.
- وإيه علاقة ده بعرض الحاج إبراهيم.
- عارفه إنى أثقلت عليكم، طوال الفترة ....
- (يقاطعها)، القول ده هيزعلنى، ما تكمليه يا بنتى.
- (تعيد النظر إلى الأرض)، ما تاخدنى يا شيخ، ما أريد قوله، إن اليوم اشتريت وبعت والله وفق، وبدى أحوش مال، كى أنصب خيمة وأعيش فيها أنا وولدى.
- تعيش خيمة؟!
- اتولدت فيها وعشت ما سبق من حياتى معها، وما عرفت عيشة لبيوت غير وياكم، وبدى تساعدنى يا عم الشيخ.
- يعنى أقول إيه للراجل اللى مستنى بره.
- قول إله عرضك على الراس، بس بنتى ما تبغى الزواج، بدها تكد لتربى ولدها.
ألح الحاج إبراهيم أن يسمع الرد بنفسه، وتحت وطأة إلحاحه، طلبها الشيخ صالح، وحضرت إلى ساحة سيدى الجيلانى.
"قبل آه أو لا، عندى كلمتين: ربنا سبحانه وتعالى أعطانى من الخير كتير، أعطانى الأرض والمال، وما أعطانى العيل، وأنا راجل كبرت فى السن، ما عايز زوجة ألعب معاها، أنا عايز تكون أرضى للى محتاج ليها، واسمى يحمله اللى محتاج ليه، وريتك أنت فى أرضى وسمعت اسمى مع ولدك، فكرى زين وما تتعجلى، معك أسبوع، وأيا كان الرد أنا راضى بأمر الله".
أصر الحاج إبراهيم أن تأخذ الهدايا التى اشتراها لها، أخذتها على مضض بعد إلحاح من الشيخ صالح، غير أنها رفضت أن تأخذ أى هدايا متعلقة بالعرس.
مر أسبوع وهى تبيع السمك وتكسب، تكسب المال وثقة الصيادين، وكل يوم يزداد تمسكها بقناعتها، غير أن اليوم السابع غير العادلة، حين سألها أحد المشترين، وهو يلاعب الطفل، عن اسمه واسم والده.
وقتها فقط، وافقت على الزواج من الرجل الذى سيعطى لابنها اسمه، بل وقررت أن تعيش تحت قدميه خادمة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تعد دبي واحدة من أكثر المدن الحديثة تطورًا في العالم، حيث تجمع بين ناطحات السحاب الفاخرة والمراكز التجارية الضخمة والشواطئ...
تشمل السيارات الاقتصادية و الرياضية والفاخرة، إضافة إلى السيارات الكهربائية الحديثة. هذا التنوع يجعل الإمارات وجهة مميزة للراغبين في شراء...
أيهما يحمل الآخر، الفتاة النحيفة التي تقبض بكفها الهشة على خصر الفانوس العملاق، وقد اختفى أغلب جسدها الهش خلف جرمه...
ينتمى إلى بنى عُدىّ وأخواله من بنى مخزوم فهو قرشىّ أصيل كان يقوم بدور سفير قريش لدى قبائل العرب الأخرى...