في ذكرى الأستاذ.. محمد حسنين هيكل كما عرفته

فى آخر مقابلة لى مع الأستاذ محمد حسنين هيكل قبل استئذانه من قرائه فى الانصراف بعد بلوغه الثمانين ، كان كريما وسخيا معى إلى أبعد الحدود ، إلى درجة أنه قام ليودعنى حتى باب الأسانسير وسألنى : لماذا لا تكتب فى "وجهات نظر" ؟ - المجلة الشهرية التى اختار أن يكتب فيها مقالا شهريا بعد حصاره فى الصحف القومية - وظل واقفا وأنا أستعرض  معه نوعية الموضوعات التى سأكتب فيها ، حتى جاء الأسانسير ، فحييته مودعا . . وكان قد سألنى محرجا حين أهديته أحد كتبى ، فقال لى : "  بردون " كم تقاضيت عن هذا الكتاب ؟، فلما أخبرته ، استقلها ، وطلب منى أن أقدم عرضا للكتاب نفسه بمجلة "وجهات نظر" مقابل ألف جنيه . فقد تعودت كلما صدر لى كتاب جديد أن أطلب مقابلته لإهدائه له ، فيتصفح صفحاته سريعا ويلقى نظرة على العناوين ويناقشنى فى بعض ما لفت نظره ، بعد أن أكون قد شرحت له فى عجالة فكرة الكتاب ومضمونه .

وللحقيقة فلم أكن واثقا أن الأستاذ هيكل يقرأ كتبى التى أهديها إليه ، حتى وجدته فى إحدى مقابلاتى معه يبدى إعجابه بكتاب " رسائل خاصة جدا "  الذى يتضمن الخطابات الشخصية التى أرسلها صديقه القديم توفيق الحكيم إلى " هيدى " أرملة ابنه الراحل إسماعيل ، وتتناول الرسائل  ضعف الحكيم الإنساني ، وقلة حيلته أمام فراق من كانت تؤنسه فى شيخوخته ، بعد أن ظلت صامدة معه لمدة خمسة شهور تواسيه وتخفف عنه بعد أن فارقته الزوجة ، وأخيرا الابن ، فشعر بارتباط أبوى نحوها فهمه البعض على أنه حب وغرام  ، هكذا قرأوا خطابات الحكيم إلى أرملة ابنه ، خاصة بعد أن عزمت على الزواج  ، فهددها بأنه سيعلن فى الصحف أنها خانته – أى تركته وحيدا – ولم يصدق  أحد أن الرجل أحب أرملة ابنه حبا أبويا لا حبا غراميا ، فقد ملأت عليه حياته بعد رحيل زوجته وابنه الوحيد ، فى الوقت الذى كانت فيه ابنته زينب بعيدة عنه ، لإقامتها مع زوجها فى الإسكندرية . ولكن ضاع صوتى سدى ، فأحمد رجب الكاتب الساخر قال لى إن خطابات الحكيم لأرملة ابنه لا توحى إلا بشىء واحد هو وجود علاقة حب على الأقل من طرف واحد هو توفيق الحكيم .. وهكذا اعتقد آخرون .

ولم أكن بعد قد سمعت رأى الأستاذ هيكل ، ولكنه أبدى إعجابه بالأبعاد النفسية التى تضمنها  الكتاب ،وقال لى إنه - أى الكتاب - يحتاج مخرجا كبيرا لتصوير الانفعالات النفسية والإنسانية للعلاقة بين الحكيم وأرملة ابنه . ولم يكن المخرج توفيق صالح  بعيدا عن فكرة تحويل هذا الكتاب إلى فيلم - حدثني هو بنفسه ، لولا أنه خشى عدم موافقة أسرة الحكيم .

 وراح الأستاذ هيكل يحدثنى عن صداقته للحكيم ، وكيف أنهما كانا يتناول معا طعام الغداءفى كافيتريا  "الأهرام" ويدخلان السينما معا من 6- 9 .

وفوجئت بالعدد الأول لمجلة " الكتب.. وجهات نظر" يتصدر غلافها صورة كبيرة لتوفيق الحكيم تحت عنوان مثير هو "  توفيق الحكيم وغرام آخر العمر" على مساحة خمس صفحات من القطع الكبير الذى صدرت به "المجلة" ، وقد عبرت الصفحة الأدبية بجريدتي "الأهرام" و"الوفد" عن دهشتهما لاحتفاء مجلة جديدة بكتاب قديم صدر قبل حوالي ست سنوات . وبدا لى أن الأستاذ هيكل قد أوصى بعرض الكتاب ،  وإن كان رجاء النقاش قد أكد لي أن هيكل هو كاتب المقال بإمضاء مستعار ، فهل ما فعله هيكل كان نوعا من الانتقام من توفيق الحكيم بسبب كتابه " عودة الوعي " الذى فتح الباب واسعا أمام انتقاد تجربة الثورة وزعيمها جمال عبد الناصر ؟! ، وكان كتابي الذى أهديته لهيكل هو وسيلته للتعريض بالحكيم . فهل تم استخدامي فى الصراع بين الكاتبين الكبيرين دون أن أدري ؟!.

***

 لم يكن هيكل  شريكا ماديا بالمجلة كما أعلن وأوضح ، إلا أنه كان شريكا أدبيا ، ولا أعتقد أن صفحات المجلة وعناوينها كانت تمر بغير معرفته بها وعرضها عليه قبل النشر  وقد أكد لى هذا الظن أنني ذهبت ذات يوم  إلى مجلة  "وجهات نظر " لتسليم موضوع لى تضمن رسالة لطه حسين إلى زوج ابنته د. محمد حسن الزيات – الذى أصبح وزيرا للخارجية - يدعوه فيها إلى تأييد ثورة يوليو ، مع شرح مستفيض لوجهة نظر عميد الأدب العربي فى إيجابيات الثورة .. وقيل لى إن رئيس التحرير سلامة أحمد سلامة فى اجتماع التحرير ، وبعد انتهاء الاجتماع فوجئت بأن الأستاذ هيكل كان حاضرا ومعه إبراهيم المعلم صاحب "دار الشروق" التى تصدر عنها المجلة ، ومعهم الفنان حلمى التونى المخرج الفنى للمجلة ، فأعطيت هيكل مقالى ، فألقى نظرة على العناوين وأعطاه لرئيس التحرير موصيا بنشره فى العدد التالى مباشرة – شهر يوليو- بمناسبة الذكرى الـ 49 لثورة يوليو ، وكان هو الموضوع التالى لمقال هيكل على الغلاف ، ولكنها فرحة ما تمت .. فقد فوجئت بنشر رسالة طه حسين - أساس المقال -  مع اختزال المقدمة إلى بضعة سطور وتصغير ، اسمى إلى بنط أصغر من كتاب المجلة ، وشعرت أن ظهورى أمام رئيس التحرير والمشرف الفنى بما يعنى معرفتى لهيكل ومعرفته بى قد أثار الغيرة ، فمن يكون هذا الشاب المجهول الذى يعرفه هيكل ويوصى بنشر  مقالاته بين كبار الكتاب ؟! وكان أيمن الصياد مدير التحرير آنذاك ومستشار الرئيس محمد مرسى بعد ذلك ،  قد عمل على اضطهادى بحركات صغيرة لإفساد كتاباتى واللعب فيها ، مما جعلنى أعرض عن الكتابة رغم الإغراء المادى للمقال بألف جنيه – ولم تقنعنى مبررات أحمد سلامة لاختزال مقالى دون أن يستشيرنى مما جعلني أشكو لهيكل من سوء ما فعلوه بى ، وأبلغته استيائى عن طريق سكرتيره منير عساف الذى كان متعاطفا معى إلى أبعد الحدود.

محمد حسنين هيكل

ولما كنت قد عثرت على صورة لهيكل والحكيم  وسارتر أثناء زيارته لمصر ، فقد أخبرنى هيكل أنه ليس لديه هذه الصورة بالذات ، وحاول أن يتذكر مكانها من القاهرة فلم يعرف ، وأهديته نسخة منها .. وكان ذلك أُثناء إهدائى  له كتابي " أشعار توفيق الحكيم " ،  والذى تضمن نص ديوان شعر بالفرنسية لتوفيق الحكيم ، راح هيكل يقرأ بعض سطوره ، وعلق بأن فرنسية توفيق الحكيم ليست جيدة – وأضاف : أنه الآن  فهم سر عدم ترحيب الحكيم بمصاحبة سارتر فى زيارته للقاهرة ، عندما  عرض عليه هيكل ذلك باعتبار أن أنسب مرافق لسارتر هو الحكيم  ، ولكنه اعتذر – يقول هيكل : ولم أفهم سببا لاعتذاره ، غير أنه كان صامتا أغلب الوقت لا يشارك في الحوار ، ويبدو أن لغته الفرنسية لم تكن تسعفه ، و هو ما يبدو الآن فى أشعاره التى كتبها بالفرنسية ، ففيها جمل وعبارات غير مضبوطة فى تركيباتها اللغوية !

***

 وأثناء حياة توفيق الحكيم أخبرنى أنه كان يرسل بخطابات إلى هيكل ، وطلب منى العمل على استردادها ، وقد حاولت مع هيكل ووعدنى خلال شهر أنه سيعطينى هذه الخطابات ، ولكن ذلك لم يحدث أبدا.

وحين أهديت هيكل كتابى " فى براح الفكر.. كتاب لم ينشر للسندباد  د. حسين فوزى" ، لفت نظره أثناء تفحصه حكاية زيارته لإسرائيل والتى اعتبرها هيكل – وياللغرابة - لم تكن زيارة سياسية ولا تعبر عن موقف سياسى للسندباد بقدر ما تعبر عن  حبه ورغبته فى الاستكشاف . وإذن فقد نفى هيكل عن د .حسين فوزى ما لحق به من مظنة تشيعه للسلام مع إسرائيل ، وقد طلبت من هيكل بعد ذلك تضمين  رأيه فى كتابى الجديد " أساتذتى .. نجيب محفوظ " ، حيث اختار نجيب محفوظ  د.حسين فوزى كواحد من أساتذته ، فوجب الاستدراك لإثبات نوع من الدفاع عنه أبداه هيكل الذى رحب وأرسل لى رأيه مكتوبا على الكمبيوتر عن طريق فاكس دار نشر " ميريت " التى نشرت الطبعة الأولى للكتاب والتى ضمنتها وجهة نظر الأستاذ  مع تنويه بارز بعنوان " مقدمة وتوضيح من هيكل " ، وكان ذلك سببا فى نفي كتاب " أساتذتى " من إعادة طبعه ب" مكتبة الأسرة "  رغم عرضه أكثر من مرة عن طريق الناشر والمؤلف  على د. سمير سرحان رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب ، فقد كان اسم هيكل كفيلا باستبعاد الكتاب ، بعد أن تم استبعاد هيكل من برنامج الندوات الثقافية لمعرض الكتاب السنوي ، والذى دعي إليه هيكل مرة واحدة ، فجاء لسماعه أعداد غفيرة – كنت واحدا منهم - ضاقت بهم قاعة  الندوات ، فوقفوا خارجها ، وهو ما أزعج نظام حسني مبارك ، رغم أن هيكل فى هذه الندوة قال إن الديموقراطية المصرية هي الديموقراطية الوحيدة فى المنطقة ، ومع ذلك كان النظام يتوجس من هيكل خيفة ، لأنه كان أحيانا يغرد خارج السرب .

هيكل

***

وعندما سألت هيكل : لماذا لا يكتب مذكراته ؟ قال لي : إنه حينما يفكر فى ذلك فسيحبذ أن يكون كاتبها صحفيا من خارج "الأهرام" . وحاولت أن أكون هذا الصحفى ، فلم أوفق . ويبدو أن هيكل كان قد عزم ألا يكتب سيرته الذاتية أبدا ،  فضلا عن حرصه على منع كل المتصلين به من الحديث  عنه فى أى مناسبة من المناسبات ،  إلى درجة أن جريدة " القاهرة " التى تصدرها وزارة الثقافة عندما نشرت تنويهات عناوين موضوعات ملف يجرى الإعداد له بمناسبة العيد الثمانين لهيكل ، اتصل بى سكرتيره "منير عساف" منزعجا ليعرف التفاصيل ومن هم المتحدثون ، وكان منهم سائق هيكل الخاص - ويبدو أن ذلك كان بطلب من هيكل نفسه - ولما اتصلت بالمشرف على الملف الزميل أيمن الحكيم طمأننى ، وأبدى استعداده لحذف ما يمكن أن يراه هيكل إساءة له ، رغم أن الملف احتفالية خاصة به ، ولكن الملف ظهر هزيلا وقد غابت عنه معظم الموضوعات .

وقد علمت أنه قد جاءت تعليمات فى آخر لحظة من وزير الثقافة فاروق حسني  بالحد من هذه " الزفة " .  ونشر الملف الخاص بهيكل فى أضيق الحدود ، مع سرسبة موضوعاته فى أعداد متفرقة لا تلفت الأنظار ، وبذلك انهار ملف هيكل على صفحات  "القاهرة ". ولما كنت مشاركا فى الملف بحديث عن هيكل لأحمد سعيد – الإعلامي الكبير ومؤسس إذاعة " صوت العرب " -  فقد اضطر المشرف على الملف إلى نشره فى صفحات " الفن " فى عدد تال إحراجا منى ، لأنه هو الذى كان قد طلب منى المشاركة .

 وعندما قرأت مقال الاستئذان فى الانصراف للأستاذ هيكل وجدت أن تفكيره فى هذا الأمر قد بدأ بعد وفاة عبد الناصر كما ذكرلى أستاذه فى مدرسة التجارة المتوسطة د. السيد أبو النجا الخبير  الإدارى ، وذلك بعد اعتقال د. جمال العطيفي المستشار القانوني للأهرام  .  وقد رأيت أنه من المفيد الإشارة إلى هذه الواقعة فى مقال أعطيته لمكرم محمد أحمد رئيس تحرير مجلة " المصور" ، الذى قال لى إن الحديث عن هيكل أصبح أكثر من اللازم ، وهو كلام لا  يبعد عن الكلام الرسمى الذى ظهر فى موقف وزير الثقافة عن ملف " القاهرة " .

وكان أحمد سعيد  قد روى لي خارج حديثه المنشور قصة بدايات  هيكل التى لا يعرفها أحد ، فقد أرسله أستاذه السيد أبو النجا بخطاب توصية إلى محمد التابعى رئيس تحرير مجلة " آخر ساعة " الذى جعله يعمل بالإعلانات مقابل أربعة جنيهات فى الشهر ، حتى إذا كتب له موضوعا لفت نظره ، سأله إن كان هو كاتبه أم ناقله ، ولما تأكد أنه كاتبه واكتشف موهبته جعله يعمل بالصحافة مقابل ثلاثة جنيهات فى الشهر ، مما أحزن هيكل ، فقد  قل إيراده جنيها كاملا بأسعار ذلك الزمان ،  فاشتكى هيكل أمره إلى أستاذه السيد أبو النجا ، فقبل التابعى أن يعمل هيكل بالصحافة فى نفس الوقت الذى يعمل فيه بالإعلانات حتى لا ينقص إيراده الشهرى عما اعتاد عليه .

مثل هذه المعلومات قد لا يحبذ هيكل الحديث عنها ، ولذلك لا يستطيع أحد من المتصلين به الحديث عنه إلا بعد استئذانه وهو لن يأذن ، ولذلك حينما أردت من السيد أبو النجا أن يحدثنى عن هيكل بأكثر مما تحدث به لي عن تلميذه ،  طلب منى الإذن من هيكل أولا.

لهذا تنبأت أن هيكل لن يكتب سيرته الذاتية ، فهو لا يريد ، تماما كعدم رغبته أن يكتب سيرة عبد الناصر ، لأنه لن يستطيع أن يقول سوى الحقيقة ، لأن سيرة عبد الناصر منشورة على نطاق واسع بأقلام عربية وأجنبية، ومن ثم فإن هيكل يرى أن أعداء عبد الناصر سوف يجردون  الحقيقة من إيجابياتها ليركزوا على سلبياتها ، وهو ما لا يريده ولا يقدر عليه حتى لا يعطى لكارهى  عبدالناصر الفرصة لصب مزيد من الحريق على سيرته ، وإن كان قد تناولها فى بعض كتبه وأحاديثه المتفرقة ، ولكن كسيرة مرجعية ، لم يفعل ، وقد حاولت معه فى خطاب مطول أن أقنعه بأنه هو أفضل من يكتب سيرة الزعيم ، حتى لا يترك الأمر لمن يلونون تلك السيرة طبقا لأهوائهم .

هيكل ومصطفى أمين

***

  وأقر وأعترف أنا الموقع أدناه أن هيكل فى لقاءاتي معه كان يعطى أستاذه مصطفى أمين حقه ، فيقر بفضله عليه فى السفر إلى أماكن الأحداث الكبرى فى العالم ونشر ما يكتبه بعناوين بارزة فى الصفحة الأولى مقترنا  باسمه بنفس العناوين البارزة لموضوعاته .

ويتذكر أنه عندما سافر إلى فلسطين كتب محذرا من استعدادات اليهود وقدراتهم ، فطلب النقراشى باشا رئيس الوزراء مقابلته ، ولم يصدق رئيس حكومة مصر أن هذا الصحفى الصغير هو نفسه كاتب الموضوع الذى أثار انتباهه ، وناقشه فى مصداقية ما يقول ، فقال إنه ذهب  ورأى وصور على الطبيعة مظاهر استعداد اليهود لحرب قد لا نكون نحن مستعدين لها .

وممن يتذكرهم هيكل نجيب الهلالى باشا الذى كان عبد الناصر يعرض عليه نصوص معاهدة الجلاء قبل إقرارها ، وذكر لى هيكل أن الهلالى باشا هو الذى علمه شرب " السيجار " .

وعندما سألته عن الشخصيات التى يحب أن أكتب عنها وأكشف عن وثائقها وأوراقها ورسائلها  بالشكل الذى أكتب به عن الشخصيات الأدبية ذكر لى هذ الشخصيات ، وأملانى أسماء : إسماعيل صدقى ، بهى الدين بركات ، الشيخ مصطفى عبد الرازق ، لطفى السيد ، عبد الرحمن عزام ، عبد الرازق السنهورى . ولكنني ذكرت لهيكل أن السنهوري – الفقيه الدستوري الكبير – قد نشرت أسرته أوراقه الخاصة ، فطلبها مني ، وأعطيتها له ، فقدمها ل" دار الشروق "  التى أعادت طبعها ، ولم يعد لي نسختي ، أو نسخة من الطبعة الجديدة التى حصلت عليه من الدار نفسها.

وعمن يحظى بإعجابه من أدبائنا قال لي هيكل : إنه طه حسين ، باعتباره أقرب إلى الناس فهما لهم ، وإن كان قد ابتعد عنهم فترة بكتابه " فى الشعر الجاهلى " ، ولكنه عاد إليهم . أما بقية الأدباء فقد ابتعدوا بكتاباتهم عن الناس وقضاياهم .

***

وعندما مرت أسرة توفيق الحكيم بأزمة مالية ، طالبوا بحقوقهم من نشر كتب عائلهم  ب " مكتبة الأسرة " دون استئذانهم ، أو حتى استئذان الناشر ، فلم يكن أحد يجرؤ على الشكوي ، فمشروع مكتبة الأسرة يتمتع بحماية السيدة الأولى سوزان مبارك ، وقد عرضت مشكلة أسرة الحكيم على ناقدنا الكبير رجاء النقاش فطلب مني أن أكتب إليه رسالة بهذا المعنى ينشرها بمقاله الأسبوعي ،  ولما لم يستجب د. سمير سرحان ، كتب النقاش مقالا كاملا يعتب فيه عليه ، وما بين العتاب والرد وتداخل الناشر، لم نصل إلى شىء ، إلا أن عادانى  سمير سرحان لفترة معتبرا أننى صورته كآكل لحقوق المؤلفين ، بينما كان يسخو على كتاب الصحف ، حتى رؤساء التحرير كان يجمع مقالاتهم فى كتب ، ويجزل لهم العطاء ، وقد حدثني د. جابر عصفور عن كثير من التجاوزات ، التى لا يمكن نشرها ، فقد أصبحا فى ذمة الله .

ولما كان عندي مسرحية بخط توفيق الحكيم لم تنشر ، وكتبها بالقلم الرصاص بدون عنوان ، فاخترت لها عنوان "رصاصة فى قلبين " ، وهي إعادة كتابة لمسرحيته الشهيرة " رصاصة فى القلب " ، وقد طلبت من هيكل التوصية بنشرها فى دار " الشروق " التى ينشر بها كتبه ، لكى تذهب حقوق النشر إلى زينب توفيق الحكيم ، وأعطيت المسرحية بمقدمتها التى كتبتها ، إلى هيكل ، ولما كان مسافرا فقد أعطاني سكرتيره منير عساف تليفونه الخاص به ، لأحدثه حسب طلبه ،  وحدثني طالبا منى تعديلا طفيفا ، فقد كنت قد شكرت زينب توفيق الحكيم لأنها التى أتاحت لي فرصة الاطلاع على بعض أوراق الحكيم ، بالإضافة إلى ما منحنا إياه في حياته ، فطلب مني هيكل إرجاء الشكر فى الكتاب لا المقال ،  وسألني : أليس هذا أفضل ؟ ، ووافقته ، إلى هذه الدرجة لم يتدخل هيكل فيما كتبت ، واستأذنني فى تغيير بسيط  كان يمكن أن يقوم هو به ، ولكنه احترم الكاتب ، وترك له حرية التصرف ، لتنشر المسرحية بعد ذلك فى " وجهات نظر " ، وإن كانت حقوق نشر كتب الحكيم قد انتقلت بعد ذلك إلى " دار الشروق" بناء على رغبة زينب الحكيم ، اعتقادا منها أن التعامل معها أفضل من الناشر السابق . 

المفاجأة أن " دار الشروق " نشرت مسرحية توفيق الحكيم فى كتاب بدون العودة للكاتب ، أو كتابة اسمه على المقدمة التى كتبها ،  وحاولت الاتصال بهم ، فلم يسمعني أحد ، فشكوت لزملائنا الصحفيين ، مما أثار استياء صاحب الدار التى أرسلت لي خطابا تعتذر فيه ، وتعد بطبعة ثانية تصحح فيها الأمر ، إلى أن أصدرت طبعة أخري من كتاب أشعار توفيق الحكيم ، فانتهزتها الدار فرصة ورفعت علي قضية بدعوي الحقوق الفكرية ، لأنها صاحبة الحق فى نشر كتب توفيق الحكيم ، بناء على التعاقد مع وريثته زينب توفيق  الحكيم  التى رفعوا القضية باسمها استغلالا للتوكيل التى منحته لهم بخصوص النشر ، ولما علمت استنكرت وتنازلت ، فرفع صاحب الدار القضية باسمه ، ولم يستجب صاحب الدار لوساطة أنيس منصور وأحمد سعيد ، ولم أشأ إحراج هيكل مع الناشر ، حتى تدخل مكرم محمد أحمد ، وكان نقيبا للصحفيين وقتها ، وأنهي الأمر قبل أن يمضي إلى نهاياته فى المحكمة  .

***

فى جريدة مستقلة قرأت بعناوين بارزة أن هيكل قد باع وثائقه لرجال أعمال فى حفل بفيلته بالمريوطية  بمائتي مليون دولار ، ولما كان الخبر مزعجا ، فقد اتصلت بمكتب هيكل الذى لم يكن موجودا ، ولكنهم اتصلوا به فطلب أن يقرأ بنفسه الخبر بعد أن طلب منهم شراء نسخة من الصحيفة فلم يجدوها ،  فأعطيتهم أصلها راجيا أن أسمع نفيه لهذه القصة ، ولكنه كعادته لم يكن يرد على مثل هذه المهاترات ، وعندما كشف فى مقال استئذانه بالانصراف عن سرقة بعض وثائقه وكتبه أثناء رحلة علاجه بأمريكا ، تساءلت عن العلاقة بين هذه السرقة وشائعة بيع وثائق هيكل ، ولم يكن هناك جواب.

وفى ذكرى عبد الناصر كتبت تحقيقا عن "عيون عبد الناصر " التى ذكر كثيرون ممن قابلهم أن  لعيني الزعيم قوة ورهبة تجعل الناظر إليهما يتلعثم وينسى ما جاء من أجله ، وأرسلت صورة من التحقيق إلى هيكل للاطلاع عليه قبل نشره ، لكتابة رأيه ، ورغم الإلحاح على استرداد الموضوع فلم يرده أبدا ، رغم أن الموضوع فى مجمله تقدير لعبد الناصر واعتراف بهيبته وقوة شخصيته .

 وأتذكر أيضا حينما جاء الحديث حول الصحافة باعتبارها مهنة البحث عن المتاعب أن قال لي هيكل:

أنا صاحب هذا التعبير حينما كنا نذهب إلى المناطق الساخنة فى العالم ، فأين هي المتاعب التى يعانيها الصحفيون وهم يكتبون فى مكاتب وثيرة مكيفة الهواء .

ولم يكن من الممكن أن يفوتني أن أطلب حديثا من هيكل إلى مجلة " الإذاعة والتليفزيون " التى أعمل بها ، ولكنه استعاد فترة رئاسة تحرير ثروت أباظة للمجلة حينما كتب مقاله  الشهير عن عبد الناصر " فى أي شىء صدق ؟ " ، ورغم أن العهد قد مضى والزمن قد تغير ، إلا أن هيكل فيما يبدو لم يكن ينسى ، ورغم ذلك ظل على تشجيعه لي بصرف النظر عن  أن المجلة التى أنتمى إليها ، لا يتذكر منها إلا أن أحد رؤساء تحريرها الذى قد تعرض لعبد الناصر بما يسئ إليه ، وهو أمر كما بدا لي  يؤذيه ويجرح مشاعره ، فقد ظل وفيا للرجل الذى يعتز به ويسمى صداقته بصداقة الشرف ، وكان من الشرف ألا ينقلب عليه كما فعل آخرون مدحوه حيا وقطعوا لحمه ميتا.

 

 

 

 

Katen Doe

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

أحمد شوقي ومحمود أوب الوفا
ابراهيم
فكري أباظة جيش عربي موحد
إبراهيم عبد العزيز يقرأ علي مسامع نجيب محفوظ ملخصا للصحف
ناقد فني يلقى الضوء على أهم ملامح مسيرة "توفيق الحكيم"
صلاح

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص