«صباح الخير.. سيرة ثقافية».. شعبان يوسـف يكتب أمجاد صاحبة الجلالة

المجلة التى خاطبت البيت المصرى الجديد فكرة المجلة بدأت فى محل حلوانى .. وأم كلثوم وزكى رستم أول المشتركين فيها إحسان عبدالقدوس طلب من روزاليوسف 200 ألف جنيه فقالت له «عندك صحتك وشبابك»

حينما تمسك بكتاب "صباح الخير سيرة ثقافية" للكاتب شعبان يوسف ينتابك حنين خاص لهؤلاء الشباب، الذين دفعوا أعمارهم وشبابهم، ليسجلوا تاريخا سياسيا وثقافيا وتاريخا ذهبيا من عمر الصحافة المصرية، هذا التاريخ الذى اشتبكت فيه الأحلام المهنية بالواقع السياسى، أحلام جيل ما بعد ثورة يوليو، أحلام اتفق فيها الشباب على العمل والإخلاص، مرحلة جمعت الكبار صلاح جاهين، أحمد بهاء الدين، إحسان عبد القدوس، وغيرهم، حيث لا مكاتب وانما أحلام تكتب على الورق، فتثير عواصف سياسية ومعارك أدبية وفكرية.

دخلت روزا اليوسف مجال الفن من أوسع أبوابه، وحققت أمجادا فى زمن يكاد يكون قياسيا بالنسبة إلى الفن والفنانين، وكان وجودها فى أى عرض مسرحى جديد بمنزلة ضمان مؤكد لنجاح ذلك العرض، ويكشف الكتاب عن سبب دخول روزا اليوسف مجال الصحافة فيقول: "لم يكن دخول روزاليوسف مجال الصحافة إلا لخدمة الفن بنحو رئيسى، ولكى تنقذ المستوى النقدى الفنى من الهوة التى وقع فيها لمرحلة كادت تصل إلى القاع، فكانت الحياة النقدية -فى مجال الفن خاصة- تتسم بشكلين متناقضين، إما أن يكون الناقد مجاملا بدرجة واضحة لأسباب شخصية أو نفعية أو شللية، وإما أن يكون النقد هجوميا وانتقاميا، وذلك أيضا لا يخرج عن الإطار النفعى أو الشللى أو الشخصى، ولذا أرادت فاطمة اليوسف أن تخلق مجالا من النقد الفنى القويم، وصحافة فنية عادلة.

سبق أن كشفت روزاليوسف قصة عملها بالصحافة فى مذكراتها الشخصية، فقالت: "نبتت فكرة المجلة فى محل حلوانى اسمه كساب، كان يوجد فى المكان الذى تشغله سينما ديانا، وكنت جالسة ساعة العصر مع الأصدقاء محمود عزى وأحمد حسين وإبراهيم خليل، نتحدث فى الفن، وتطرق الحديث إلى صحافة فنية محترمة، ونقد فنى سليم يسهم فى النهوض بالحياة الفنية، ويقف فى وجه موجة المجلات التى تعيش على حساب الفن كالنباتات الطفيلية، ولمع فى رأسى خاطر وقفت عنده برهة قصيرة، ثم قلت للزملاء لماذا لا أصدر مجلة فنية" هكذا كشفت روزاليوسف كواليس حلمها لتبدأ كتابة استمارة استخراج رخصة لإصدار المجلة، وشرعت بالفعل فى الاتصال بالمحررين، وكان أول هؤلاء الكاتب الصحفى محمد التابعى، الذى تربطه بفاطمة اليوسف صلة صداقة، وكان أول من اشتركوا فى المجلة لتغطية النفقات الآنسة أم كلثوم والممثل زكى رستم.

حصلت السيدة فاطمة اليوسف على ترخيص إصدار مجلة «صباح الخير» عام 1951، أى قبل صدور المجلة بخمس سنوات، ويقول شعبان يوسف فى كتابه: «لم يكن العائق فى صدورها إداريًا أو ماليًا، ولكن العائق يكمن فى الإحساس بضرورة إصدار مجلة، وضرورة أن تكون مجلة مختلفة، وأن تختلف عن المجلات الأخرى.

رأى إحسان عبدالقدوس أن «صباح الخير» هى المجلة التى ستجتذب القارئ من الأول إلى الآخر، فهى مجلة الأسرة التى سيقرؤها الزوج والزوجة والأولاد، فهى تختص بالموضوعات التى تهم الأسرة مجتمعة، وكتب فى افتتاحية المجلة تحت عنوان «البيت الجديد» طارحًا فيها الآمال العريضة التى كانت تمتلئ بها نفسه، وتاريخ التفكير فى المجلة، فكان حلم الجميع أن تحقق «صباح الخير» حلم التعبير عن الشخصية المصرية وعن البيت المصرى، فقد كان هدف مجلة «روزاليوسف» سياسيًا وهو نشر الثقافة السياسية، وكان «الكتاب الذهبى» يهدف إلى النهوض بالقصة العربية، وإفساح المجال لظهور القصاصين والروائيين العرب، أما «صباح الخير» فقد أسست ذلك البيت الجديد الذى أبدعته إبداعًا، ليقول فيه إحسان عبدالقدوس للقارئ: «إنك واحد منا، وستعيش معنا فى هذا البيت الجديد».

كتب الشاعر والباحث شعبان يوسف فصلا كاملا عن الإعلامى والصفحى مفيد فوزى، مسجلا فيه الأسلوب الفريد لهذا الصحفى الذى ولد كبيرا داخل هذا البيت، وكانت تحقيقاته الصحفية تثير الجدل وتمثل حالة خاصة لنموذج الكتابة، وقد روى لى الإعلامى القدير مفيد فوزى (الذى شرفت بالعمل معه فى برامجه التلفزيونية) كيف تمرن على يد الروائى الكبير فتحى غانم، الذى علمه أن يحتفظ بأسلوب خاص فى الكتابة، وكيف كان يمزح مع السيدة روزا اليوسف، حين زراها وهى مكسورة فى قدميها، فكتب على الجبس بنط 10، فى إشارة لضرورة زيادة رقعة اسمه، وهى دلالة على تفوقه الصحفى.

سجلت مجلة "صباح الخير" معارك فنية وسياسية وفكرية، ومن أبرزها معارك مصطفى محمود ومرسى جميل عزيز، وغيرهم، ونشر بها روايات وقصص شهيرة مثل "فساد الأمكنة"، و"أوعية النهر"، و"الشمندورة" وغيرها، لكبار الكتاب والأدباء فى مصر.

"مجلة صباح الخير- سيرة ثقافية"، كتاب مهم لشعبان يوسف، يرصد الإنجاز الفكرى والأدبى والفنى لمجلة «صباح الخير»، ودورها فى الحياة الثقافية المصرية منذ صدورها، متناولاً بالدراسة والبحث مرحلة إنشاء المجلة وصدورها ومراحل تطورها، وقد صدر الكتاب عن مؤسسة بتانة الثقافية، وما يميز هذا الكتاب أنه يكشف العصر الذهبى لنجوم الصحافة وكواليس عملهم، مثل صلاح جاهين، وأحمد بهاء الدين، وإحسان عبد القدوس، وصلاح حافظ، والفنان حسن فؤاد، وتحقيقات مفيد فوزى فى السيرك وعن الحياة، وأسلوبه الفريد والمميز فى الكتابة.

يرسم الكتاب صورة للعصر الذى صدرت فيه المجلة، ومدى تعبيرها عن عصرها، واستمرارها فى تقديم الجديد "للقلوب الشابة والعقول المتحررة"، وهو الشعار الذى تبنته دائمًا، وتميزت به كتابات محرريها وكُتابها.

صدرت «صباح الخير» فى مرحلة مهمة من تاريخ الصحافة المصرية، فقد حصلت السيدة فاطمة اليوسف على ترخيص إصدار المجلة عام 1951، أى قبل صدور المجلة بخمس سنوات، ويقول شعبان يوسف فى كتابه: «لم يكن العائق فى صدورها إداريًا أو ماليًا، ولكن العائق يكمن فى الإحساس بضرورة إصدار مجلة، وضرورة أن تكون مجلة مختلفة، وأن تختلف عن المجلات الأخرى".

وعن توجهات المجلة، رأى إحسان عبدالقدوس أن «صباح الخير» هى المجلة التى ستجتذب القارئ من الأول إلى الآخر، فهى مجلة الأسرة التى سيقرؤها الزوج والزوجة والأولاد، فهى تختص بالموضوعات التى تهم الأسرة مجتمعة، وكتب فى افتتاحية المجلة تحت عنوان «البيت الجديد» طارحًا فيها الآمال العريضة التى كانت تمتلئ بها نفسه، وتاريخ التفكير فى المجلة، فكان حلم الجميع أن تحقق «صباح الخير» حلم التعبير عن الشخصية المصرية وعن البيت المصرى.

أما فاطمة اليوسف فقد كتبت فى افتتاحية مجلة «صباح الخير» أيضًا مجيبة للقراء عن سبب هذا الاسم الذى اختارته للمجلة فتقول: «صباح الخير تحية فيها إشراق الصبح، وفيها أمنية الخير، وهى تحية لقاء اعتدت أن أوجهها كل صباح إلى أولادى، وإلى أصدقائى، وإلى العاملين معى، فأحببت أن أوجهها إلى قرائى أجمعين، وقد كان بودى أن أوجهها لكم كل يوم، كل صباح، لكننى لم أستطع، وإن كنت دائمًا سأحاول".

 حوار فاطمة وإحسان

يكشف الكتاب كواليس إصدار المجلة، فيرصد الكاتب شعبان يوسف ما دار من حوار بين فاطمة اليوسف وإحسان عبدالقدوس، الذى كتب لوالدته تقريرًا يقول فيه «إننا فى حاجة إلى مائتى ألف جنيه، إذا أردنا أن نقاوم شركات الصحافة القائمة»، فتبسمت فاطمة اليوسف، ومزقت التقرير بهدوء قائلة: «عندك صحتك وشبابك، لقد أصدرت روزاليوسف، وليس فى جيبى سوى خمسة جنيهات، وأصدرت أكبر جريدة يومية فى مصر، وليس فى جيبى سوى خمسمائة جنيه»، ويُعلق إحسان فيقول: «وبدأنا نصدر صباح الخير وليس معنا سوى صحتى وشبابى، وصحة وشباب زملائى، ولم أكن أتصوَّر أن الصحة والشباب يكفيان لإصدار مجلة!».

ومن هذه الأفكار الشابة وبمواهبهم، تحوَّل اليوم إلى ثمان وأربعين ساعة، وتأكد الاعتقاد بأن اليوم أربعة وعشرين ساعة، لم يكن صحيحًا!.، فيقول إحسان: «أتاح لنا هذا الاكتشاف العجيب أن ينتج كل منا ضعف إنتاجه، وآمنا أن «صباح الخير» ستصدر بالصحة والشباب، ولا شىء آخر. ولقد كانت «فاطمة اليوسف» ترفع شعار «ليست عندى مستحيلات»، وكانت قادرة على أن تحلم، وتعمل على تصدير الحلم إلى كل من حولها.

 العدد الأول

يكشف الكتاب كيف صدر العدد الأول من المجلة حافلاً بالرسوم الكاريكاتيرية، والغلاف بريشة زهدى، ورسوم صلاح جاهين الجديدة والمبتكرة، والتى تتميز بخفة الظل، والجدية الواضحة فى الوقت نفسه، وامتلأ العدد برسوم هبة عنايت، ورجائى ونيس، وجورج البهجورى، والحسين فوزى، ويوسف فرنسيس، وفى الأعداد التالية ظهرت رسوم حجازى، وبهجت عثمان، ومحيى اللباد، ودياب، وإيهاب، وصلاح الليثى، ورءوف عياد، وتاد، وعبدالعال، ومحسن، وغيرهم. فكان رسامو الكاريكاتير فى مجلة «صباح الخير» أصحاب أساليب فنية مبدعة مَيَّزت المجلة فى مصر والوطن العربى، وكشفت عن جيل جديد من أهم الرسامين فى مصر، بل بعد ذلك صارت هذه الأسماء نجوما كبار فى عالم السياسية والفن والكاريكاتير.

جدير بالذكر أن شعبان يوسف، كاتب وشاعر وناقد وباحث مصرى، ولد فى 7 أبريل 1955، ومؤسس منتدى "ورشة الزيتون الأدبية" ومجلة "كتابات"، وألف سبعة دواوين ومسرحية، بالإضافة إلى العديد من الكتب الناقدة والبحثية، كما ترأس هيئة تحرير سلسلة "كتابات جديدة". كتب للعديد من الصحف والمجلات، ولعب دورًا بارزًا فى الكشف عن شعراء وكاتبات مهمشين ومجهولين.

Katen Doe

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص