المسرح الشعرى.. محاولة لإحياء فـن هجره الشعراء والمسرحيون

صدر مؤخراً عن الهيئة العامة للكتاب للكاتب عبدالسلام فاروق

المسرح الشعرى، ارتبط فى ثقافتنا العربية بمجموعة من الشعراء الرواد، منهم أحمد شوقى وعزيز أباظة وعبدالرحمن الشرقاوى وصلاح عبدالصبور، وانضم إليهم بعد سنوات طويلة، الشاعر فاروق جويدة، بمسرحية قام ببطولتها فى ثمانينات القرن الماضى "سميحة أيوب وعبدالله غيث" وهى "الوزير العاشق" التى حققت نجاحاً جماهيرياً واسعاً، جعل المسرحيين يندهشون، لإقبال الناس على مشاهدة مسرحية شعرية، مكتوبة بلغة النخبة "الفصحى" فى الوقت الذى كان المسرح الكوميدى والتراجيدى يشكو من انصراف الناس عنه، وهنا أصبح السؤال المطروح على المسرحيين والشعراء هو "هل العيب يكمن فى النص المسرحى أم العيب فى الجمهور، أم فى العناصر الأخرى مثل الإخراج والتمثيل والديكور والإضاءة والدعاية والتسويق والنقد المتخصص فى المسرح؟".. وبعد صمت طويل، تكلم الناقد والكاتب "عبد السلام فاروق" وطالب بالنهوض بالمسرح الشعرى، وقدم رؤية لتحقيق النهضة المنشودة فى كتاب مهم صدر مؤخراً عن الهيئة العامة للكتاب بعنوان "المسرح الشعرى. . نحو نظرية جديدة"..هنا قراءة فى هذا الكتاب بالغ الأهمية، لعل المهتمين بالشعر والمسرح يقرأونه ويفهمون جوهر رسالته المهمة.

قبل دخول عالم "المسرح الشعرى" من المهم للقارئ أن يعرف أن الكاتب والناقد "عبد السلام فاروق" هو من أهم الصحافيين المختصين بالشأن الثقافى فى مؤسسة الأهرام، وهو حالياً كاتب مقال، ينشر مقالاته، على منصات مهمة  إلى جانب "بوابة الأهرام"، وهو من جيل التسعينات الإبداعى، له تجارب إبداعية سردية، وله تجارب نقدية، وهذا ما جعله يقوم بطرح السؤال المتعلق براهن "المسرح" المصرى، و"المسرح الشعرى" على وجه الدقة، وكتابه ـ المهم ـ الذى نعرض له، هو ليس مجرد كتاب صحفى، بل هو كتاب "أكاديمى" دقيق، مصاغ بطريقة الرسائل الجامعية "الماجستير والدكتوراه" بلغة سهلة، يفهمها القارئ العادى، أى أنه حقق المطلوب فى الوقت الحالى، مضمون عميق، ولغة حديثة مفهومة، لا استعراض فيها للمفردات المهجورة، ولا استعراض للمخزون الثقافى، والكتاب احتوى مقدمة وافية، تضمنت رصداً تاريخياً لمشكلة "المسرح الشعرى" والتى صاغها الكاتب بقوله:

ـ إن أغلب الدراسات التى طرقت باب "المسرح الشعرى" أفاضت فى شرح ونقد إنتاج أهم رموز جيل الرواد وما تلاه، وأشاحت بوجهها عن آخرين، سواء من الجيل القديم أو الجيل المعاصر من مبدعى المسرح الشعرى، رغم أنهم جميعهم يستحقون الإشادة والاهتمام والتصفيق، لمجرد أنهم اقتحموا هذا المجال الصعب الشائك، حتى تلك المسرحيات التى رصدت حركة المسرح الشعرى المعاصرة، اختارت من المسرحيات أشهرها، ومن اللغة فصحاها، ومن الشعراء أبرزهم، ومن النصوص ما تم انتخابه للعرض على خشبة المسرح..

وتساءل ـ عبد السلام فاروق ـ عن مصير "عشرات المسرحيات التى مازالت أسيرة الأرفف" وأوضح القصد من دراسته التى تضمنها كتابه "المسرح الشعرى. . نحو نظرية جديدة" بقوله:

ـ تحاول هذه الدراسة كشف ملابسات وأسباب عدم الالتزام بما تم اقتراحه لتجاوز أزمة المسرح الشعرى، وتحاول إعادة صياغة مقترحات وتوصيات عملية قابلة للتطبيق، ربما تسهم فى إقالة حركة المسرح الشعرى من عثرتها المؤقتة على المستويين، الأدبى "الكتابة والنقد" والفنى "الإخراج المسرحى"، والأمل، كل الأمل هو فى إحياء المسرح الشعرى، لأن فى إحيائه ارتقاء بالمسرح النثرى بالضرورة، ذلك الارتقاء بشقى المسرح هو ارتقاء بالجمهورأيضا ودليل على احترام عقله واختياراته، إن الاحتفاء بمسرحية "الوزير العاشق" رغم وجود عروض المسرح التجارى النشط إنما يشير إلى تباين ذوق الجمهور أو تطوره، وتحوره من حين لآخر، وربما يكمن النجاح فى استعادة جمهورالمسرح باستخدام أدوات عرض معاصرة راقية.

 الشعر والمسرح

على صفحات كتاب "المسرح الشعرى" ما يغنى القارئ عن الرجوع والبحث فى عشرات المراجع والقواميس اللغوية، لأن ـ المؤلف عبد السلام فاروق ـ قام بهذه المهمة نيابة عن االقارئ، فقدم له كل ما يتعلق بالشعر، وما يتعلق بالمسرح، وخصص فصولاً لتجارب المسرح الشعرى، فقدم شروحا لمعنى "الشعر" لدى اليونانيين، ولدى العرب، وقدم تفاصيل العلاقة التى تربط بين "القصيدة" و"المسرحية" أو "الدراما" وعرفنا من بحثه العميق أن "الدراما" هى القصيدة، والقصيدة هى "الدراما" فى التراث اليونانى، بذات المعنى، انتقل الشعر العربى إلى المسرح، فكانت الأسواق هى مسارحه الأولى، ثم صعد الشعر العربى، خشبة المسرح، ونشأت حركة المسرح الشعرى، ومن روادها "أحمد شوقى" و"عزيز أباظة" والجديد فى دراسة ـ فاروق ـ تقديم تحليل لهذه النصوص الرائدة، وتوضيح انطباق مفهوم "المسرح" عليها، وتوضيح مدى استحقاقها الاهتمام من جانب المؤرخين والنقاد والمسرحيين المتخصصين، ولم يكتف صاحب كتاب "المسرح الشعرى.. نحو نظرية جديدة" بالسرد التاريخى، بل عقد المقارنات بين ما قدمه المسرح الشعرى، فى كل حلقة من حلقاته، ومراحله وملامحها بقوله:

ـ على أكتاف الرعيل الأول من المسرحيين قامت نهضة مسرحية كبيرة أبطالها رواد الدراما أمثال يوسف وهبى وجورج أبيض والقبانى والقرداحى والنقاش وسلامة حجازى والسيد درويش، ومن أصحاب الفرق المسرحية، ومعهم كوكبة من الممثلين ومؤلفى الدراما الشعرية، مثل محمود بيرم التونسى ومحمد عثمان جلال وخليل اليازجى وخليل مطران وفرح أنطون وميخائيل نعيمة وحافظ إبراهيم، وصولاً إلى أمير الشعراء "أحمد شوقى" الذى توج مسيرة الدراما الشعرية بمسرحيات هى الأشد نضجا واكتمالا بعد فترة "الترجمة" والتمصير، واهتمت الصحف بمتابعة حركة المسرح، خاصة بعد صدور مجلات متخصصة مثل مجلة "تياترو ـ 1924" و"الممثل ـ 1926" و"المسرح ـ 1925" وتزعم كبار الأدباء أمثال العقاد وطه حسين حركة نقد المسرح.

 الهوية الوطنية

تضمن الفصل السادس من كتاب "المسرح الشعرى..نحو نظرية جديدة" جذور العلاقة التى جعلت الكاتب "عبدالسلام فاروق" يتبنى قضية المسرح، وهى جذور ممتدة إلى "معبد الكرنك" فى "الأقصر" بصعيد مصر، والذى حدث أن ـ الكاتب ـ شاهد فى صباه عرض الصوت والضوء، وهو عمل فنى يقدم معلومات عن الآثار المصرية القديمة بأصوات فنانى المسرح بما لديهم من قدرة على نطق اللغة العربية النطق السليم، وبالطبع هناك نسخ  مسموعة منه باللغات  الأوربية، حتى يستطيع السائحون الأوربيون التعرف إلى قيمة الآثار والتمتع بها، ويروى الكاتب قصة "الصوت والضوء" التى عاشها فى صباه فيقول:

ـ الصوت والضوء بمعبد الكرنك كان من أمتع ما رأيت وأنا صبى، لمعت الأضواء من أسفل أقدام التماثيل الفرعونية العملاقة، وشرع الصوت يتردد بين جنبات المعبد فى جلجلة مهيبة، وكلما انقطع الصوت فى مكان، بدأ فى مكان جديد، يستحثنا على التحرك قدما، للاستماع والاستمتاع باكتشاف مرحلة جديدة من قصة تنساب بلغة عربية جزلة فصيحة من أفواه أشهر الممثلين المصريين، تلك الأصوات التى اختيرت لتعبرعن قصة الحضارة، كلها لممثلين شاركوا فى مسرحيات شعرية، تتطلب مواصفات محددة، فى من يوديها، أهمها النطق السليم ومراعاة مخارج الحروف والصوت العميق القوى المعبر، وكنت أستمتع بمشاهدة المسرحيات الشعرية التى كان بعضها يبث على التلفاز محدود القنوات، ثم لسبب ما، نضب كل ما يتصل بالمسرحيات الشعرية، الممثلون الأكفاء والمنتجون والمخرجون والجماهيروالشعراء، بينما فى بلاد أخرى بدأت موجات من التشبث المستميت بكل ما يربط الأوطان بتراثها وأصولها وهويتها.

ومن حكايته مع "الصوت والضوء" وبداية تعلقه بفن المسرح، وشغفه بالمسرح الشعرى، نقلنا الكاتب إلى العلاقة بين هذا الفن الجميل، الذى هجره الشعراء، والمسرحيون والحفاظ على "الهوية الوطنية" مستندا إلى ما ذكره الإذاعى الرائد والباحث فى "علم الفولكلور" الراحل "فاروق خورشيد" حول الأدب والمأثور الشعبى، من خلال تجارب لأدباء عالميين كبار منهم "ماركيز" و"وول سونيكا" و"نجيب محفوظ"، وذكر أن "المسرح الشعرى" والمسرح بوجه عام يستطيع التعبير عن الثقافة الوطنية وأضاف:

ـ معنى هذا أن التشبث بالهوية الوطنية له أثر إنسانى بإمكانه تحويل الأدب المحلى إلى أدب عالمى يحظى باهتمام الناس فى الجهات الأربع، وأكبر دليل على هذا أن المسرحية المصرية التى حظيت بشهرة عالمية، هى مسرحية غنائية من مسرح العرائس، هى "الليلة الكبيرة" المعبرة عن الموالد الشعبية وما يحدث بها من مواقف، ومازالت تقدم فى أكثر من صورة، منها "الباليه" وفى كل مرة تصادف إقبالا جماهيريا، والمسرحية الشعرية وإن لم تكن اليوم ذات أنصار ومريدين ومحبين، إلا أنها خير من يستطيع التعبير عن الهوية الوطنية، لا من خلال قضايا سياسية أوجدلية أو ميتافيزيقية، بل بموضوعات أبسط، تجسد الإنسان المصرى والواقع والتراث.

ورغم حرص الكاتب على تقديم مقترحات للنهوض بالمسرح الشعرى، وحرصه على تقديم تاريخ هذا الفن والربط بينه وبين درجة تقدم المجتمع، خصص صفحات كثيرة لتحليل تجارب الشعراء "صلاح عبدالصبور" و"فاروق جويدة"و"أحمد شوقى" وهى تجارب مسرحية شعرية قدمت على خشبة المسرح وحققت نجاحا كبيرا، وختم حديثه بملخص حول أهمية استعادة "المسرح الشعرى" والاهتمام به:

ـ إن المسرح الشعرى على ما يذخر به من تجارب ومراحل نهضت به وطورته فإن الحاجة باتت ملحة لا لمزيد من النصوص بل لتشكيل نظرية جديدة تتناول فن المسرح الشعرى بالتحديث والتطوير، من أجل تفجير طاقات الإبداع لدى الأدباء والشعراء والمبدعين فى اتجاهات عدة، إنها دعوة لكل الشعراء والنقاد للتجريب والبحث، حتى الاهتداء إلى مثل تلك النظرية التى قد تمثل فتحا هائلا فى الإبداع المسرحى والأدبى.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

طريقة لفتح المجاري المسدودة في المنزل بخطوات سهلة وآمنة

انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...


مقالات

سيدنا الحسين والحجرة النبوية
  • السبت، 28 فبراير 2026 06:00 م
دار كسوة الكعبة
  • السبت، 28 فبراير 2026 09:00 ص
إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص