عبد الرحمن الشرقاوي .. صورة من قريب تكشفها أسرته وأصدقاؤه

قابلت كاتبنا الكبير عبد الرحمن الشرقاوي مرتين ، والمرة الثالثة كان مدار حديث بيني وبين أديبنا العظيم يحيي حقي ..

أما المرة الأولي فقد طلبت منه حوارا لمجلة " المصور " التى كنت أعمل بها محررا تحت التمرين فى بداية عملي الصحفي ، فقال لي : وكم ستدفعون أجرا ؟ ، ففوجئت  ودهشت ، وبدد دهشتي بقوله : إن اتحاد الكتاب قد اتخذ قرارا برئاسة توفيق الحكيم بألا يجري كاتب مصري حوارا إلا إذا كان مدفوع الأجر – وذهبت إلى توفيق الحكيم الذى كان الرئيس الفخري " لاتحاد الكتاب " ، لأسأله عن هذا القرار الذى لم أسمع به ، ولو صح لقطع الطريق على الصحفيين الشبان أمثالي – وقتها – فمن أين ندفع ونحن لا نكاد نحصل على ما يسد الرمق ، ثم هل تدفع صحفنا ؟ ، لا شك أن هناك لبسا فى الموضوع ، هكذا قلت لنفسي قلقا وأنا فى طريقي لتوفيق الحكيم الذى بدد مخاوفي بقوله : إن القرار الذى حدثك عنه الشرقاوي لا يتعلق بالصحفيين المصريين – فنزل قوله بردا وسلاما .

أما المناسبة الأخرى التى قابلت فيها عبد الرحمن الشرقاوي فقد كانت فى الشارع صدفة حينما تعثر المرور قبل كوبري قصر النيل ، فوجدت الشرقاوي قد ترك سيارته ضجرا – فقد كنا فى صيف يوم قائظ – ومع أن الظرف لم يكن مناسبا على الإطلاق ، فقد اقتربت منه وطلبت منه أن يكتب لمجلة " المصور " التى كنت لا أزال أعمل بها تحت التمرين - واليوم أتعجب وأسائل نفسي : ما شأني أنا أن يكتب الشرقاوي أو غيره فى مجلة لم أعين فيها بعد ، ثم إن هذه أمور من شأن رئيس التحرير الذى يستكتب فى صحيفته من يريد ، ثم إنني لم أستشره ، فأي سذاجة هذه ؟! ، ربما كنت أريد أن أثري المجلة التى أعمل بها ، حتى هذا ليس من شأني ، أيا كان الأمر فقد قابل الشرقاوي عرضي بقوله : لن أكتب فى مجلة يكتب فيها محمود السعدني ال ( ... ) – وانفتح الطريق ومضي الشرقاوي إلى سيارته ، وأنا واقف فى مكاني فاغرا فاه من الدهشة ، ولم أفق إلا على صوت السيارات تزمر من حولي حتى أخلى لها الطريق قبل أن تدوسني !

وذات صباح كنت عند أديبنا الكبير يحيي حقي وكان يضع أمامه مقال عبد الرحمن الشرقاوي المنشور فى نفس اليوم بجريدة " الأهرام " ، وقال لي معلقا بأدبه الجم وكلماته المنتقاة : " عبد الرحمن الشرقاوي لا شك أنه كان منفعلا وهو يكتب مقاله عن مذيعات التليفزيون المصري ، صحيح لهن أخطاء لكن ليس بهذا الشكل الذى كتب به الشرقاوي ، كان يمكنه أن يخفف من وقع كلماته ويتوجه إليهن بالنصيحة دون تجريح " .

وإذا كانت قد فاتتني فرصة التحاور مع الشرقاوي فقد عزمت على التحاور مع أسرته وأصدقائه لمعرفة الوجه الآخر لكاتبنا الكبير ، وقد جمع لي شقيقه المحامي عبد المنعم الشرقاوي أسرته : زوجته وأولاده .

                                  ( 1 )

قالت لي زوجة عبد الرحمن الشرقاوي ترسم لي ملامح حياتها معه : أخي الخبير الإعلامي سعد لبيب مدير التليفزيون فى بدايته ، كان صديقا لعبد الرحمن الذى رآني وحدث النصيب ، وكنت لا أزال وقتها طالبة أريد أن أدخل كلية الطب ، وكانت رغبته أن أدخل كلية الآداب التى أقنعني بها بالفعل ، لأنه طول عمره لا يضغط على أحد ، وكان رب أسرة حقيقيا . وكان أهم شئ فى حياته كان تربية أولادنا تربية طيبة ، وكان عطوفا عليهم إلى درجة أنه كان يقوم بإطفاء النور حتى لا يسهرون ويجهدون أنفسهم أكثر مما يجب فى المذاكرة .

كان يعتبرني قارئته الأولى ، فعندما كان ينتهى من كتابة فصل من عمل له كان يعطيه لي لقراءته ليأخذ رأيي فيه ، وتجري مناقشة ، وأحيانا كان يقتنع بوجهة نظري ويأخذ بها .

ثم يأتي بعد ذلك أولادنا الذى يسمح لهم بقراءة أعماله بعد الانتهاء منها تماما ، لتجري مناقشة عامة حول العمل قبل أن يجد طريقه إلى القارئ ، فقد كانت أسرته هي جمهوره الأقرب وأول قرائه . ومن أسعد أوقاته الجلوس إلينا ليلا ، وكان يجد نفسه فى كل شئ يكتبه ، وإن كان يجد سعادته أكثر فى الكتابة المسرحية ، ومن أسعد أوقاته أن يظهر له عمل مسرحي ، وكان يحزن جدا عندما يكتب عملا مسرحيا ولا يعرض على الجمهور مثل مسرحية " الحسين ثائرا وشهيدا " ، فقد غضب لأن هذه المسرحية لم تر النور ، كان يضايقه الكذب والادعاء والافتراء ، ولذلك كان غضبه عندما هاجموه بسبب " الفتى مهران " وادعوا عليه كذبا أشياء لم يقصدها أو يقلها ، وكان يغضبه أيضا أن يمنع له عمل فى مصر بينما هو يعرض فى الخارج مثل فيلم " الرسالة " الذى أسلم بسببه كثير من الأجانب الذين كانوا يقفون طوابير فى أوروبا ليأخذوا دورهم فى مشاهدة الفيلم ،  وكان بعضهم يأتون إليه ليعلنوا إسلامهم أمامه ، فكان يقول لهم : اذهبوا إلى الأزهر .

تضيف زوجة عبد الرحمن الشرقاوي : كنت أقف إلى جواره وأؤيده من أجل المبدأ الشريف ، والهدف النبيل ، وكان لا يثنيه سجن أو يؤثر فيه فصل من عمل . كان مثل الأسد لا يهادن ولا يلاين ، وكان حريصا ألا نشعر أولادنا بأي أزمة ، ويضغط على نفسه كأن شيئا لم يكن ، ولم يكن المال يعنيه فى شئ كثيرا أو قليلا ، وكان بإمكانه أن يكسب الملايين ، لدرجة أنه أثناء عمله " بمنظمة التضامن الأفرو آسيوي " رفض تقاضي أي أجر ، فقد كان زاهدا فى المال ، وقد رفض الاستمرار فى إدارة مؤسسة " روز اليوسف " عندما شعر بضغوط عليه للتضحية بزملائه نتيجة موقفهم من أحداث 17 – 18 يناير 1977 ، وقد جمعنا ذات ليلة ليطلعنا على قراره بالاستقالة ، فقد كان حريصا على كل من يعمل معه ، لدرجة أنه رفع رواتب العمال كما لم ترفع من قبل ، إلى حد أن بعضهم عندما جرت الفلوس فى أيديهم تزوجوا على زوجاتهم ، وفى المناسبات كان الشرقاوي حريصا على التفريج عن العمال وتوزيع الهدايا عليهم .

ولم يندم على استقالته من إدارة " روز اليوسف " ، كما لم يندم على أي قرار اتخذه ، لأنه يكون قد فكر فيه كثيرا قبل الإقدام عليه ، وكان الثمن الذى يدفعه الشرقاوي لأى موقف هو من صحته ، وكانت حياته مثلا يحتذيه أبناؤنا . وعندما تصادف أحدهم مشكلة ، كان يقول له إن ذلك ليس نهاية العالم . ولذلك تعلمت منه الصبر على مشاكل وشدائد الحياة .

أما الذى كان يهزه كإنسان ، فهو أصدقاؤه الذين كانوا لا يسألون عنه فى فترة مرضه رغم أنه أدى لهم خدمات كثيرة ، فقابلوا وقوفه معهم بالجحود .

                                      ( 2 )

أما ابنه الدكتور شريف عبد الرحمن الشرقاوي الطبيب بالقصر العيني ، فيؤكد أن والده كان طيب القلب وإن بدا عنيفا ، فلا أذكر أنه استخدم أسلوب الضرب فى معاقبتنا ، بل كان يخاصمنا لكي يشعرنا بغضبه ، وكان ذلك هو أشد عقاب ، وبعد فترة وجيزة يكون هو المبادر بالصلح ، وإذا شعر بأنه قسا يعود لتدليلنا .

وكان يكافئنا على تفوقنا وإنجازاتنا ومواقفنا التى تعجبه ، فقد اضطررت للاستقالة من مستشفي خاص مضحيا بمبلغ أستحقه ، احتجاجا على استغلال صاحب المستشفي لمجهوداتي ، فسعد والدي جدا لرفضي الاستغلال ، وعوضني ماديا بمكافأة سخية تقديرا لموقفي الذى أعجبه . وبعيدا عن الأدب كان يحب كرة القدم ويشجع الزمالك ، ولكنه يكره التعصب .

وكان يحب الموسيقي العربية ، والتواشيح ، ويحب الموسيقي الكلاسيكية ، ويستمع إلى بيتهوفن ، ويتابع البرامج الثقافية والمسرحيات العالمية ، ويحب أعمال نجيب الريحاني ويوسف وهبي ، وكان سيدنا على وسيدنا الحسين هما مثله الأعلى ، على لزهده ، فى الدنيا ، والحسين لنضاله واستشهاده فى سبيل المبدأ .

ولم يكن يتفاءل أو يتشاءم ، ويعتبر أن من يؤمن بهذه الأمور مهزوز الشخصية ، لأنه كان يرى أن الإنسان عليه أن يعمل ويتوكل على ربه ، وكان يقول لنا إن الحياة لو عادت به مرة أخري فسيسلك نفس السلوك ويعتنق نفس المبادئ ، وقال لنا فى أواخر حياته ونحن جالسون على الغداء : لم أترك لكم مالا بل تركت لكم ثروة من المبادئ والقيم ، فقلنا له : إنها أفضل عندنا من أي ثروة .

وكانت القرية فى دمه ، فكان يقول : نفسي أكتب فى البلد وأعيش وأتأمل .

ولم أره نادما ذات مرة أبدا فى حياته على موقف اتخذه رغم أنه فى فترة من الفترات تم إحلال دمه من بعض المتطرفين والأئمة ، إلا أنه لم يكن يهتز ، بل كان يرى أنه يؤدى رسالته ويقوم بدوره ويجاهد لنشر المفهوم الصحيح للدين الإسلامي الذى كان يراه مظلوما بالفهم الخاطئ له .

                                        ( 3 )

أما ابنه ايمن عبد الرحمن الشرقاوي المحاسب بأحد البنوك ، فيؤكد أن والده كان يحب الرابطة الأسرية المتماسكة لدرجة أنه كان يضحي ببعض سفرياته فى سبيل أن يظل معنا بالبيت لا يفارقنا ، وإذا اضطرته الظروف للسفر بحكم ارتباطاته كان لا يطيل السفر . وكان يعلمنا بروح الشاعر بما فيها من جمال وإحساس بالدفء ، وكان لقاؤنا الليلي يجمعنا ، وكل منا يحكي مشاكله وما حدث أثناء يومه ، ويدور حوار ديموقراطي ، يطلب فيه رأينا – بعد الست الوالدة – فيما يكتبه ، فقد ربي فينا التذوق الفني منذ صغرنا ، وكان يطلب منا أن نكون صادقين ولا نجامله ، وفى أغلب الاحيان كان يقنعنا برأيه .

ولم يحدث أن طلب من أحدنا أن يذاكر بل كان يطلب منا أن نقلل من المذاكرة ، وإن كان يحب لنا أن نكون متفوقين ، إلا كان يفضل ان يكون تفوقنا عاديا ، وأن نكون مثقفين وعلى درجة عالية من سعة الأفق . وكثيرا ما كان يكافئنا ماديا وأدبيا ، ويحب أن تكون لنا مواقف فى حياتنا العملية ، وأذكر أن نظام البنك الذى كنت أعمل فيه كان به نظام البعثات للخارج ، وقد سبقني بعض الزملاء بالواسطة ، ولكن دوري لم يكن قد أتى بعد ، فقال لي : هل تحب أن أكلم لك المدير ، لو كلمته فسيكون لأخذ حق لك ، ولكن ليس لتجاوز حق الآخرين . فقلت له : من الأفضل أن آخذ دوري بكفاءتي .

وكان إيمانه الخاص بمبدأ معين يستمده من الإيمان بالله ، والزهد فى الحياة ، وله فى ذلك كلمة يقولها  : من يجر وراء الحياة تبتعد عنه ، ومن يزهد فيها تأته ، لأن المستغني مطلوب . ولذلك لم يكن يجري وراء منصب أو مال ، وكان يردد : طوبي لمن يعطي الحياة لقيمة أغلى عليه من الحياة .

                                         ( 4 )

أما شقيقه المحامي عبد المنعم الشرقاوي فيؤكد أن محور حياة عبد الرحمن الشرقاوي كان يتميز بالعطف على الفقراء والدفاع عنهم ، وكانت معظم معاركه تدور فى هذا الإطار ، وكذلك معاركه الإسلامية خاصة عندما كان يتحدث عن الإسلام واهتمامه بالفقراء وسد حاجاتهم ، واهتمام الولاة فى عصور الإسلام الزاهرة بالتخفيف من معاناة الفقراء ، والحرص على أن تقوم الدولة الإسلامية بتوفير مستوى حياة كريمة لكل رعاياها .

وكان هذا مثار جدل طويل بين عبد الرحمن وبعض رجال الفقه الإسلامي الذين كانوا يتهمونه بالاشتراكية ، وأنه يريد أن يجعل الإسلام إسلاما يساريا ، لمجرد تبنيه هدف الدفاع عن الفقراء ، والقول بأن الإسلام يدعو إليه .. وكان لذلك يدخل فى معارك كثيرة ويدافع عن نظرياته بأن الإسلام جاء لتحرير الإنسان من كل القيود ، وجاء يدافع عن كرامة الإنسان ، ولعل فى عنوان كتابه "  محمد رسول الحرية " ما ينطوي على اتجاهه وتفكيره لما قام به الإسلام من تحرير للفرد من العبودية ومن العوز ومن الحاجة .

ولم يكن الشرقاوي يضيق بأي هجوم ، بل كان يرحب به ، لأنه كان يعطيه الفرصة لتوضيح أفكاره وشرح مبادئه ، وكانت أحسن كتاباته وهو يخوض المعارك الأدبية والدينية والسياسية .

وكانت اتجاهاته الإسلامية مبكرة ، فأخرج فى الأربعين من عمره " محمد رسول الحرية " عام 1962 ، وقبلها فى أواخر الخمسينات كتب بمجلة " الغد " التى كان يرأس تحريرها مقالات عديدة عن الإسلاميات . وفى طفولته قرأ القرآن الكريم كله فى كتاب القرية . وكان يهوى الشعر ، ويحفظه ويرويه ، وعندما بلغ سن الصبا فى المدرسة الثانوية الخديوية كان رئيسا " لجمعية التمثيل " ، وقد مارس التمثيل فعلا فى تلك المرحلة من عمره ، كما كان رئيسا " لجمعية المجلة " التى كانت تصدرها المدرسة ، وكان انشغاله دائما بالفن والأدب  ، وعندما دخل كلية الحقوق كطالب منتظم ، كان فى نفس الوقت يواظب على الدراسة بكلية الآداب كطالب هاو للآداب ودراساتها ، لدرجة أن صديقه عبد المنعم الصاوي سأله لماذا لم يدخل الامتحانات ، وقد ظنه أحد طلبة الآداب لانتظامه فى المحاضرات .

وكان بطبعه عزوفا عن أن يكنز المال أو يمتلك العقار ، كما كان عزوفا عن تولى المناصب الإدارية ، وكان الرئيس السادات قد عرض عليه رياسة تحرير " الأهرام " بعد " روز اليوسف " ولكنه اعتذر ، كما اعتذر أيضا عن منصب وزير الثقافة ، وكان يقول دائما إنه يملك قلمه ، وأن هذا القلم يجعله فى مركز يفوق أي مركز إداري آخر ، وأن المناصب الإدارية ستعطله عن الانتاج . بينما كان غيره يتهالكون على المناصب . وعندما تولى منصب رئيس مجلس إدارة " روز اليوسف " كان ذلك بطلب من رئيس السادات نفسه ، بعد أن اشترط لكي يقبل هذا المنصب أن يكتب ما يشاء ، ووافقه السادات الذى كان يستشهد بمقالاته لدي رؤساء بعض الدول على حرية الصحافة فى مصر ، وأن كاتبا فى الدولة التى يرأسها ينتقد الحكومة والنظام بلا حرج أو خوف من رقيب أو مساءلة . ولكن السادات أراد أن يقيد حرية الشرقاوي بعض الشئ ، فطلب من رئيس الوزراء ممدوح سالم آنذاك أن يفصل بعض المحررين " بروز اليوسف " بعد موقف الصحيفة من أحداث 17 و 18 يناير 1977 ، فقدم الشرقاوي استقالته قبل أن يغادر مكتب رئيس الوزراء ، وقال : أنا أستقيل وليس أحدا غيري . وبعدها رفض أي مناصب ، ومع ذلك كانت صلته طيبة بالرئيس السادات الذى كان يستشيره فى كثير من الأمور ، وكان يقدر آراءه ويقول عنه : إن عبد الرحمن لا يطلب منصبا ، ورأيه دائما بلا غرض - مما يكسب رأيه قيمة ونزاهة وقوة تأثير ، فقد كانت فضيلته الكبرى هي الصدق ولو هلك بسببه ، فعندما كان طالبا بكلية الحقوق مع الصحفي موسي صبري ، حدث إضراب فى الكلية ، وجرى تحقيق معهما على أساس أنهما المحرضان ، فصمم على الاعتراف بأنه وحده المحرض وأنه قام خطيبا فى الطلبة يدعوهم للإضراب ، وحاول الأستاذ المحقق أن يثنيه عن هذا الاعتراف الخطير الذى يهدد مستقبله ، ولكنه رفض تماما ، ولكن تم حفظ التحقيق لإنكار زميله موسي صبري ، فقد كان لابد من اعترافهما معا ليمضي التحقيق إلى العقاب المطلوب .

وقد جر عليه قلمه المتاعب إلى درجة السجن ، فقد قبض عليه أثناء حكم صدقي باشا ، ضمن مائة شخصية منهم عبد العزيز فهمي ومحمد مندور وآخرين كتبوا فى الصحف يهاجمون الإنجليز ويدعون إلى تحرير مصر منهم  ، وكان هدف السياسي المخضرم من هذه الحملة التأثير على الإنجليز فى مفاوضات الجلاء بوجود رأى عام قوي يضغط على الحكومة لإتمام عملية الجلاء . ثم قبض على الشرقاوي مرة أخري فى عهد ثورة يوليو بسبب قصة " الأرض " التى نشرها مسلسلة بجريدة " المصري " ، وكانت تحتوى على أغنية تقول : "  يا بهية وخبريني عن اللى قتل ياسين ، قتلوه السودانية من فوق ظهر الهجين " . فغضب القادة السودانيون وذهبوا يشكون للرئيس محمد نجيب آنذاك ، فأمر بالقبض على الشرقاوي ، ولم يستمر فى الحبس إلا ثلاثة أيام ثم أفرج عنه ، وعند طبع " الأرض " فى كتاب استبدل " السودانية " بكلمة " السود عينيه "! .

ولم يتغير الشرقاوي لأي سبب من الأسباب حتى بعد أن ذاعت شهرته ، فعلاقاته بأصدقائه ظلت حميمية دائما ، يرفع الكلفة بينه وبينهم ، ويساعدهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، وكان فى شبابه يأتي بأصدقائه إلى منزله ليأكلوا ويشربوا ويبيتون أيضا ، فقد كان كريما جدا إلى درجة أنه كان يقترض من إخوته ليعطي المحتاجين منهم ، وكان دائما يقف بجوار أصدقائه ، وقد سعي لدى الرئيس السادات للإفراج عن صديقه محمود توفيق الذى استشعر نية القبض عليه مع تتابعات أحداث 17 و 18 يناير فاصطحبه معه فى سيارته لمقابلة السادات ، وكان على موعد مسبق معه . إلى هذا الحد كان يتفانى  دفاعا عن أصدقائه . واستمرت صلته وثيقة بقريته وأصدقائه الفلاحين ، وكان يتمني بعد التقاعد عن العمل أن يكون مقامه فى القرية دائما . فقد ولد بقرية دلاتون مركز شبين الكوم منوفية فى العاشر من نوفمبر 1920 ، وكان ترتيبه الأخير بين إخوته ، أخته الكبيرة ثم ثلاثة ذكور ، ولم نكن نفترق إلا قليلا ، فقد كان ودودا جدا ، ويعتز بنفسه جدا ، ففى طفولته كان لا يتناول كوب الماء إلا إذا قيل له : تفضل يا عبد الرحمن أفندي . وعندما كان يدخل على آخرين ومن لا يقف له لا يسلم عليه ، وكان ذلك وهو فى سن ثماني سنوات من عمره ، وكان لديه إصرار وتصميم على تحقيق ما يريد إلى درجة أنه كان فى طفولته عندما كان تلميذا بمدرسة المحمدية الابتدائية بحي الخليفة فى القاهرة ، طلب من أخيه الأكبر الذى كان مقيما عنده فى تلك الفترة ، أن يذهب لزيارة منطقة الأهرامات ، وأن يعطيه مصاريف الذهاب والعودة ، فقال له : أنت لا تزال صغيرا ولابد أن يصطحبك أحد فى زيارتك . ولكنه لم يقتنع إلا بأنه ليس بحاجة لمساعدة أحد ، وأبرم فى نفسه أمرا ، وفى يوم الجمعة التالي لهذا الحوار اختفي طيلة النهار ، ثم عاد ليخبرنا أنه كان فى زيارة الأهرامات ، ولما سألناه : من أين أتى بالنقود ؟ ، قال : إنه ذهب وعاد مشيا على الأقدام ! .

ولما كبر تغير أسلوبه ، وكان يحترم الجميع ويتبسط مع الجميع ،  وينشئ صداقات  مع البسطاء والفلاحين فى القرية ، بل كان يدعوهم للفسحة معه فى القاهرة وزيارة الأماكن الأثرية ، وزيارة السيدة زينب وسيدنا الحسين رضي الله عنهما .

أما علاقته بوالديه فكانت ممتازة ، ولكنه كان ككل ابن لا يسلم من العلقات الساخنة .. حدث أن جاء ذات يوم يحمل جريدة " الصباح " وهي مجلة فنية ، وعلى غلافها صورة ممثلة كبيرة ، ولسوء حظه فتح له والدنا الباب فوجد المجلة بين يديه ، فتلقي علقة ، كما تلقي أخري بعد أن دخل عليه على أساس أنه يذاكر فضبطه يقرأ شعرا فى الغزل .. وكان هذا العقاب خشية عليه من أن تشغله مثل هذه الأمور عن مذاكرته ودراسته .

أما والدتنا فكانت تقوم بتدليله باعتباره آخر العنقود ، فكانت تعطيه نقودا أكثر ، وتهتم بمطعمه وملابسه ، فكان يحب أمه ويحترم أباه ، ولم يدخن أمامه سيجارة واحدة حتى وفاته .

وكان سريع التأثر بالجمال والحب وإنشاء الشعر فى الغراميات ، ولكنها كانت تجارب قصيرة لا تشغله عن دراسته ، وقد تزوج وهو فى الثامنة والعشرين وأنجب د. عزة أستاذ التحاليل بجامعة الزقازيق ، ود. أحمد مدرس طب الأطفال بطب بنها  ود. شريف مدرس أمراض النساء بالقصر العيني ، وأيمن المحاسب بالمصرف العربي الدولي ، وكانت أجمل أوقاته التى يقضيها مع والديه وإخوته وأولاده ، أو التى كان يقضيها مع أصدقائه المحبين ، ومن الأوقات المحببة لديه حين كان يكتب مسرحياته وإسلامياته ، حيث كان يتفانى تماما فيما يكتب ، ويعتكف لذلك ، ولا يستطيع أحد أن يحادثه أو يقابله .

وكانت حياته بسيطة لا يهوى الترف ، ولذلك كانت أي هدية بسيطة من صديق عزيز تملك عليه قلبه ، لأنه كان يقدر قيمتها المعنوية كثيرا ، وكان الصدق الذى يمثل فلسفته فى الحياة ويعيش به وعليه ، يدفعه ويشغله لإعطاء القدوة الصالحة من التاريخ الإسلامي للشباب ، ولذلك كتب عن " الحسين ثائرا وشهيدا " ، وكتب عن " عمر بن عبد العزيز " خامس الخلفاء الراشدين ، حيث تجد فى مثل هذه النماذج فعلا المثل والقدوة للأخلاق الكريمة والتضحية فى سبيل المبدأ .

                                          ( 5 )

أما د. فتحي عبد الفتاح الأديب والناقد الذى كان لا يزال طالبا بقسم اللغة الإنجليزية حينما تعرف عليه الشرقاوي ،  وعملا  معا فى مجالات كثيرة آخرها " منظمة التضامن الآسيوي الأفريقي " ،  وكان الوحيد الذى يدفع إليه بمسودات مقالاته وأعماله ليطلب رأيه فيها ، حدثني عن ذكرياته مع الشرقاوي قائلا :

إلى جانب أن الشرقاوي كان أديبا شاملا فقد كان مفكرا سياسيا أيضا ، ارتبطت عنده الكلمة بالفعل ، وكان هو أول من أدخل إلى قاموس الفكر السياسي كلمات مثل : شرف الكلمة ،  قدسية الكلمة  . ولذلك كانت حياته كلها دفاع عن حرية الكلمة ، فاعتقل وفصل  شرد ، لأنه مارس فكره كما عبرت عنه كلماته تجسيدا لتجربة حية عاشها . فقد انتقل الشرقاوي للعمل بجريدة  " الجمهورية " بعد إغلاق جريدة " المصري " ، وكان السادات رئيسا للتحرير ومديرا عاما " للجمهورية " ، وكان يكتب مقالا فى الصفحة الأولى على عمودين ، بينما كان الشرقاوي يكتب فى صفحة داخلية ، وكان محسوبا على اليساريين مما أدخله فى تصادم مع الثورة ، وفى تلك الفترة رشح السادات سكرتيرا عاما للمؤتمر الإسلامي ، وكان يكتب سلسلة من المقالات عن الخطر الأحمر الزاحف على المنطقة ، محذرا من خطر السوفييت فى ذلك الوقت ، وكتب الشرقاوي مقالا يطالب فيه بفتح حوار مع رؤساء دول شرق أوروبا تحت دعوى أن الغرب منع عنا السلاح .. إلخ ..  وفى مساء تلك الليلة ذهب إلى السادات مدير مكتبه ليعرض عليه بروفات العدد الجديد من جريدة الجمهورية ، فوجد السادات أنه فى الوقت الذى يحذر فيه من خطر المعسكر الشيوعي ، يدعو الشرقاوي للحوار معه ، مقالتان متناقضتان فى جريدة واحدة هي المعبرة عن فكر الثورة ، وفوجئ الشرقاوي بنفسه مقبوضا عليه بواسطة البوليس الحربي فى منتصف الليل أثناء سهرته مع الكاتب المسرحي نعمان عاشور فى"  تريانف " ، وأدخلوه مكتب السادات بجريدة الجمهورية وهو لا يدري ما هي تهمته .. ونظر إليه السادات نظرة طويلة ثم قال له : كيف ترد على فى نفس الجريدة ؟، فقال له  الشرقاوي : وهل سيادتك تكتب ؟ ، مما أثار ثائرة السادات . وكانت النتيجة دخول عبد الرحمن الشرقاوي السجن الحربي الذى كانت سمعته بالغة السوء ، وفى الفجر سمع الشرقاوي باب السجن يفتح ، فظن أن كلبا جائعا سوف يطلق عليه ، ولكنه فوجئ بمدير السجن الحربي حمزة البسيوني ومعه السادات الذى قال له : تعال معي ، فالتفت الشرقاوي إلى مدير السجن قائلا : يا سيادة قائد المعتقل أنا فى حمايتك . وكانت المفاجأة أن السادات اصطحب الشرقاوي معه فى عربيته " الفولكس " إلى بيته فى الهرم وراح يحدثه بمودة ، وقال له : انت فى أول مرة نتعرف فيها على بعض نرفزتني ، وأنت لا تعرف أنني كنت أكتب منذ ما قبل الثورة .

ولما كان الصبح قد أشرق أحضر السادات إفطارا من الفول والطعمية وقال للشرقاوي :  هل أنت زي حالاتي ، ولا من المثقفين الذين يفطرون الجبن والبيض ؟ – وأضاف السادات : لقد أعجبت بشجاعتك ، لأنني أعجب بمن لهم فكر ورأي . ثم سأله سؤالا غريبا فوجئ به الشرقاوي : هل تعرف الرئيس عبد الناصر؟ ، فنفي له الشرقاوي ذلك ، فقال له السادات : أرجو أن تزورني .

واتضح بعد ذلك أن عبد الناصر كان يفكر فى ذلك الوقت فى الاتجاه إلى المعسكر الاشتراكي ، ولما أطلعه السادات على مقال الشرقاوي اتضح له أنه يتفق معه فيما يفكر فيه من فتح حوار مع المعسكر الاشتراكي ، فأمر بالإفراج عنه ، ومنذ ذلك الوقت صار الشرقاوي والسادات أصدقاء ، يحبه السادات رغم اختلافه معه فى آرائه ، لأن الشرقاوي كان متوحدا مع نفسه ، لا يقول كلاما " لعلي " وآخر " لمعاوية " ، لذلك كان ما يغضبه من المثقفين ما سماه الازدواجية ، حيث لهم لغة يخاطبون بها القراء ، ولغة أخرى يخاطبون بها الحكام . وكان يحزن الشرقاوي أنه رغم إخلاصه لأصدقائه إلا أن كثيرين منهم لم يكونوا مخلصين له .. فعندما كتب " الفتي مهران " عام 1968 بعد الهزيمة وتناول فيها فكرة السلطان العادل حين توجه إليه قائلا : أيها السلطان اترك منزلك ، والتحم بالشعب يصبح قلعتك . وفسرها بعض الكتاب التقدميين بأن المقصود بها عبد الناصر نفسه ، وكأنهم يقدمون بلاغا لوزير الداخلية شعراوي جمعة الذى أمر بإيقاف عرض المسرحية ، وكان الذى أمر باستمرارها عبد الناصر نفسه ، وكان عبد الناصر أيضا هو الذى أمر بالإفراج عن كتاب الشرقاوي " محمد رسول الحرية " بعد مصادرته ، فقد كان عبد الناصر يقول إنه معجب بالشرقاوي ، ومع ذلك فقد منع الشرقاوي من الكتابة فى أوائل الستينات لدفاعه عن زملائه من الكتاب والمثقفين الذين كانت لهم آراء معينة عوقبوا بسببها بالاعتقال ، ولكنهم بعد خروجهم من المعتقل حصلوا على مناصب ومراكز رفيعة بالدولة ، ومع ذلك ظل الشرقاوي ممنوعا من الكتابة ولم يحاول أحد الدفاع عنه أو إعادته للكتابة ، بل إن أخاه عبد المنعم الشرقاوي عندما اعتقل وتعرض للتعذيب ، فى الوقت نفسه الذى كان فيه الشرقاوي مفصولا من جريدة الجمهورية إلى مؤسسة السينما ، وكان هو نفسه عرضة للهجوم بشكل أو بآخر ، ولم يفعل أحد من هؤلاء المثقفين شيئا للشرقاوي ولا لشقيقه ، وكان ثروت عكاشة هو الذى تدخل لدي عبد الناصر الذى أمر بالإفراج عن أخيه .

هذه الظروف الصعبة التى أحاطت بالشرقاوي أحبطته وجعلته يبكي ليس عن ضعف ولكن عن إحساسه بغدر وعدم صدق بعض المثقفين الذين كان من المفترض أنهم ينتمون إلى خطه الفكري ، وكان يقول المشكلة ليست فى أن يختلف معك الآخرون فى الرأي وتدافع عنهم ، إنما المشكلة أن يتفق معك مثقفون فى الرأي ويهاجمونك . ومع ذلك لم يتخل أبدا عن مساعدة الآخرين ، وأحدهم كان يهاجمه بشدة فى جلسات المثقفين ، وعندما أصيب بكارثة مادية وصحية ، كان الشرقاوي أول من وقف بجواره وسعى لعلاجه على نفقة الدولة ، حدث ذلك رغم أن الشرقاوي عاش ومات فقيرا ، وكان يقترض ليزوج أحد أبنائه .

وأتذكر آخر حوار لنا معه فى موسكو حين دعينا مع قيادات ومفكري العالم الثالث لمناقشة " البروسترويكا " ، قال الشرقاوي إنه مع إسقاط الجانب الديكتاتوري فى النظم الاشتراكية ، إلا أنه كان يري أن ذلك يجري على حساب العالم الثالث الذى كان يجد فى قوتين كبيرتين فرصة للتحرك بينهما.

                                           ( 6 )

أما الشاعر محمد التهامي صديق طفولته وزميله فى المراحل الأولي من دراسته فيقول : إن ارتباط الشرقاوي بقريته انعكس على أسلوبه فى استعمال تعبيرات لا تستعمل إلا فى قريته دلاتون مثل قوله : آه يا بلد . وكان يسمي قريته " هذه القرية المغمورة فى ركام النسيان " ، ورغم ذلك كان يقول عنها : إنها فى جمالها تفوق سويسرا .  وكانت طفولته مليئة بالشيطنة والبراءة . كان يحسن الصلاة ويداوم عليها فى أوقاتها ، كما تعلمناها فى كتاب القرية ومسجدها .

وكان يصوغ تجاربه شعرا ، وكان ينتهز فرصة الأجازة الصيفية ليعيش حياته بالطول والعرض مع أترابه فى القرية ، ومن آيات الشقاوة فيه مغازلة الحسناوات الريفيات ، وليس أدل على ذلك من أنه جعل بطلة قصة الأرض " وصيفة " وهي فتاة ريفية تعيش فى قريته ، وقد نالت إعجابه ، وكانت لا تزال تعيش حين حضرت الاحتفال بذكراه . وكانت شخصية " علواني " شخصية حقيقية فى قريته .. فكان فى أعماله الأدبية والشعرية يمتاز بالصدق الواقعي والصدق الفني ، وكان من أترابه فى القرية الأديب سعد مكاوي ، وكان الشرقاوي يقوم بدور حمامة السلام فى الخلافات التى كانت تقع بين إخوته الكبار وأولاد عمه فى نطاق أسرته الواسعة .

وقد لفتني منذ طفولته أنه كان يشارك مشاركة وجدانية فى الأحداث ، فقد كان شغله الشاغل منذ طفولته :  القضية الوطنية . وكشاعر كان فى أعماقه قضية الإنسان ، وكانت نشأته الريفية وانتماؤه لأسرة كبيرة ، وحبه الشديد للقرية محورا لأهم أعماله وهي قصة " الأرض " التى تصور ولاء وانتماء الفلاح المصري لأرضه ، وإيمانه بحقه ومقاومته لأعدائه حتى الموت ، وقد رأيته يبكي وهو صغير عندما يرى إنسانا مظلوما لا يستطيع أن يحصل على حقه . ورغم أن طباع الشرقاوي فى أصلها هي فى أعماقه فطرية وفى منتهي الرقة والعذوبة ، إلا أن مواقفه العنيفة كان يضطر إليها اضطرارا للدفاع عن نفسه عندما يعتدى عليه .

ولا أجافي الحقيقة عندما أقول أنني لاحظت أن الهجوم الظالم عليه كان يترك خطوطا عميقة من الألم والضيق فى نفسه . وكان ينفس عما فى نفسه فيما يكتبه ، ونلاحظ أن مسرحيته "  الحسين ثائرا وشهيدا " مازالت مصادرة حتى الآن ، وإن كان كتابه " عمر الفاروق " رغم إعداده فى التليفزيون مازال موقوفا من الأزهر .

                                        ( 7 )

أما د. مصطفى عبد الغني الناقد والباحث الأدبي ، وصاحب كتابين مهمين عن الشرقاوي تناول فيهما حياته وأدبه من خلال لقاءات مباشرة معه ، فيرى أن أهم ملمح فى شخصية الشرقاوي هو البحث الدائم عن الملامح الاجتماعية ، ومحاولة تجسيدها من خلال الفكر الإسلامي ، فقد كانت الفكرة الاجتماعية تسيطر عليه منذ بداية حياته السياسية والاجتماعية فى نهاية الأربعينات ، فكتب فى ذلك قصصه القصيرة التى نشرت فى " المصري " بشكل خاص ، وقصائده التى توالت من السجن وخارجه .. وقد استوحي فى ذلك أفكار كل من سعد مكاوي ومحمود البدوي ، وكان يقول إنهم أساتذته ، وطور فى أدواته فى رواياته المعروفة : الأرض - الفلاح - الشوارع الخلفية ، ووصل إلى أقصي تعبير لهذا الجانب الاجتماعي فى تراجمه الإسلامية الكثيرة التى شغل بها فى الفترة الأخيرة من حياته .

 وإلى جانب الناحية الاجتماعية كان حريصا جدا على تأكيد دور العقل ورفض الخرافة  ، وهو عنصر كان يتأكد فى كتاباته الأخيرة بوجه خاص .. وظهر فى المعارك الأدبية والفكرية التى وقع أسيرا لها ، وربما كان الغلو فى دور العقل وتأكيد الدور الاجتماعي معا ، يظهر أكثر مما يظهر فى كتابه فى بداية الستينات " محمد رسول الحرية " . ملمح آخر اشترك فيه كل رواد التنوير فى مصر ، ويتمثل فى التمرد على التقاليد ، وهذا التمرد تجده عند طه حسين ، وهو أستاذه ، كما تجده عند أحمد بهاء زميل الشرقاوي منذ عملا معا بوزارة الأوقاف ، هذا التمرد ضد التقاليد البالية تستطيع أن ترصده فى جميع أعماله الأدبية ومعاركه الفكرية أيضا ، وسأعطيك ثلاثة أمثلة لمعاركه ..

المعركة الأولي فى بداية الخمسينات حين هاجم السلطة القائمة فى هذا الوقت بعنف شديد بعد الثورة ، وهرب حين أحس أنه مقبل على الاعتقال ، ومما يذكر أن طه حسين سعي إليه فى جريدة " المصري " ، وكان أحد كتابها المعروفين ، ليتناقش معه فى أحد كتاباته التى هاجم فيها طه حسين نفسه ، ولما لم يجده طه حسين استطاع أن يلتقى به خفية خارج الجريدة ، وينصحه نصيحة لم يلتزم بها الشرقاوي وهي ابتعاده عن رجال الثورة قائلا له :  فإنه من الحمق أن تتحامق على حمقي . ولكن الشرقاوي لم يلتزم بذلك ، وآثر أن يتخذ موقفا عنيفا من طه حسين على اعتبار أنه يمثل الجيل القديم الذى أراد أن يهادن الثورة فور قيامها ، ولم يلن موقفه من طه حسين إلا بعد أن التقي " أراجون " الشاعر الفرنسي الشهير بباريس فيما بعد ، وقام بدور المصالحة بينهما .

المعركة الثانية  هي المعركة التى دارت فى بداية الستينات عن كتابه " محمد رسول الحرية " ، وفيها اتهم بأنه يتعامل مع الرسول وحوارييه بشكل بشري ، ويفصل بين الوحي وبين الواقع ، حين يتحدث عن القضايا الاجتماعية . كانت هذه الفترة هي التى أحل فيها دمه الشيخ محمد الغزالي فى أحد خطبه ، كما ثار الأزهر ضده ، ومع ذلك لم يتوان عن رد الهجوم بهجوم أعنف ، حتى نالته من هذه المعركة نيران كثيرة ، امتدت آثارها طيلة السبعينات إبان مسرحية " الحسين ثائرا وشهيدا " ، فقد رفض الأزهر النص ، ودارت مكاتبات كثيرة انتهت بأن دخلت مسرحية الشرقاوي البيات الشتوي .

المعركة الثالثة هي معركته الأخيرة قبل أن يرحل بعدة شهور ، على إثر كتاباته عن سيدنا عثمان ثم الأئمة العظام ، حين أراد أن يتعامل مع الصحابة والأئمة تعاملا مباشرا يبعد بهم عن القداسة ، ومن ثم وقع فى أسر المبالغة ، فهوجم من رجال الدين بدون استثناء ، للعديد من التجاوزات التى تورط فيها ، ووصلت الرسائل التى تهاجمه إلى عدد هائل كونت ملفات عديدة ، حصلت أنا شخصيا عليها جميعا ، ولم تنته هذه المعركة إلا بعد أن سعي الشيخ الباقوري فى " جمعية الشبان المسلمين " إلى لم الشمل ، فجمع بين الشرقاوي والشيوخ ، واستطاع أن يدير مجلسا كبيرا دار فيه جدل طويل بين الشرقاوي ومناوئيه الكثيرين ، انتهي بعد ساعات إلى بيان أبدى فيه الشرقاوي احترامه للدين ورموزه ، وأبدى فيه الشيخ الغزالي – وكان أهم قطب – اقتناعه بأن موقف الشرقاوي ليس فيه شبهة أو ريبة .

ولأن عبد الرحمن الشرقاوي من أصول ريفية ، فقد كان مرتبطا بالأخلاق الريفية ، وكان يقدم الكثير من الخدمات لأهل بلده ، وحكي لي الشرقاوي شخصيا كيف أنه فى القرية شهد موقفا إنسانيا تمثل فى أحد أبناء القرية وكان فقيرا معوزا ، سأل الشرقاوي أن يعينه على الحياة ، فتحدث إلى والده بشأنه ، واستطاعت أسرة الشرقاوي تعليمه حتى صار الآن أشهر طبيب فى الإسكندرية ، ولم يفصح الشرقاوي عن اسمه أبدا .

ونستطيع أن نجد فى روايته " الفلاح " وقوفه إلى جانب أهل قريته ، ويمضى مع الفلاح الذى جاء بالنيابة عنهم ، ويعرض قضيته فى " الاتحاد القومي " – الاتحاد الاشتركي فيما بعد – ويتجشم من أجلهم الكثير ، مما كان يعرضه للخطر .

ومن يقترب من الشرقاوي رغم علو هامته ومكانته الأدبية والفكرية الكبيرة ، يجده ودودا كأي فلاح مصري مسلم طيب .

 

Katen Doe

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

يحيى

المزيد من ثقافة

"وجوه على الطريق".. مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل

صدرت، اليوم الخميس، مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل بعنوان "وجوه على الطريق".

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...


مقالات

الغش بين ضعف الضمير وضعف الواقع
  • الجمعة، 23 يناير 2026 11:00 ص
دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م