الرد المبين على من زعموا بمحاولتها الانتحار / ماذا قالت المسيحية المتدينة عن تأثير القرآن على شخصيتها؟ / بسلامة نية وقعت لابن عمها توكيل عام لإدارة أملاكها وفوجئت بدعوى للحجر عليها بحجة عدم سلامة قواها العقلية والنفسية / أختارت من أن تدفن فى مصر التى عاشت فيها 34 عاماً ولم يكن فى وداعها سوى مطران والسيد والجميل / كيف تجاوزت برضا المتصوفة تجربتها المرعبة فى «العصفورية»
ولدت مى زيادة فى الجنة، أو هكذا رأت مراتع طفولتها فى فلسطين، تحوطها جبال الكرمل وحرمون وخضرة مروج ابن عامر الفسيحة، وأنفاس الليمون والزعتر والياسمين المنبعثة من أرض الجليل الجميلة.كل شىء حولها كان يشى بالجمال والدلال والسحر ويبشر بحياة رغدة ناعمة تنتظر تلك الطفلة بديعة الحسن.فى "الناصرة" بفلسطين كان مولدها، لأم فلسطينية "نزهة خليل معمر" من أكابر عائلاتها، ولأب لبنانى "الياس زيادة" جاء ليعمل مدرسا بمدرسة "الأرض المقدسة" فوقع فى غرام بنت الناصرة الجميلة وتزوجها، وجاءت "مارى" التى اشتهرت باسم مى إلى الدنيا فى 11 فبراير 1886.. وفى فلسطين بلد الأم عاشت مى 15 عاما، وفى لبنان بلد الأب عاشت 6 سنوات، إلى أن استقر المقام بالأسرة فى القاهرة عام 1907، وفى المرحلة المصرية من حياتها التى بلغت 34 عاما، سطع نجم مى وبدأت شهرتها وعلت مكانتها واتجهت إليها الأنظار، ونالت من المجد والنجاح ما جعلها تحمل لقب أديبة الشرق، وخطيبة العالم العربى الأولى.. فمنحتها مصر جنسيتها ومكانتها. عاشت مى سنوات طفولتها صباها وشبابها مدللة فى بيت أبيها، خاصة وأن القدر حرمه من ابنه "الياس" الذى رزقه به الله بعد مى بأربع سنوات، لكنه توفى قبل أن يكمل العامين من عمره..
ولأنها كانت ابنته الوحيدة فقد منحها "المعلم الياس" كل اهتمامه ورعايته وحمايته، ونافسته الأم فى تدليل ابنتهما الجميلة، فائقة النبوغ والذكاء والموهبة..
(1)
لم تعرف مى من الحياة فى تلك السنوات سوى وجهها البراق، فتفرغت للدراسة والكتابة، ولمعت كأديبة وخطيبة وصاحبة أشهر صالون ثقافى فى العالم العربى، افتتحته فى العام 1913 وظل قِبلة المفكرين والشعراء والسياسيين لما يقارب العشرين عاما، يتبارى ألمع مبدعى مصر على التحلق حول مى مساء كل ثلاثاء، وكأنه عيد أسبوعى ينتظرونه بشغف..
أقبلت الدنيا على مى، فأحبتها ووثقت بها وظنت بدوام أمانها ونعيمها.. إلى أن فوجئت بوجهها القبيح الغادر، وبالمحن تنزل على رأسها، وبالأحزان تطاردها وتحاصرها وتعتصر قلبها الأخضر..
زار الحزن قلب مى لمرة واحدة وهى طفلة، عندما خطف الموت شقيقها الوحيد، كانت يومها طفلة فى السابعة، لكنها أحست بمرارة الفقد ولوعة الفراق وصدمة الحرمان، لكن الزمن كان كفيلا بمداواة جرحها وتخطى حزنها..
لكن بعدما أدار الزمان وجهه جاءتها الأحزان بالجملة وليست فرادى، ولاحقتها المحن وكأنها تنتقم من سنوات الصفاء والهناء..
بدأت سنوات الأحزان والمحن برحيل الأب، السند والظهر الذى كانت لا تحمل مى فى وجوده هما ولا تحسب للدنيا حسابا..
كان الأب يملك ويدير جريدة "المحروسة" ومطبعتها، وهى الجريدة التى كانت الباب الصغير الذى دخلت منه مى إلى عالم الكتابة والثقافة والإبداع، فإذا بكل الأبواب تنفتح لها وتتنافس على قلمها..
تمتع الأب بعقلية متفتحة وبثراء مادى أتاح لمى أن تنتظم فى إقامة صالونها الأدبى، وسمح لها أن تستقبل "الرجال" من أكابر المبدعين فى بيتها، تتناقش معهم وتتحاور، فى زمن كان المكان الوحيد فيه للمرأة هو.. الحرملك، خلف البرقع، وخلف الجدران المغلقة.. واستمرت مى تفتح صالونها وتستقبل زوارها فى بيتها ما يقارب العشرين عاما..
ولذلك كان رحيل الأب صدمة قاسية، وظل العام 1929 فارقا فى حياة مى، ففيه مات الأب وفتحت الأحزان فى قلبها بابا لم ينغلق بعده أبدا..
ولم تكد تفيق من صدمتها الأولى وتحاول أن تُجبر انكسار قلبها وتتجاوز حزنها، حتى باغتها الزمن بصدمة جديدة، ففى العام 1931 رحل جبران خليل جبران، الرجل الوحيد الذى شغف قلبها حبا، والوحيد الذى حلمت به حبيبا وزوجا، وكانت الرسائل المتبادلة بينهما عبر سنوات الغرام العشرين (بدأت عام 1912 واستمرت حتى قبل أسبوعين من رحيل جبران) كفيلة بأن تجعل لحياتها معنى، لكن الحياة استكثرت عليها حتى هذا الحب الرومانسى العفيف، فحرمتها من حبيبها وأنيس روحها.. الذى لم تلتقيه سوى على الورق.
وما هى إلا شهور بعد رحيل جبران، حتى رحلت أمها، آخر ما تبقى لها فى الحياة، وأقرب الناس إلى قلبها.. وعمود خيمتها الأخير.
ثلاث صدمات قاسية متعاقبة، أفقدتها توازنها وزلزلت كيانها وسودت الدنيا فى عيونها.. لكنها حاولت التماسك، وقررت أن تسافر إلى لندن فى رحلة للنسيان، علّها تجد فى دراسة الفن والأدب بجامعة لندن ما ينتشلها من الأحزان..
وبالفعل سافرت مى إلى لندن فى صيف العام 1935، ومن عاصمة الضباب إلى روما حيث قضت شهورا قبل أن تعود من جديد إلى القاهرة.. وهى لا تعرف ولا تدرى أن محنة أشد وأقسى وأعظم فى انتظارها..
(2)
فشلت رحلة النسيان فى أن تنسيها أحزانها، بل تمكنت منها ونشبت أظافرها فى قلبها وأسلمتها إلى حالة من العزلة واليأس..
وجاء ابن عمها جوزيف زيادة ليطمئن عليها، وحاول كثيرا أن يقنعها بالسفر معه إلى لبنان، علها تجد فى تجديد الأماكن والوجوه والهواء ما يعيدها إلى الحياة، وظل يلح فى طلبه حتى اقتنعت، ولم تكن تدرى أنها عندما حطت رحالها فى بيته بيروت أنها وقعت فى الفخ وفى كمين محكم نُصب لها، كان الغرض منه الاستيلاء على ثروتها وأموالها..
بسلامة نية وقعت لابن عمها على توكيل عام لإدارة ومتابعة أملاكها وممتلكاتها، ولكنها فوجئت بدعوى للحجر عليها بحجة عدم سلامة قواها العقلية والنفسية، كما أقام دعوى أخرى بالحجر أمام المجلس الحسبى بالقاهرة، وهكذا وجدت نفسها عام 1937 نزيلة مستشفى "العصفورية"، أشهر مستشفيات لبنان للأمراض النفسية والعقلية (أشبه بمستشفى العباسية فى مصر)..
وعاشت مى، باهرة العقل والجمال والإبداع نزيلة فى مستشفى زميلة للمجانين وأصحاب التشوهات النفسية والعقلية، وهى تجربة كانت كفيلة بأن تُفقدها كل ما تبقى فيها من عقل ومن إرادة للحياة..
لم تستطع فى البداية أن تستوعب وضعها بين جدران مستشفى مسلوبة الإرادة والحرية، وهى التى عاشت عمرها ترفرف كعصفور منطلق، تكره القيود والسدود والجدران، ولذلك قاومت بكل ضعفها، ورفضت الاستسلام لهذا المصير، وأضربت عن الطعام حتى اضطر الأطباء أن يغذوها بالأنابيب المتصلة بفمها وأنفها، وظلت على هذه الحال وفى ذلك العذاب لعشرة شهور متصلة، نزل فيه وزنها إلى 28 كيلو فقط..
واستمرت المأساة، إلى أن تنبه المحبون والأصدقاء لغيابها الطويل، فبدأت المؤامرة على مى فى الانكشاف، وما تعرضت له من نذالة الأقارب تخرج للعلن وإلى صفحات الصحف والمجلات، وتشكلت قوة ضغط لإنهاء مأساة الآنسة مى وإخراجها من "العصفورية".. المأساة التى كتبت عنها فى أوراقها: باسم الحياة ألقانى الأقارب فى دار المجانين، أحتضر على مهل وأموت شيئا فشيئا"..
لكن إرادة الحياة كانت أقوى. . وكُتب لمى عمر جديد.. وبعد نحو ثلاث سنوات فى الجحيم عادت مى إلى القاهرة.. شبح إنسان.
(3)
ضاعت ثروتها.. وضاعت حياتها
لكن أكثر ما كان يؤلمها أن يتخلى عنها الأصدقاء والأحباب فى محنتها، ولذلك قررت بعد عودتها أن تعتزل الدنيا والأصدقاء، وتعيش حياة هادئة بسيطة بعيدا عن صخب الأضواء وزيف المثقفين، فاستأجرت شقة بسيطة تتناسب مع ظروفها المادية الجديدة بعدما استولى الأقارب على ثروتها وممتلكاتها..
كانت تقضى ساعات طويلة من نهارها تسلى نفسها فى غزل الكانفاه وشغل الإبرة، ونادرون من الأصدقاء القدامى هم الذين سمحت لهم بالاقتراب منها وفتحت لهم بابها..
الغريب أنها بعد كل هذه المحن التى تزلزل الجبال بدأت نفسها تصفو، تسربت منها الأحقاد والكراهية والغضب على الذين أساءوا إليها وآذوها وأذلوها وحولوا حياتها إلى جحيم..
وبلغ من صفاء نفسها أنها تنبأت برحيلها وأدركت باقتراب نهايتها وتقبلت الأمر ببساطة ورضا، وهو ما يتبدى من ذلك الموقف الذى يحكيه الكاتب الأديب طاهر الطناحى، وكان من هؤلاء الندرة من الأصدقاء الذين ظلوا بالقرب منها وعلى اتصال بها فى المشهد الأخير من حياتها..
يكتب طاهر الطناحى:
"قبل مرضها الأخير بقليل كنت أزورها ذات ليلة فلمحت فى وجهها شيئا من التفكير الحزين، وفى حديثها هزة الاكتئاب والجزع، ثم سألتنى: هل تعرف تفسير الأحلام؟..قلت: ولماذا.. هل رأيتِ حلما؟..قالت: إنى أرى حلما مؤلما، وقد نهضت من نومى حزينة خائفة.. فقلت لها: وما هو هذا الحلم؟.. قالت: رأيت ليلة أمس سيدة مقبلة عليّ ملتحفة بالسواد، فلم أتبين من هى.. حتى إذا اقتربت منى صرخت قائلة: أمى !,,فبكت..ثم أقبلت نحوى تضمنى إلى صدرها وتبكى، فبكيت لبكائها، وقلت: مالك يا أمى؟..فلم تجيبنى.. واستيقظت من نومى فازعة من هذه الرؤيا، فهى أول مرة أرى فيها والدتى بعد موتها، وقد شغلت بها حتى الآن بل تشاءمت، وأيقنت أنى سأموت قريبا أو يصيبنى مرض شديد..
وما زال الطناحى يحكى:
قصت مى هذه الرؤيا وتقاطرت الدموع من عينيها، ثم استجابت لما عرف عنها من شجاعة وتحمل وقالت: وهل عهدتنى من الجبناء؟.. إنى لا أخاف الموت ولا أخشاه، إن وراء الموت وجودا غير ملموس يُدعى السعادة.. وإنى لأشعر باحتياج محرق إلى التعرف إليها والتمتع بها.. فقلت لها: مثلك من أعطى روحا عاليا وأدبا خالدا لن يموت، لكنى أشفق من أن تسيطر عليك الأوهام!.. قالت: إننى لا أخدع بالأوهام غير أنى لا آمن صروف الأيام، فهل تسمح أن تبحث لى عن تأويل رؤياى.. فأخذت أطمئنها ولكنها ألحت أن أستشير خبيرا بتفسير الأحلام، فوعدتها وذهبت أفكر فيما عسى أن أعود به إليها فى الأسبوع التالى، وكنت أزورها كل أسبوع مرة، ثم اخترعت لها تأويلا طريفا، فلم يخف على ذكائها أننى أصانعها لأدخل على نفسها التفاؤل والاطمئنان..".
هذا ما حكاه الطناحى بنص كلماته عن رؤيا مى التى كانت تعرف تفسيرها، فقد جاءت أمها فى الرؤيا لتصحبها إلى مثواها الأخير..
وتقبلت النهاية، لم تجزع من الموت ولم يقشعر بدنها من استقباله..
فى ساعاتها الأخيرة بمستشفى المعادى كانت نفسها صافية، لم تذكر أحدا بسوء، لم تدعو على من ظلمها وعذبها واستباح مالها وأدخلها فى أصعب تجارب حياتها وأمرها، كانت ابتسامة رضا تكسو وجهها وكأنها تستعد لرحلة سفر سعيدة..
تبخرت مرارات الدنيا من نفسها وقلبها، وظلت ابتسامة الرضا تظلل روجها وهى تطل على موكب جنازتها المتواضعة، فلم يكن فى وداع أديبة الشرق سوى ثلاثة أشخاص: خليل مطران، أحمد لطفى السيد، وأنطون الجميل.. هم وحدهم الذين تذكروها وتحملوا مشقة السير فى جنازة مى فى ذلك اليوم الخريفى المطير إلى أن وصلت الجثمان المسجى إلى مقابر الموارنة فى مصر..
اختارت مى أن تُدفن فى مصر، البلد الذى احتضنها 34 سنة، وكانت هى إجابتها على سؤالها القديم الحائر: ولدت فى بلد، وأبى من بلد، وأمى من بلد، وسكنى فى بلد، وأشباح نفسى تنتقل من بلد إلى بلد.. فلأى هذه البلاد أنتمى، وعن أى هذه البلدان أدافع؟!
(4)
فى بعض كتابات الذين أرخوا لحياة مى ستجد إشارات عابرة إلى محاولتها الانتحار، هروبا من المآسى التى عاشتها وعانتها، وهو أمر لا يمكن تصديقه ولا قبوله بل يمكننا تفنيده ودحضه، ففضلا عن شخصية مى القوية التى جعلتها تتقبل الصدمات بشجاعة وتدفعها إرادة الحياة إلى المقاومة للخروج من العصفورية، فإننا يمكن أن نورد أيضا سببا وجيها يجعل من فكرة الانتحار خاطرا مستحيلا لا يمكن أن يرد على ذهنها، ونقصد به تكوينها الروحى والدينى المتين، بفعل سنوات دراستها فى مدرسة الراهبات الثانوية ببلدة "عينطورة"، ثم فى المدرسة "اللعازارية" للراهبات ببيروت.. وبفعل ثقافتها الإسلامية التى شكلت جزءا من وجدانها وتكوينها الروحى، فهى بنفسها تعترف فى مقال لها بمجلة الهلال (فبراير 1930) بتأثير القرآن على شخصيتها وأسلوبها، منذ أن دلها عليه أحمد لطفى السيد، فأهداها نسخة منه ومعه مجموعة من كتب التراث الإسلامى.. وهو تكوين روحى كان يمثل حائط صد لها ضد غوائل الزمن ومنغصات الحياة..
تحملت مى إذن مآسى الزمن بصبر وثبات ورضا، وبحالة من الزهد فى الحياة، تبدت فى بساطة عيشتها ونهايتها وجنازتها ومقبرتها، حتى لو نقشوا عليها تلك الكلمات الفخمة: هنا ترقد نابغة الشرق، زعيمة أديبات العرب، المثل الأعلى للأدب والاجتماع، المرحومة مى زيادة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
مع التطور السريع في عالم التكنولوجيا، أصبحت تجربة السفر أكثر سهولة وراحة بفضل الابتكارات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط حياة...
بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...
قصة أول بيتين شعريين كتبهما فى حياته القصيدة التى وضعته على طريق الشهرة والعبقرية الخديوى إسماعيل عالج عينه بإلقاء قطع...
خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا «عقدة المجاعة » بعد أن وجد الجوع شبحا لا...