«صدى يوم أخير».. مخطوط «الخراط» ومـي الـذى تاه عشرين عامًا

التلمسانى وجدته بالصدفة أثناء بحثها عن شهادة ميلاد نجلها / قالت اجتذبنى للخراط هيئته وطريقته فى الحديث وابتسامته العريضة ولغته الرصينة

من يقرأ رواية "صدى يوم أخير" الصادرة عن دار الشروق مؤخرا، وتحمل اسمى مؤلفين اثنين، ليسا من جيل واحد، بل كاتب كبير راحل هو إدوار الخراط ومى التلمسانى كاتبة جيل التسعينات، لن يعتقد أنها كتبت منذ عشرين عاما، بل هى كتابة عابرة للزمن، وتنتصر لقيم الحرية والبحث عن الذات، والتحديات التى تواجه الإنسان حين يواجه نفسه، وحين يرى الآخرين، لن نكتشف ونحن نقرأها أنها كتبت بيدين، بل هناك تسلسل واضح، ولعبة كتابية تسلم المفاتيح للآخر، لكن سنعرف أننا أمام صوتين يكتبان، لكل منهما ما يميز طريقته وشعوره، ولكل منهما انعكاس ذاتى لقراءة الشخصيات الروائية وتقديمها.

تدور الرواية حول علاقة تشابك لشخصين ومحيطهما الإنسانى، فهناك علاقة غرام بين «ليلى» الصحفية التى اندفعت بكل مشاعرها، أو باختيارها الحر، فى  علاقة حب مع الفنان البوهيمى الوسيم، متعدد العلاقات، «إدريس» تجمع بينهما الموهبة الشديدة، هى فى النقد والكتابة، وهو فى النحت البارع.

كشفت مى التلمسانى، فى مقدمة الرواية، بعض كواليس تلك التجربة الأدبية النادرة، وأشارت إلى أن البداية كانت بين عامى 2002 - 2003 من خلال الكاتب إدوار الخراط الذى شرع فى كتابة حلقات أدبية مسلسلة لمجلة «سيدتى»، إحدى المجلات العربية المهتمة بشؤون المرأة. وبعد أن انتهى من كتابة الفصل الأول، رشحها للكتابة معه، رغم وجودها فى كندا فى ذلك الوقت. تفاجأت مى، لكنها رحبت بالطبع، لكن المشكلة أنه مع تنقلها للعيش فى أكثر من بيت، ضاع منها المخطوط الأصلى، ولم تتذكره إلا عند وفاة إدوار الخراط، ثم وجدته بالصدفة أثناء بحثها عن شهادة ميلاد نجلها زياد.

وعبر صفحات عديدة قبل النص، تروى مى التلمسانى تقديمها للمجموعة التى أسماها الخراط "غرام وانتقام"، لكنها غيرت العنوان لينشر تحت عنوان "صدى يوم أخير". وتروى كيف تعرفت على الناقد والكاتب إدوار الخراط بقولها: "ربما لم أقرأ لإدوار الخراط (1926 – 2015) عملا أدبيا قبل التعرف عليه شخصيا، وقبل الالتفات لكتاباته النقدية، خاصة المنشور منها فى النصف الأول من التسعينات، مثل "الحساسية الجديدة" و"الكتابة عبر النوعية" و"أنشودة للكثافة"، التقينا فى فعاليات ثقافية بالمجلس الأعلى للثقافة، فى مقر الزمالك القديم، والتقينا فى بيته بصحبة منتصر القفاش ومصطفى ذكرى وجمال القصاص وآخرين، أتذكر أن قراءتى لكتاباته عن الفنان أحمد مرسى سبقت قراءتى لرواية "رامة والتنين" 1980.

وتضيف مى عن رؤيتها للخراط: هيئته، طريقته فى الحديث، ابتسامته العريضة، لغته الرصينة، وصوته العميق أكثر ما اجتذبنى إليه، حضوره يطمئن وابتسامته تحتضن نظراتى كأن بيننا سرا، كان أبا رغما عنه، ابتعد عنه بعض زملائى من هذا الجيل للأسباب نفسها التى جعلتنى أقترب منه، لم أشعر بدونية الابنة فى حضرة إدوار الخراط، كان أبا بلا تسيد، ديمقراطيا فى توزيع الاهتمام، وفى الإنصات، والسر فى استمرار علاقتنا ضمنه مقاله الأول والوحيد عنى، السر فى تلقيه لكتابتى بحساسية وحدس الفنان، السر فيما لمسه من تلعثم البدايات مع مجموعة "نحت متكرر" 1995 واحتفائه بى رغم ذلك.

تطرقت مى التلمسانى إلى ملابسات اختيار عنوان الرواية، موضحة أن الخراط وضع لها عنوان «الفنان والصحفية» ثم «غرام وانتقام»، وتم نشره العمل بهذا العنوان فى مجلة "سيدتى"، لكنها استقرت على «أصداء يوم أخير» الذى استلهمته من فصل كتبه الخراط، حيث وجدت أنه أكثر تعبيرا عن روح العمل، لا سيما "الألعاب المخفية فى العلاقات الإنسانية".

وأضافت التلمسانى أنه رغم الكتابة المسلسلة إلا أنه لم يحدث أى حوار مع شريكها إدوار الخراط، ومقترح اسمها معه، فتقول: لم نتحدث أنا وإدوار مرة واحدة عن تلك التجربة فى أثناء الكتابة، لم نتهاتف ولم نتكاتب، لم نطرح أسئلة أو نقترح خطة عمل أو نرسم مسارا محددا للشخصيات. كنا نعمل فى غيبة كل منا عن الآخر، معتمدين كل الاعتماد على وسائط قديمة أبرزها جهاز الفاكس..

وتوضح: اليوم أحب أن أطلق على هذه التجربة تعبيرا أستلهمه من المفكر المغربى عبدالسلام بنعبد العالى هو «الكتابة بيدين»، كنا إذن نسعى عن طريق «الكتابة بيدين» للانفلات من وطأة العمل وحدنا ولو إلى حين. نبحث عن خط انفلات من أنفسنا ونجده فى نهاية المطاف فى منطقة بين بين، أشبه بمنطقة الرسائل ولكن من دون النبرة الذاتية، منطقة تسمح باللعب ولا تصادر على النتائج، أو هذا ما أتصور أننا سعينا له.

وعبر فصل "الكتابة بيدين" تكشف التلمسانى أن هذه الرواية القصيرة كتبت بين يناير 1981 ويناير 2001، ونشرت مسلسلة على ست حلقات، فجاءت الفصول الأول والثالث والخامس بقلم إدوار، والثانى والرابع والسادس بقلم مى التلمسانى.

من أجمل ما تنطقه تلك الرواية القصيرة، أو «النوفيلا»، ذات الإيقاع والتصاعد الدرامى اللاهث، مع بساطة اللغة، وجاذبية القصة من خلال علاقات الحب الضبابية داخلها، هو كشف ذات الشخصيات وتقديمها ليس على نحو الإدانة، وإنما رسم تلك الشخصيات وما يحيطها، وما خلقها وساهم فى اتخاذ قراراتها فى الحياة وعلى صعيد الحب. 

جدير بالذكر أن الناقد والروائى الكبير إدوار الخراط عاش فى الفترة من 1926 حتى 2008، وصدر له أكثر من 50 كتابا بين القصة والرواية والشعر والنقد والترجمة. شكلت إبداعاته عند ظهورها نهاية الخمسينات منعطفا فى السرد العربى، حيث ابتعدت عن الواقعية التقليدية، وركزت على وصف الأرواح المعرّضة للخيبة. وصك مصطلحات جديدة فى النقد مثل «الحساسية الجديدة» و«الكتابة عبر النوعية»، وعرف بانحيازه للتجريب وانفتاحه على تجارب الأجيال الجديدة. حصل على العديد من الجوائز منها جائزة الدولة التقديرية، وجائزة ملتقى القاهرة للرواية، ومن أبرز أعماله "رامة والتنين" و"ترابها زعفران".

أما مى التلمسانى فتقيم فى كندا منذ 1988، وهى روائية وناقدة، من أبرز أعمالها «هليوبوليس» و«أكابيلا» و«الكل يقول أحبك». حازت فى 2021 وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الحكومة الفرنسية.

ومن خلال صفحات الرواية نقرأ تأصيلا لحياة الشخصيات وماضيها، لنكتشف "ليلى" السيدة الحرة التى تمتلك جسدها وتشعر بحرية كاملة فى اتخاذ قرارها، وبين إدريس طويل القامة، البحراوى الذى جاء أصلا من تلا الموفية، كان أبوه ملاحظ دريسة فى سكك حديد مصر، وفى أحد المنازل الحجرية الواطئة، التى تقع جنب القضبان تحت الجسر العالى، تربى وسط عائلة من سبع أولاد وبنت واحدة، والتحق إدريس بكلية الفنون الجميلة ونجح بتفوق.

إدريس، بطل الرواية، صار فنانا مرموقا، راج عنه أنه جدد شباب النحت المصرى، وابتدع أشكالا غير مسبوقة، وصور نماذج شعبية أصيلة بأسلوب يجمع بين البساطة الواضحة والدلالات الخاصة، كما كان يقال، وله مكانة المعلم. وعبر حفل تبدأ خيوط الرواية؛ حيث تتكشف أسرار الأعمال الفنية، عبر من يكتبون عنها -ليلى وناهد وحسنى- لنكتشف ما يربط تلك الشخصيات وما يحركها ويربطها.

وتكشف الرواية عن ليلى وكأنها شخصية فى لوحة إدريس، وأيضا هى شخصية تمثل نفسها، فتقول الرواية عنها: "كانت الحفلة قد شارفت ذروتها، تلك أكثر اللحظات إمتاعا. اللحظة التى تأتى مباشرة قبيل الذروة، لعلها أمتع وأكثر إرواءً من لحظة الذروة نفسها. عندما دق جرس الباب بإصرار وإلحاح متصل، جعلنا جميعا نتوقف لبرهة خاطفة عما كنا بسبيله من أكل وحديث وغزل بريء وننظر إلى الباب بترقب. دخل إدريس بقامته الشامخة ووجهه الصخرى المنحوت، وخطوته الوئيدة يحمل شيئا ملفوفا فى ورق أصفر خشن ملفوف بدوبارة، ويبدو وكأنه هدية يوم ميلاد. ولكن كما يُنتظر من إدريس، المظروف غير مغلف بالورق اللامع المنقوش بزخرفات زاهية. لم يلق إدريس سلاما ولا كلاما، بل ذهب مباشرة إلى ليلى ومن غير كلمة مزق الورق الأصفر الكابى عن هديته وكشف عنها. كانت ليلى فى اللوحة تنظر إلينا رائعة وفاتنة. قامت البنية المحروقة فى نحولها الرشيق متكئة براحته تكشف لنا دون أدنى خجل وربما بشيء من الزهو المكتوم عن أنوثتها مرهفة الجوانب.

ليلى فى اللوحة التى صورها إدريس بحب وبصيرة تبدو قادرة على تملك حريتها، على تملك قسماتها وتطلعها الحر الذى لا يدين بشيء ولا بأحد غير ذاته. قامتها فى رقتها ونعومتها الخفية ليست ملكا لأحد ولا حتى لصاحب اللوحة، ليست ملكا إلا لذاتها، ولكن من غير مباهاة ولا ادعاء، بل ببساطة، متخلصة من كل زيف ومن كل التباس.

 	 هانم الشربينى

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

مزايا استخدام الشريحة الإلكترونية (eSIM) أثناء السفر

مع التطور السريع في عالم التكنولوجيا، أصبحت تجربة السفر أكثر سهولة وراحة بفضل الابتكارات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط حياة...

قصة مصورة - «الورد » هلت أنواره

بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...

أحمد شوقى أمير الشعراء.. صورة إنسانية بعيدا عن المثالية الزائفة

قصة أول بيتين شعريين كتبهما فى حياته القصيدة التى وضعته على طريق الشهرة والعبقرية الخديوى إسماعيل عالج عينه بإلقاء قطع...

اعتبره الفلاسفة والشعراء منافسا جديرا للألم الجوع.. بطل المآسى

خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا «عقدة المجاعة » بعد أن وجد الجوع شبحا لا...