«مرحلة النوم».. نحو سردية «كابوسيّة» ل «القاهرة المُعولمة»

رواية صدرت حديثًا للشاعر محمد خير / شاعر حصل على جائزة ساويرس مرتين ككاتب قصة وروايته تُرجمت للإنجليزية 2021 / البطل مهزومٌ ومغترب يحاول العودة إلى وظيفته فى بلد يحكمه «الوافدون»

لو كان البعض يظن أن الفن يُمكن أن يختفى يومًا ما لأنه ـ أصلاً ـ يعبر عن انعدام التوازن فى الحياة، فأنا ممن عاشوا حياتهم متأكدين من خطأ هذه المقولة وبُعد هذا الظن عن التحقق فى الواقع الذى نعيشه، لأن "الفن ضرورة وآه لو كنت أعرف لماذا" كما عبر "أرنست فيشر" متسائلاً قبل أكثر من نصف قرن.

ما عشته من تجارب جعلنى على يقين بأن الإنسان لا يمكنه أن يصل يومًا إلى هذا القدر من الاتزان مع العالم من دون الحاجة الماسة ـ والمتجددة ـ إلى الفن  والأدب، خصوصاً حين تكون تلك الفنون والآداب قادرة على تطوير أدواتها وتحطيم قيودها، بما يثير حواس المتذوّقين ويفتح شهيّتهم إلى المعرفة ويشبع جوعَهم إلى الخيال والفن، وظنى التوازن المأمول بين عناصر الكون ـ الذى يلغى دور الفن ويعطل عمل الخيال ـ هو أمر مستحيل، أو هو "المستحيل الرابع" الذى لا بد أن يُضاف إلى المستحيلات العربية الثلاثة "الغولُ والعنقاء والخِلُ الوفي"، لذلك سوف أحاول دائماً أن أثبت دائماً ما فى الفن والأدب من طاقة متجددة.

الدليل الذى أسوقه ـ هذه المرة ـ من الرواية المصرية الجديدة، التى خطت كما تعرفون خطواتٍ واسعةٍ بعد إنجازات نجيب محفوظ وجيلى الستينات والسبعينات فى الكتابات الواقعية، وصارت الرواية المصرية الجديدة تعتمد فى بعض تجاربها اللامعة اليوم على سرديات مغايرة للسردية الواقعية، بحيث أصبح الخيال مُحرِّكَها الأول فى بناء الشخصيات وترتيب الأحداث كما فى التلاعب بالأزمنة والأمكنة، وباتت بعض نماذجها لا تلتفت كثيراً إلى منظومة "التخييل التاريخى" ـ بحسب مصطلح المفكر العراقى عبدالله إبراهيم ـ وهى المنظومة التى يراها تحكمت فى الخيال الروائى العربى طوال القرن الماضى.

لقد قفز مجموعةٌ من الروائيين والكتاب الشباب الموهوبين بالخيال الروائى قفزةً هائلةً، بحيث صارت رواياتهم تعتمد على أدواتٍ سردية وجمالية نقيضة لأدوات الرواية التقليدية، ومنها "التخييل المستقبلي"، حيث تُصاغ الحكاية ضمن طموح استشراف دراما القادم وكوابيسه واستطلاع الظواهر المجتمعية المستقبلية منطلقة من ثغراتٍ وثقوبٍ لا تكاد تُرى فى  بعض سياسات الحاضر، بما يجعلنا نُعيد النظر فى عالمنا بطريقة تحقق متعة للخيال، فى الوقت الذى يمارس فيه هذا التخييل "المستقبلى" نوعاً من قمع الماضى وكتم صوته، كأنه ينفيه أو يستبعده أصلاً من التداول.

ومن بين أصدق ما قرأت مؤخراً فى هذا السياق رواية "مرحلة النوم" للكاتب والشاعر محمد خير، الصادرة قبل شهور عن "الكتب خان"، وهو واحد من أبرز أبناء الجيل الجديد موهبة وإشراقاً، لأنه يخوض فى أشكالٍ من التجريب فى زمن أصبح القراءُ فيه ـ بكل أسف ـ يشكلون جزءاً لا يتجزأ من تنميط الذائقة الروائية، وأصبح على الكاتبِ أن يكون حقيقياً وشجاعاً ليخالف أوهام السوق السائدة ويتجنبَ خداع الذائقة العامة ويقود القارئ إلى مناطقهِ وآلامه وجمالياتِه الجديدة، وهذا بالضبط ما فعله محمد خير فى روايته المتشائمة "مرحلة النوم".

 "هويات" مُتنافرة

فـــى "مــرحلة النـــوم" يفتــح محمد خيــر عينَ القارئ ـ إذن ـ على مدينة القاهرة عام 2033 تقريباً، أمام صورة التغيرات الهائلة التى طرأت على المدينة والبلد والعالم أجمع خلال سنوات قليلة، تتوقف أكثر عند المدينة التى فقدتْ هويتها بالكامل جراء التشوهات التى طالتها بسبب "الوافدين"، الذين أصبحوا يشكلون كتلة سكانية ملحوظة وفاعلة، وهم مهاجرون جاءوا من بلادٍ آسيوية وأوربية وإفريقية وأصبحت لغاتُهم وعاداتُهم وسلوكياتُهم المتنافرة جزءاً من ثقافة "الهجين"، أو "القاهرة المُعولمة" التى ذابت ثقافتها التقليدية أو كادت أن تذوب مرة واحدة أخيرة وإلى الأبد.

رغم كـــل ذلك، ظلت القاهرة فى هذه الرواية تشبه ماضيها ـ كما هى دائماً ـ مدينةَ معجزاتٍ، والكاتب صاحب مُخيلةٍ يقظة تحكى جوانب من قصة حياة المترجم المسكين "وراف شاهين" الذى خرج من السجن عام 2033 ليجد نفسه فى بلد قد تغير إلى حد مُذهل، وليجد الأحياء الشعبية الشهيرة لا تحمل من ملامحها سوى الاسم فقط، لم يصدق ما يراه من تشوهات فى مكان عرفه العالمُ رمزاً للخصوصية الثقافية المصرية، لم يصدق أن يتحول وطنه مدينة مسخٍ عمرانى وبالوعة قبح فاقدة للهوية. يحاول "وارف" أن يعود إلى عمله ليقاوم ذلك الإحساس بالتعطل الذى يجعل الإنسان فى العصر الحديث يعانى من الشعور بأنه كائن غير مرغوب فيه أو زائد عن الحاجة، وحيث بات التعطل عن العمل واحداً من أقسى الخبرات الإنسانية وأكثرها إيلاماً فى هذا العصر، لكنه أصبح يمثل لـ "وارف" نوعاً من الهوية المفقودة والتى لا يتوقف طول الرواية عن البحث عنها.

فضلاً عن الإحساس العميق بالهزيمة يعانى "وارف" من الافتقاد إلى الهوية التى أفلتت من بين يديه وهو فى السجن، ليخرج مشدوهاً من كل شيء فى بلد يفترض أنه عاش عمره كله فيه، و"مرحلة النوم" هى رحلة هذا السجين بحثاً عن هويته المفقودة بالذات وسط هذه السبيكة الاجتماعية المشوهة والمليئة بكل مظاهر العبث والتنافر والعجز عن التواصل بين مواطنى البلد الواحد.

"وارف" هو الشخصية المحورية فى الرواية لكنه ليس بطلاً بالمفهوم الكلاسيكى، البطل هنا ليس بطلَ الملاحم الشعبية الشجاع أو المغوار، بل هو نقيضه فى العصر الحديث: مسكينٌ ومهزومٌ ومغتربٌ دائماً، هذا الإنسان العادى "وارف" عصفت به الأيام حين دخل السجن فى وقتنا الحاضر واستمر فيه لسبعة أعوام، وحين خرج كتب لنا قصة الأعوام المقبلة، لذلك هو شخص عادى يعمل مترجماً وسط كل هذا التنافر الهوياتى الذى دفعه إلى الهروب فى ملجأ النوم الطويل، كنوع من التصدى المؤقت للحالة غير القابلة للتفسير، وأصبح النوم على سجادة فى صالة شقة استأجرها فى شارع عدلى، تطل على المعبد اليهودى، وسط القاهرة نوعاً من الفرار، حيث يمكن أن يسمع هدير العالم من دون أن يتورّط فيه، خصوصاً بعدما تبدلت المدينة تماماً وصارت عامرة بالأبنية الزجاجية الحديثة، وأشجار القيقب والحور فى كل مكان حيث تتسع لها الشوارع، وقد صار بالإمكان أن تلمح غزالةً صغيرةً تتجول قرب "حديقة الأزهر"، حيث زادت أعداد الكبارى التى تخترق الشوارع لتنشأ تحتها مجتمعات تجارية أجنبية، وحيث تضاعفت أشكال العمارة التى تُبنى على غرار مدن أوروبية وعربية وتحمل أسماءها. بينما الأطعمة والعلامات التجارية الآسيوية والأوربية منتشرة فى كل مكان، على حساب المطاعم الشعبية البسيطة التى أصبحت منتهية الصلاحية وتنتمى إلى الماضى.

 القاهرة المعولمة

ظنِّى أن أروع ما تُثبته هذه التجارب الروائية الجديدة، أنها تتحرى البحث عن عوالم والخوض فى حكايات غير مألوفة، كأنها تجد نضجها وفرادتها فى الخروج على مألوف السرد الروائى السابق عليها، وفى تقديم تجارب ملهمة لا يمكن للقاريء الذوّاق الاستغناء عنها فى حقيقة الأمر، والحق أن "مرحلة النوم" تطرح سؤالاً مهمّاً لاشك أنه ينتمى إلى أسئلة نهضتنا العربية المفقودة، بشأن طريقة ممارسة السلطة للسيطرة فى بلادنا العربية، خصوصاً فى مستقبل الأيام، مقدماً مخاوف مستقبلية مشروعة حول محاولة سلطة ما فى زمن ما ـ يتخيله المؤلف ـ السيطرةَ الكاملةَ على الأفراد بطريقة ما بعد حداثية، حيث يمكن فى "ديستوبيا" مستقبلية فاسدة أن تتقدم سلطة ما خطوة على طريق الهيمنة، وأن تتعمّد ـ كما تتخيل الرواية ـ مضاعفة أعداد الوافدين لكى تصنع منهم كتلة إنسانية مغتربة لكنها قادرة على تدمير نمط الحياة الثقافية الممّيز للمدينة، كما أن الرواية تقدم لنا تلك اللحظة التى نخشاها جميعاً أن نكون شهوداً على تلك الكارثة الحضارية حين تتنقل "القاهرة العتيقة" التى تنتمى أبنيتُها وأنماطُ الحياةِ فيها إلى زمن استمر مئات الأعوام إلى عصر مدينة أخرى "معولمة" وممزّقة الهوية، خاضعة لشروط وإملاءات المجتمع الدولى، وأن يحدث كل ذلك خلال سبع سنوات سُجن خلالها "وارف" وذاق فيها أشكالاً غير إنسانية من الإخضاع والإذلال، داخل مؤسسة عقابيّة فى مستقبل ما، لم يأتِ بعد، مثلما تقول الرواية.

اللافت للنظر حقاً ـ حد السخرية ـ هو السبب الذى دخل من أجله "وارف" السجن، فقد اتهم بتسهيل احتلال بلده بسبب بوست أو "نكتة" على أحد مواقع التواصل الاجتماعى، قال فيها إن الحل الوحيد لقطاع السياحة فى بلدنا وفقاً لخبرته فى المجال أن يُستبدل كل من فيه، الكبار والصغار والمسئولون والمتدربون حتى الباعة المتجولون والآخرون الجالسون فى البازارات، بل وعمال النظافة وسائقو التاكسيات وأصحاب الأحصنة والجمال، ولو أمكن حتى استبدال المارة والزوار المحليين بأن يستبدلوا جميعاً بمواطنين من بلاد أخرى....، سنعطى وظائفنا السياحية للأجانب ليجنوا هم ثمارها؟ لا يهم....، وحين استوقفه الشرطى فى الشارع سأله: "أتريد احتلالاً لبلدك يا روح أمك؟".

على أن من بين الشخصيات اللافتة فى الرواية شخصية الحبيبة "سالي" الجريئة والمندفعة وهى من أصول مصرية، وشخصية الصديق الصحفى "وجدي"، الذى يصف نفسه بالجبن الشديد لأنه ينتمى إلى عائلة من الجبناء كما يقول، وهو يعمل فى مهنة الصحافة فى زمن مستقبلى لم يأتِ بعد، لكنه زمن شديد العبثية والسوداوية على مستوى مهنة الصحافة، ففى هذا الزمن المستقبلى لم تعد الأخبار "طازجة" تتجدد لحظة بلحظة من موقع الحدث، بل أصبحت الأخبار فيه ـ ويا للغرابة ـ تعد سلفاً، بحيث يمكن إعدادها للنشر قبلها بشهور طويلة، وبات عمل الصحفى فى هذا الزمن المستقبلى التعيس هو تجهيز أكوام من أخبار طلاق وزواج فنانين ولاعبى كرة قدم ومشاهير قبل النشر بأسابيع، وهى أخبار فى الأصل "مفبركة" يتم إعدادها بعناية لتكون نوعاً من الدعاية للفنان غير الموهوب من ناحية، وسبباً فى لفت أنظار الجمهور بعيداً عن مشكلاته الاجتماعية الكبرى من ناحية أخرى.

يُشار إلى أن كاتب هذه الرواية هو الشاعر محمد خير صاحب الموهبة المثيرة للغيرة والإعجاب، كونه من أبرز شعراء "قصيدة النثر" المصرية، كما كتب أيضاً أشعاراً بالعامية، وكتب عدداً من الأغنيات لمطربين مثل: دنيا مسعود وزياد سحاب ولورا ميلاد ورولا عازر وفيروز كرواية وغيرهم، وفى حين حصد محمد خير "جائزة ساويرس" الثقافية من قبل مرتين فى مجال القصة القصيرة، الأولى لمجموعته "عفاريت الراديو" 2010 والثانية لمجموعته "رمش العين" 2015، حققت روايته "إفلات الأصابع" حضوراً جماهيرياً عقب صدورها فى القاهرة 2018، حيث تمت ترجمتها فوراً إلى اللغة الإنجليزية، لتصدر فى نيويورك 2021.

 	 محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد