من أول الأنبياء إلى خاتمهم ... قصة «التكبير»

تعد تكبيرات العيدين أحد شعائر الإسلام المهمة التى تحرص عليها الأمة الإسلامية فى مشارق الأرض ومغاربها، حيث يرددها كل مسلم فى الأوقات التى حددها الفقهاء،

 إن اختلفوا على صيغها وميقاتها، والتكبيرات تعطى إحساسا بالجمال التعبيرى اللفظى والروحى يدعو إلى البهجة التى تناسب أجواء الأعياد، كما تعطى شعوراً بالارتقاء إلى أعلى، إلى حيث نزول الرحمات فى فيض من المشاعر التى تهز الوجدان، خاصة فى صباحات الأعياد المفعمة بالمودة والتقارب.

معنى التكبير فى العيد

التكبير يعنى التعظيم لله تعالى وتنزيهه عن أى نقص أو نقيصة، وفيه معنى للثناء عليه عز و جل بما هو أهل لقدرته،وتعد تكبيرات المسلمين ذكرا لله يقصد منه التبجيل له سبحانه مصداقا لقوله: "وربك فكبر"، أما قول "الله أكبر كبيرا" فهو لعظيم أعظم، فالتكبير من فعل كبر التى تعنى عظم، وفى التكبير إذعانا لكبريائه تعالى، ومعرفة العبد أن له رب أكبر من أى شيء وكل شيء، ومن ثم يحسن الظن به و يثق فى مقدرته على أنصافه، وهو شعور يدفع المؤمن المسلم إلى الطاعة والذكر والحمد والشكر، وقد شرع الله التكبير فى المواقف العظيمة، ووسط الجموع الكبيرة كصلاة العيدين، كما كانت من سنته المشرفة عليه الصلاة و السلام التكبير عند الصعود لمرتفع عال، حتى يشعر أن الله أكبر وأعلى من هذا العلو الأرضى الفاني.

  فضل تكبيرات العيد

فضل التكبير فى العيدين هو التوجه لله فى مناحى بقاع الأرض فى توقيت واحد وفى مناسبات بعينها، فيقبل الفرد على الطاعة بإيمان مستقيم وإجلال واحترام للذات الإلهية، مما يدعو للتوكل على هذا الكبير الأكبر فى كل الظروف والأمور، كما يزيد التكبير من شعور المسلم بأن ربه موجود وقريب منه وله كل هذا الملك، فيرتبط بإيمان تطمئن له النفوس عندما يكون اضطرابها كبير، كما يسكن الجوارح حال عدم استوائها، ويسكن القلوب أيضاً بما يعود بالأثر الطيب على الأرواح المتعبة.

 صيغ التكبير

قيل إن فعل التكبير جاء بصيغ مختلفة حتى فى عهد الرسول صل الله عليه وسلم، وهى تبدأ فى عيد الفطر من رؤية هلال شهر شوال، أى فى غروب آخر يوم من أيام شهر رمضان المبارك، وذلك لدى الحنابلة، أما عند جمهور المذاهب فتبدأ من خروج أول المصلين لعيد الفطر من بيوتهم صباح أول يوم للفطر، وتستمر طوال الأيام الثلاثة للعيد الأصغر بعد الصلوات المفروضة، أما فى عيد الأضحى فهى تبدأ من يوم عرفة وتستمر طوال أيام التشريق، وقد وردت الكثير من صيغ التكبير التى جاءت عن الصحابة والتابعين، ومن تلك الصيغ ما روى مثلا عن "سلمان الفارسى"  الذى قال إن صيغة التكبير هي: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرا"، أما الصيغة المأخوذة عن "ابن مسعود" فهي: "الله اكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، الله الله أكبر وأجل، الله أكبر، ولله الحمد".

 أنواعه.. وأصله

يقول الفقهاء إن هناك نوعين من التكبير، الأول هو "التكبير المطلق" وهو ما يحدث قبل صلاة العيدين، أما "التكبير المقيد" فيكون عقب الصلوات المفروضة فى أيام العيدين.

يعود التكبير فى الأصل إلى شعائر عيد الأضحى، حيث يكبر المسلمون وهم يذبحون أضاحيهم للفداء، يكبرون الله تعالى كنوع من الذكر، كما يكبرونه أيضا عند رمى الجمرات، لأن الله أكبر من الشيطان الذى وسوس لإبراهيم بعدم تصديق الرؤيا وذبح ابنه، كما وسوس للأبن بأن لا يجيب دعوة أبيه للذبح، وسوس كذلك للأم هاجر أن تكف أيدى الأب عن الذبح وتكف الابن عن الطاعة، لذلك فإن أصل التكبير هو قول: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر"، أما الصيغة المستحبة فهي: "الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد"، وقد قيل إن ما أزيد عن هذا كالصيغة التى تقال اليوم هو أمر حسن، قد أزيد منه فعل الثناء على الله ورسوله ولذلك فضلها علماء الأمة والفقهاء وأصبحت الصيغة هي: "الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده".

 قصة التكبير

يقال إن عندما هم سيدنا إبراهيم الخليل بذبح ابنه، فوضع السكين على نحره، لم يكن بالطبع يعلم أن مشيئة الله ستجعل من هذا المشهد المهيب طقسا مستمرا إلى يوم القيامة، وقد فدى سيدنا إسماعيل بكبش عظيم، ومر الامتحان الإلهى على الأب وابنه اللذين ابتليا بمحنة مروره على الناجحين المنتصرين، وتقول بقية القصة إن إبراهيم حين استعد لعملية الذبح وتحريك السكين بالفعل على نحر إسماعيل، لم تقطع السكين هذا النحر رغم حدتها كالسيف، وقد أعدها الخليل على هذا النحو حتى لا يتعذب ابنه وينتهى الأمر بأسرع طريقة ممكنة، وهنا أمر الله السكين ألا تقطع رقبة الابن كما أمر النار من قبل ألا تحرق إبراهيم طفلا وكانت بالعكس بردا وسلاما عليه، فى معجزة أولى نزلت على قلب هذا الطفل المؤمن ليزداد أيمانا، وهنا تقول الروايات المتعددة إن وسط هول لحظة الذبح قد سمع إبراهيم صوت جبريل مجلجلا وجميلا يصدح بجملة "الله أكبر، الله أكبر"، حينها رفع الأب صوته قائلاً: "لا إله إلا الله" ليرفع الابن رأسه التى لم تمس بسوء قائلا:"ولله الحمد"، لتكون تلك القصة قصة انتصار استحقت أن تحفر فى وجدان كل موحد بالله، ويستفيد المسلم منها فى الطاعة المطلقة لأى أمر إلهى مهما بلغ عظمه وكبره أو الخوف والوجل منه، أى أمر يجيء فى أدق اللحظات حرجا وفى أكثرها صعوبة وحربا، وفى هذه القصة الدرامية الكبرى بدأ التكبير وجاءت صيغته المحببة للنفوس، وقد أصبحت من يومها شعيرة ملتصقة بالعيد، تحديدا بعيد الأضحى المبارك، وكان الرسول صل عليه الله وسلم يأمر أمته بها بعدما أمر أن يتبع ملة سيدنا ابراهيم، وذلك فى قوله تعالى: "ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ".

 تشريعه

أقر الإسلام فى تشريع التكبير بصلاة العيدين فى الأول من شوال وفى العاشر من ذى الحجة فى كل عام هجري، وذلك فى السنة الأولى من الهجرة الشريفة إلى المدينة المنورة، لتكون فرض كفاية عند الحنابلة بعد ذلك، وسنة مؤكدة عند جمهور المذاهب الأخرى، يجب أن يقوم بها كل من الرجال والنساء والأطفال عند خروجهم من بيوتهم لصلاة العيدين، بعدها تكون الصلاة بخطبة واحدة، وقد كانت تكبيرات العيد على العهد النبوى 12 تكبيرة، 7 فى الركعة الأولى و5 فى الثانية، وهى كذلك حتى اليوم، وقد كان عليه الصلاة والسلام يقرأ بعدها فى الركعة الأولى بالفاتحة والأعلى والغاشية بالنسبة لعيد الفطر، أما فى الأضحى فكان يقرأ بالفاتحة و سورة ق، أما فى الركعة الثانية فيقرأ الفاتحة وسورة القمر، وبعدها كان الرسول يخطب فى أصحابه مهنئنا بالعيد ومذكرا بالواجبات الدينية والدنيوية؛ عن "جابر بن عبد الله" قال: "كان رسول الله صل الله عليه وسلم يخرج يوم العيد إلى مصلاه فيصلى بالناس ركعتين ويخطب فيهم خطبة واحدة فيذكرهم ويعظهم بالجنة والنار ويحثهم كذلك على الصدقة".

كان من آداب العيد الاغتسال والتأكد من النظافة والتزين والتطيب وارتداء الملابس الجديدة، وذلك اقتداء برسول الله صل الله عليه وسلم الذى كان يحرص على ارتداء خلعته الشريفة لصلاة العيدين ولصلاة الجمعة باعتبارها عيد أسبوعى من أعياد المسلمين، حيث قال تعالى: «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ" ومن هذا النص القرآنى، يتضح أن العيد طقس ليس خاصا بالمسلمين فقط، بل فرض على كل الأمم ولنفس الغرض وهو ذكر الله تعالى والاعتراف بوجوده ونعمه.

وفيما يخص عيد الأضحى تحديدا، فقد أشير إليه فى أكثر من سورة، مثل قوله تعالى: «وصل لربك وأنحر»، وكذلك قوله تعالى: "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلَـٰٓؤُا۟ ٱلْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍۢ (١٠٧)".

 تكبير العيد بين السنة والبدعة

لا شك أن تكبيرات العيد قد أحبها المسلمون وغيرهم، حتى حينما أزيد إليها الثناء على الرسول وعلى آله وصحابته وأنصاره وأزواجه وذريته، وهى صيغة قد أثنى عليها الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فقد روى عن الإمام الشافعى أنه قد كبر على ما كبر عليه الناس فما زيد فهو حسن أحبه، وقد واجهت دار الافتاء المشككين فى أن هذه الصيغة المشهورة فى التكبير بدعة، بأن تضيق ما وسعه الله ورسوله بما لا دليل عليه يعد من الضلالات ومضيعة للكتاب وللسنة، مستشهدة بما جاء فى كتابه العزيز بما يدل على أن التكبير بكل ما أزيد عليه جائز فى قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وقد ردت دار الإفتاء على ذلك بأن ما تم قبوله من الأئمة والفقهاء وجرى على لسان الناس قد وافق الشرع الشريف، ولا مخالفة فى أمر التكبير، ولا يجب الالتفات أو التعويل عليه على من يشكك فى صحته.

Katen Doe

إيمان عبد الكريم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

"وجوه على الطريق".. مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل

صدرت، اليوم الخميس، مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل بعنوان "وجوه على الطريق".

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...


مقالات

الغش بين ضعف الضمير وضعف الواقع
  • الجمعة، 23 يناير 2026 11:00 ص
دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م