"يُقال إن الإنسان غنى قبل أن يتكلم، ويقال إن الموسيقى هى الفن الوحيد الذى يجمع الناس دون تفرقة، عرفته المجتمعات الإنسانية جميعا،
البدائية والحديثة، المتدينة والملحدة، الطبقات الوضيعة والطبقات الرفيعة، مارسه المتعلم والجاهل، محمد عبد الوهاب وحمو بيكا، يُستخدم فى الموت ويُستخدم فى الميلاد، فى أوقات الضعف وأوقات الحماس، الحرب والسلام، وفى لحظات الألم، الألحان تداواى الآلام.
وفى اعتقادي، أن الأديان، كل الأديان، - بغض النظر عن صراع بعضها مع هذا الفن- استفادت من قدرة الألحان على النفاذ إلى النفس والتأثير فيها، فاستخدمت الموسيقى لجلب القلوب واستعانت بها فى الطقوس والشعائر، فى قراءات القرآن.. هناك البياتى والنهاوند والحجاز، وفى الصلوات والتراتيل الكنسية.. هناك الحسينى والرست والعجم.
استفاد الدين من الموسيقى، كما استفادت الموسيقى من الدين، فقد حافظ على بعض أشكالها القديمة، حملها على كتفه، وعبر بها تقلبات الزمن وهو بينقلها من أجيال إلى أجيال.
أذكر مرة، جلست أشاهد التليفزيون وهو ينقل صلوات الجمعة العظيمة من الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، كان حاضرا قداسة البابا تواضروس الثانى، كان يمسك فى يده مبخرة، بينما ينشد مُرنم: "كرياليسون.. ارحمنا يا الله"، فيردد المصلون خلفه:"كرياليسون.. اسمعنا وارحمنا".
ما هذا اللحن؟ من أين جاء؟ هل يحق للمرنم الارتجال؟، أم كل شىء فى النوتة؟ وأين النوتة؟
ظلت الأسئلة قائمة، حتى جاءتنى دعوة من نانسى كمال، لحضور ندوة عن مدرسة ألحان الكنيسة المصرية، يُعرض فيها جزء من فيلمها "مدرسة الذاكرة"، وفى قاعة النيل، بالمركز الثقافى الفرنسيسكانى، وجدت أمامى الإجابة، محمولة على طبق من الدهشة".
بشكل عام، علاقة الكنيسة بالموسيقى علاقة قديمة، بدأت مع بداية المسيحية، من خلال ترديد المؤمنين بها ترانيم بسيطة مأخوذة من التراث اليهودى العبرى، وخلال القرون الميلادية الثلاثة الأولى، قام بعض الآباء، بوضع مئات التراتيل والأناشيد الجديدة للصلوات، كل حسب مكانه، فالمبشرون بالمسيحية عرفوا، حملت موسيقاها معها دون أن تفرضها على هوية البلاد التى دخلتها، وكانت للكنيسة المصرية مدرستها الخاصة، أو بالأدق مدارسها الموسيقية الخاصة، فيها من الموسيقى الغربية، ولكنها ليست غربية، وفيها من الموسيقى الشرقية ولكنها ليست شرقية، فى اعتقادى لا يمكن وصفها إلا بالموسيقى المصرية، وقرأت بحثا يشير على أنها نُقلت عن الموسيقى التى كان يمارسها المصريون القدماء فى صلواتهم بالمعابد الفرعونية، وعلى أقل تقدير تأثرت بها.
على العموم، كلها مسائل فى حاجة لبحث أكاديمى جاد، غير أن ما لا شك فيه، أنها أقدم موسيقى مصرية، منقولة من مئات السنين، ومازالت تمارس كما هى حتى الآن.
يسود النظام فى قاعة النيل، لدى الشباب المنظم للندوة قوائم بأسماء الحضور، وأجهزة لاسلكية للتنسيق فيما بينهم، كل ضيف اسمه مكتوب خلف مقعده، صحبنى الشاب لمقعدى، جلست أتابع الحركة فى المكان، الحضور من أماكن ووظائف مختلفة، سفراء وفنانين وصحفيين وأكاديميين، وآباء قادمين من الصعيد والإسكندرية، بينما نانسى كمال، مخرجة الفيلم، تسأل وتتابع حضور متحدثى الندوة.
ونانسى كمال، مخرجة مستقلة، تهوى الأفلام القصيرة، لعل أهم أعمالها السابقة، هو فيلم "كفن ديكولتيه"، الذى يختصر فى 6 دقائق قضية الزواج المبكر وتأثيره على الفتيات، بدون كلمة حوار واحدة، عرض الفيلم فى ١١٠ مهرجان فى ٣٥ دولة، ونال 13 جائزة، من إسبانيا والبرازيل وروما ونيويورك وتركيا والهند وبولندا واستراليا.
وضمن سلسلة أفلام حديثة عن التلمذة، قدمت فى 2022، فيلم "مدرسة أبدية" عن رمسيس ويصا واصف فى النسيج، علاقة جيلين من النساجين ينتمون لعائلة واحدة وينقلون المهنة بينهم على مدى 70 سنة، وجاء فيلمها التانى ضمن نفس السلسة "مدرسة الذاكرة"، متناولاً كيفية نقل الألحان الكنسية بين الأجيال، وكيفية حفظها وعلاقه مستلم اللحن التلميذ، بالمعلم، هو الفيلم الذى اختصرته نانسى كمال من ساعتين إلى 30 دقيقة، اختارتها للعرض فى الندوة.
******
"رغم اقتناعى أن كل واحد ليه طريقته الخاصة جداً اللى بيكلم بيها ربنا، معرفش ليه لسه روحى بتحن للألحان اللى حفظوهالى وأنا صغيرة؟"، يبدأ الفيلم بهذا السؤال التى تطرحه المخرجة وهى ممسكة بشمعة، شمعة باحث يفتش فى التاريخ عن الألحان الكنيسية، يتبع طريق التسليم الشفاهى بين الأجيال المختلفة على مدى 2000 سنة، وفى الطريق يكشف عن مدارس الألحان، ويتوقف عند ثلاثة منها، مدرسة قبلى ومدرسة بحرى ومدرسة الإسكندرية.
يعترف الفيلم أن هناك مدارس أخرى، لكنه اختار أن يركز على دير المحرق فى أسيوط/ قبلى، لأن التسليم الشفاهى مستمر فيه بدون انقطاع من القرن الرابع الميلادى، واختار الكنيسة المرقسية بالأسكندرية، لأنها أقدم كنيسة فى أفريقيا، كما اختار مدرسة القاهرة/ بحرى، بحكم أنها الأكثر انتشاراً، ولم ينس الفيلم الإشارة إلى مدارس أخرى، مدرسة أسيوط، ومدرسة قرية الزينية بالأقصر، وغيرهما.
تعبر الألحان الأجيال المختلفة، تتغير المدن والشوارع والموضة ونظم الحكم ونفوس الناس، بينما تحافظ هذه الموسيقى على معظم ألحانها، هناك ترانيم يعود تدوينها لسنة 250 ميلادية، وهناك ألحان ربما تسبق ذلك وتتناقل شفهيا بلا تدوين.
استعرض الفيلم العديد من المخطوطات، وكان من بينها النادر، مع مواد أرشيفية من تسجيلات المعلم توفيق والمعلم عياد نجيب ورهبان دير المحرق، أما الصورة فشملت أماكن متنوعة، مثل مسار رحلة العائلة المقدسة فى مسطرد بالقاهرة والكنيسة المرقسية بالإسكندرية، ومنارة قسقام بدير المحرق، وفيها أول مذبح فى مصر تمارس فيه الألحان والتقليد والطقوس كما هى من القرن الرابع الميلادى وحتى الآن، وتضمن الفيلم مشاهد من بيت لحم، والحصن الأثرى ولقاءات مجراه فى انجلترا، أما رواة الفيلم وضيوفه، فمنهم د. عاطف نجيب، المدير العام للمتحف القبطى سابقاً، والمعلم جاد لويس، مدرس الألحان بمعهد ديديموس، والدكتور سعد بطرس، دكتور الموسيقى العربية، والآباء:دانيال وفليكسينوس واشعيا المحرقي، والأب مكاريوس وهيب مدرس التاريخ فى الاكليريكية الإسكندرية، وبيشوى سنوتى مدرس اللغة القبطية، والمرتل المعلم ميلاد المحرقى، والشماس ماركوس رفيق، وطلبة من معهد ديديموس المحرق.
انتهى الجزء المختار من الفيلم، لأجد نفسى مندهشا، من الطريقة التى اعتمدتها الكنيسة المصرية منذ ما يزيد عن 2000 سنة لتحافظ بها على ألحانها وموسيقاها، دون تدوين.
وكانت كلمة السر، فى تقاليد "التلمذة"، فى أمانة تسليم الألحان بين الأجيال، أمانة النقل بين المعلمين والتلاميذ، التى جعلت الذاكرة البشرية أدق من النوت والمخطوطات، ونجحت فى الحفاظ على جزء مهم من تراث مصر الموسيقى.
تم إنتاج الفيلم بمنحه من مؤسسة WOD النمساوية، مدير التصوير نبيل سمير، مكساج الصوت بألمانيا المهندس اندريا فيشـــر، أما المونتــاج والإخــراج فهمــا لـ نانسى كمال.
"ذاكرة المدرسة"، ليس فيلم قبطى يتحدث عن الموسيقى الكنيسة، لكنه فيلم مصرى يتحدث عن أقدم موسيقى مصرية تٌمارس منذ مئات السنين وحتى الآن.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...
ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...
يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...
ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...