«النظرة الحسود» بين الحقيقـة والخيال

«الخرزة الزرقاء».. و«خمسة وخميسة».. وقصة «أمنا الغولة»

ثقافة أى مجتمع تنبع بالضرورة من عاداته ومعتقداته وقيمه الخاصة وسلوكيات أفراده، وكل هذا يتشكل من السياق الاجتماعى والاقتصادى والظروف المحيطة بذلك المجتمع، والثقافة دوما تعبر عن رموزها ودلالاتها ومعانيها، لذلك يعد الحسد إحدى الظواهر الثقافية فى كافة المجتمعات، وهو بلا شك رمز مهدد للاستقرار الاجتماعى وينتج عنه جملة من السلوكيات الرمزية إما لمعرفة أسبابه أو كوسيلة لمحاولة البحث عن طرق علاجه والوقاية منه.

نشأت فكرة الحسد قديماً فى الصحراء، تحديداً لدى حضارات معينة، مثل الحضارة الهندية بالهند والسومرية ببلاد الرافدين والفرعونية بمصر، وفى اليونان القديمة والرومان أيضاً، فيما لم يكن الحسد كفكرة قد وصل بعد إلى الشعوب الأصلية فى الأمريكتين وأستراليا، وفى الحضارات التى كان الناس يعتقدون فيها بالنظرة والعين والحسد ربطوا هذه الأمور بالسحر والكهانة والشعوذة، وقد ظهرت عبر الأزمان فى المجتمعات المختلفة مصطلحات أخرى تعبر عن نفس الفكرة، مثل «الطيرة والهامة» عند العرب، وكانت من الأسباب المعروفة والشائعة لهذا الاعتقاد الغبطة والمنافسة والغيرة، وكان من نتائجها المثبتة تمنى الشر للآخرين وزوال النعمة عنهم.

فى كتابه «بدائع الفوائد» عرف أبن القيم الجوزى الحسد بأنه «بغض نعمة الله على المحسود»، وفى كتابه «الروح» أكد على أن الحاسد يعينه الشيطان بلا استئذان، لأن الحاسد فى تلك الحالة شبيه الشيطان، وهو فى الحقيقة من أتباعه، حيث كان إبليس فى الأصل أول حاسد على الإطلاق، فقد حسد آدم على نعمة ربه حين خلقه ونفخ فيه من روحه، وكان ذلك فى السماء، فكان الشر الأول الذى نزل على رأس أول أنسان، وقد نزل إلى الأرض مع نزول آدم وحواء إليها وكان ثالثهما الشيطان الذى وسوس لقابيل فحسد أخاه هابيل على محبة الله وأبويه له فكان الحسد الثانى أصل كل شر حدث بعد ذلك؛ وقد فهم الحسد مطولاً لدى الأغلبية من عامة الشعوب على أنه حقيقة واضحة المعالم راسخة البيان، إلا بالطبع لدى القليل مما يتصور أنه ليس موجوداً وهو من قبيل الخيال، وكان منهم بعض الفلاسفة من المعتزلة الذين تندروا على هذه الحقيقة واعتبروها مجرد وهم وبدعة تستحق الترك، وبالرغم من أن العين أو النظرة وقدرتهما على الإصابة بالأذى لم ترد صراحة فى أى نص دينى، إلا أن الحسد قد ورد صراحة وفرق بينه وبين العين واعتبرهما الكثيرون من اللغويين كلمتين مختلفتين، فى حين اعتبرهما البعض، ومنهم «أبو حامد الغزالى» أنهما كلمتان بمعنى واحد فى كتابه «إحياء علوم الدين»، وقد رأى أن كليهما مرض ليس عضوياً بل من أمراض القلوب، وهما بمثابة شعور نفسى لا يداوى بالطب والعلم بل بالإيمان فقط.

 تجليات العين فى المأثور الشعبى

فى كتابه «النظرة فى المأثور المصرى» رصد الباحث «أسامة الفرماوى» تجليات العين ودلالاتها المتنوعة المرتبطة بالمأثور الشعبى والعادات الاجتماعية، حيث رأى أن العين مصدر محتمل للحسد تضرب بها الأمثال الشعبية كنذير شؤم وشر، مما جعل العين بمثابة أسطورة شعبية خاصة انعكست على مجريات الحياة منذ القدم وأثرت بلا شك على الفنون والآداب خاصة الشعر، وكان من أشهر الروافد التى ارتبطت تاريخياً بالعين هى عين حورس فى الأسطورة الأوزورية الفرعونية القديمة، حيث كان صراع حورس مع عمه إله الشر ست الذى قتل الأب أوزوريس وفرق جسده فى البلاد، كما سرق عين ابن أخيه حورس، وهو صبى صغير، لكن الابن انتقم من عمه وأعاد عينه وثبتها ثانية فى جبهته وبعدها استقر الخير ولمت إيزيس الأم جسد زوجها وأعادته للحياة؛ ولأن عين حورس اتسمت بالزرقة يتفاءل المصريون بهذا اللون الذى انتشر بعد ذلك فى الزخارف خاصة الأساور والقلائد والخرز، فقلما الآن نجد سيارة أو بيتاً يخلو من وجود ما يدل على الزرقة درءًا للعين الشريرة، لكن بعيداً عن رمزية العين، ظلت العديد من العادات الشعبية تتفق على ممارسة بعض السلوكيات الرمزية للحماية من أثر الحسد، ومنها عادة الإمساك بالخشب كتميمة اجتماعية حينما يأتى للإنسان خير لم يكن متوقعاً، ومثل عملية «التخميس» فى وجه الحاسد مع قول «خمسة وخميسة» والتلويح بالأصابع التى عددها خمسة، ويرمز ذلك الطقس إلى عدد الحواس الخمس وأركان الإسلام الخمسة، وربما ارتبط أيضاً بعدد آيات سورة الفلق بالقرآن الكريم، وهذا الطقس قد ارتبط من ناحية أخرى أيضاً بعادة ذبح الأضاحى لفك أثر العين عن طريق رسم كف بدم الذبيحة على الحيطان، وكان من الأعمال الوقائية أيضاً عمل العقيقة، وهو طقس إسلامى اتصل بنفس الفكرة لحماية المولود مع حرص الأمهات على صنع جراب من القماش بهدف إخفاء لبن الإرضاع عن العين، كما نجد أنه كثيراً ما يلجأ البسطاء، خاصة فى الريف، إلى إطلاق أسم أنثى على المولود الذكر إذا كانت المرأة لا يعيش لها مواليد من الذكور، وفى عادة شبيهة تقوم بعض الأمهات بحماية أطفالهن من الحسد بأن تلبس ملابس البنات للولاد أو ملابس الولاد للبنات فى فترة ما بعد الولادة، أو أن تلبسهما الملابس الداخلية بطريقة معكوسة لعكس الشر عنهم، كما تقوم بعض النساء فى مجتمعات مثل الهند بلف خيط حول رقبة المولود وتضع فى كفها الأيمن مسحوق الفلفل الأحمر الحار وتديرها حول رأس الطفل بعدد مرات أحادية، كما رصدت نماذج أخرى لدرء الشر المرتقب وكف البلاء، وذلك برسم كف مرفوعة، ويسمى هذا بكف مريم، إما نسبة لأخت سيدنا موسى أو نسبة للسيدة مريم العذراء، وذلك فضلاً عن عادة التبخير وإطلاق البخور فى البيوت والمحال التجارية خاصة ساعة صلاة الجمعة.

الباحث أسامة الفرماوى ذكر فى كتابه مضمون بعض التعبيرات والأمثال الشعبية المتعلقة بمسألة الحسد، حيث لاحظ أن التعبيرات والأرقام الموجودة بها قد نبعت من الواقع الاجتماعى أو المعتقد الدينى، وقد ذكر الحسد ١٨ مرة والعين ٩ مرات فى سياق الأمثال المختلفة، مما يؤكد مع كل ما سبق أن الموروث الثقافى فى هذا الصدد كبير، كما أن الخوف من العين دوماً ظل عملاً اجتماعياً لم يفتر عبر الزمن.

 النظرة الحاسدة وعين الشيطان

«عين الشيطان» تعنى تلك النظرة الحاسدة الشريرة التى تؤمن بها جميع الثقافات، وتؤمن كذلك بقدرتها على الأذى وجلب الحظ السيئ، وهى عادة ما تؤثر فى الأشخاص المحسودين دون علمهم وأحياناً دون عمد، وقد ترجمت فى البلدان المختلفة على أنها «العين السيئة»، كما جاء فى اللغة الفارسية؛ وفى مجتمع الهاواى عرفت على أنها «العين النتنة» وفى اللغة التركية هى «نزار» بمعنى نظر فى العربية، ولا شك أن هذا الاعتقاد الشديد فى الحسد قد اختلف بالطبع من بلد إلى آخر، بل اختلف فى البلد الواحد من مجتمع إلى آخر، ففى الشرق الأوسط ظهرت هذه الأفكار عدة مرات بتراجم من العهد القديم بعدما عم الاعتقاد بالعين الحسود الذى انتشر على نطاق واسع، لذلك نرى التعاويذ والأذكار والأعين المزخرفة قد باتت موجودة على نطاق واسع، فكان الأحياء يستخدمونها كما استخدمها الموتى الذين دفنت معهم من أجل حياتهم الثانية بعد البعث، وهكذا، وعلى مر العصور كان الخوف من الحسد قد بات عاملاً مؤثراً على حياة الناس حتى أضحت الوقاية منه هدية يهادى بها الناس بعضهم بعضاً، وقد أصبح تقليد صناعة العين حرفة تراثية، حتى إنها رشحت بطلب من تركيا لتكون على لائحة اليونيسكو للتراث العالمى، فلم يعد زائر يزور البلد إلا ويرجع ومعه عين زجاجية.

اكتشف «آلان دندس» أستاذ التراث الشعبى بجامعة كاليفورنيا أن شعوب العالم التى تؤمن بالحسد بات بينهم قاسم مشترك يتلخص فى الاعتقاد بأن الشر الناجم من النظرة ذات النية السيئة لا تمس فقط الأشخاص فتصيبهم بالضعف والأمراض وقطع النسل أو جفاف لبن الرضاعة فى أثداء الأمهات، بل امتد التأثير السلبى إلى صيد السمك وتربية الماشية والحيوانات، خاصة الأرانب؛ وفى كتاب بعنوان «الرطوبة والجفاف وعين الحسد» رصد الكاتب المتجول «آلان دندس» أن الإيمان بالحسد فى أدمغة الناس جعل هناك عادات معينة مرتبطة بالزراعة والحرث، وقال إن «عين الشيطان» كلمة غير دقيقة للتعبير عن ذلك كله، بل الأصح الكلمة الإنجليزية التى ترجمتها إلى العربية تعنى «النظرة المطولة»، وهو ما يعنى أن الإشكالية ليست فى العين بحد ذاتها بل فى إطالة النظر مع التركيز من الحاسد.

 تاريخ تحليل الحسد كظاهرة سيئة

تشهد العديد من الأدلة الأثرية والقطع الأدبية التى كتبت عن الحسد على أن مفهوم الحسد قد انتشر فى منطقة الشرق الأوسط منذ آلاف السنين، لكن بدء تحليل الحسد كظاهرة سيئة كان على يد المفكرين الإغريق، ففى كتاب «الإغريق والحسد» الذى صدر عام ١٩٧٨ أشار المؤلف «بيتر والكوت» إلى أن أكثر من مائة عمل من أعمال هؤلاء المفكرين قد تطرق إلى مسألة تحليل الحسد باعتباره نظرة يخاف الناس منها.

وفى العصور القديمة وصفت العين الحاسدة بأنها مصدر رئيسى للأشعة المميتة التى تنطلق كأسهم مسمومة من عين الحاسد تجاه من يحسد، وكان هذا هو التفسير العلمى الشائع فى الفترة اليونانية الرومانية القديمة فى التعامل مع هذه الظاهرة، وقد تشكك بعد ذلك فى الإيمان بأن الحسد يأتى فقط من الأفراد بعد تصور البعض بأن هناك قبائل بعينها مثل قبائل «بونتوس» و«سيثيا» تستطيع فعل ذلك بكل من فيها من قدرة على الحسد، كما تصوروا أن هناك سحراً مضاداً يبعد عين الحسود.

 التعويذات المضادة للحسد

هكذا.. أصبح الحسد موجوداً فى كل زمان ومكان، وبات عملاً سيئاً معترفاً به لدى الأفراد والجماعات، حتى جاءت الأديان، سواء السماوية أو الوضعية، فأضافت على مجرد الاعتقاد بالحسد أوجهاً أخرى، ففى الدين الإسلامى ذكر الحسد فى أكثر من سورة، ومن تلك السور سورتا الفلق والناس، وكذلك ما جاء على لسان محمد «صلى الله عليه وسلم» بأن العين حق، وعلى ذلك أصبح التحصن من الحسد عند الناس مألوفاً وتصرفاً شائعاً، وكان من آيات ذلك التعبير الشائع «بسم الله. ما شاء الله. تبارك الله» كتعبير على اللسان عند رؤية شيء جميل يخاف من حسده؛ وقبل ذلك كانت البلدان الأوروبية المسيحية تخشى أيضاً الحسد، ففى إشارة مقتبسة من الفصل الأول من رواية «برام ستوكر»، وهى رواية «دراكولا» التى نشرت عام ١٨٩٦، كان هناك تشكيل لرمز الصليب بحركات اليد وفى إشارة من أصبعى السبابة والخنصر نحو الشىء الذى يخشى أن تصيبه العين، أما العين الحسودة فقد ذكرت عدة مرات فى كتاب «أخلاقيات آبائنا» فى الديانة اليهودية، حيث ذكر فى الفصل الثانى أن خمس تلاميذ الحاخام «أبدزكاى» قد قاموا بنصح الشعب بأن عين الحسد أسوأ من صديق وجار السوء وحتى أسوأ من قلب الفاسد ونصحوهم قائلين: «كين العين الحارة» وتعنى بالعبرية بدون حسد، ولعل الكثير من الناس يعرفون قصة أمنا الغولة، تلك الأسطورة التى ترد دائماً فى قصص الأطفال، وهى التى تسردها الجدات، ولكن القلة من يعرفون اتصال تلك الأسطورة بموروث آخر كرمز من رموز الحماية من الحسد والعين بعدما ذكر بالقصة أن بطلتها «ليليث» الشيطانة أو «الغولة» هى المسئولة عن قتل أبناء حواء حسداً وانتقاماً بعدما تم نفيها من الجنة فقتلت جميع أطفالها أمام عينها، ووفقاً للطقوس القديمة باتت النساء تكتب التعويذات على الخرق عند الولادة بهذه الكلمات: «آدم وحواء، ليليث اذهبى من هنا» وقد ظلت تلك الأسطورة المتداولة لها أثر كبير يعبر عن وعى مجتمعى يؤمن بالعين والحسد.

 	إيمان عبد الكريم

إيمان عبد الكريم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

طريقة لفتح المجاري المسدودة في المنزل بخطوات سهلة وآمنة

انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...