«ساحر الكتابة» يعيد اكتشاف حكايات وأوراق صبرى موسى

أيمن الحكيم يعرض أسراره الخفية ومواقفه/ أحاط الحكيم بشكل كامل حياة صبرى موسى العريضة فى كل محطاتها / وصفه بالمغامر ونشر أوراق بخط يده أنصفته

دخل أيمن الحكيم إلى صبرى موسى وعالمه الواسع الغامض عن طريق رجاء النقاش وبنصيحة منه عندما استهجن من تلميذه أيمن أنه لم يقرأ رواية "فساد الأمكنة" لموسى، وأعطى النقاش نسخة من الرواية لأيمن ليقراها على وجه السرعة، معتبرا أن قراءة هذا العمل البديع واجب وفرض عين على كل من يمتهن حرفة الكتابة.

فساد الأمكنة

هكذا دخل الحكيم عالم صبرى موسى من أوسع وأجمل وأبهى أبوابه.. روايته الأهم "فساد الأمكنة" ليخرج لنا بعدها بسنوات طويلة بكتابه "صبرى موسى.. ساحر الكتابة.. سيرة وأوراق واعترافات".

منذ أن قرأ أيمن الحكيم "فساد الأمكنة" صار أسيرا لمحبة مبدعها صبرى موسى.. صار واحدا من مريديه ومحبيه.. وهو ما نلمسه من كتابة أيمن البديعة عن موسى.

فى كتابه ينصف أيمن الحكيم صبرى موسى انصافا نحتاجه جميعا.. ويحتاجه كل مبدع حقيقى.. حتى لو تأخر عنه.. يرد له الاعتبار بوصفه روائيا وأديبا كبيرا، معتمدا على أوراق موسى الخاصة بخط يده التى تركها فى حوزة زوجته الزميلة الصحفية أنس الوجود رضوان، ويورد الحكيم كثيرا من هذه الأوراق الخاصة لصبرى موسى فى كتابه.. كان سباقا وسابقا فى كتابة عمل روائى شديد الأهمية لفت نظر الجميع.. هو فساد الأمكنة وعدَّه رجاء النقاش ثالث أفضل عمل روائى مصرى وعربى بعد "أولاد حارتنا" و"الحرافيش".. وهى الرواية التى لم تنجح فقط على المستوى المحلى، إنما ذاع صيتها وحلقت أجنحتها فى سماء العالم فمنحته أمريكا عنها جائزة بيجاسوس أو الحصان المجنح عام ٧٧، وهى جائزة كبرى وأثار منحه الجائزة ردود فعل كبيرة وقتها، ربما كان كثير منها حاقدا يستكثر عليه الجائزة التى قرر أن يتنازل عن قيمتها المالية.. وفى الاحتفال بالجائزة بأمريكا قال الشاعر المعروف جى ايه سميث لموسى إنه يظل عاما كاملا ينتظر ترجمة الرواية إلى الإنجليزية، ولما قرأها كان انبهاره كبيرا ودهشته هائلة بعظمة هذا العمل.

وهو نفس ما تملك الباحث الإيطالى سيميدوا الذى جاء من إيطاليا خصيصا ساعيا للقاء مبدع فساد الأمكنة وهو ما تحقق بالفعل.. جمال فساد الأمكنة لخصه الحكيم فى قدرة الرواية على أن تجعل للمكان حضوره الطاغى فى العمل الإبداعى ففهمنا وعرفنا كثيرا عن معالم صحراء مصر الشرقية.. عرفنا برانيس ورأس بناس وشلاتين ومرسى علم ووادى الجمال.

وعرفنا أيضا عن الشيخ صالح راس قبيلة العبابدة وعن مقام سيدى أبى الحسن الشاذلى فى بئر عيذاب.. وبسبب هذه الرواية التى تتناول قصة الروسى نيكولا الذى يأتى إلى هذه الصحراء يطلب المعرفة فى بحر التجوال فى صحراء مصر الشرقية، والتى كشف فيها موسى كثيرا من سوءات وعورات العصر الملكى رغم أنه لم يكن ناصريا.

يستعرض الحكيم فى كتابه فكرة هذه الرواية العظيمة التى بزغت فى وجدان وعقل موسى حين قام بزيارة لهذه الأماكن التى كانت مجهولة تماما وقتها، وكتب عنها حلقات مهمة بمجلة صباح الخير التى كان يعمل سكرتيرا لتحريرها آنذاك، ثم أصدرها فى كتاب بعنوان "فى الصحراء"، وهناك التقى بالخواجة الروسى نيكولا الذى جاء من الاتحاد السوفييتى فيما يشبه الهروب من الحكم الشيوعى ليعيش فى منطقة جبل الدرهيب..هذا الجبل الوعر الذى نذر نيكولا حياته لاكتشاف أسراره ومعه زميله مهندس التعدين الإيطالى.. وكان الرئيس عبد الناصر يتابع هذه السلسلة الصحفية المهمة وبسببها أصدر قرارا جمهوريا بإنشاء محافظة البحر الأحمر، وبعدها قرارا جمهوريا آخر بإنشاء محافظة الوادى الجديد، وحصل بعدها موسى على منحة تفرغ من وزارة الثقافة كانت أول منحة تفرغ تمنحها الوزارة لمبدع من نوفمبر ٦٦ إلى نوفمبر ٦٧ ليكتب بعدها الرواية طوال عامين لتصدر فى أوائل عام ٧٠.. وربما حازت فساد الأمكنة على الصيت والذيوع الأكبر من بين روايات موسى الذى أبدع أعمالا أخرى لا تقل جمالا مثل السيد فى حقل السبانخ عام ١٩٨٠ التى استلهمها موسى من رحلاته إلى أمريكا، وهى رواية خيال علمى أو محاولة لقراءة المستقبل تخيلها موسى تحدث عام ٢٤٨٠، وفيها تنبأ بكثير من التطورات العلمية التى حدثت بعد صدورها بسنوات طويلة مثل استنساخ النعجة دوللى والذكاء الاصطناعى وغيرها.

 المغامر

ميزة هذا الكتاب الكبيرة هى أن الحكيم أحاط خلال سطوره بشكل كامل بحياة صبرى موسى العريضة فى كل محطاتها تقريبا.. منذ ولادته أوائل عام ٣٢ فى قارب شراعى كان ينقل تجارة والده من دمياط إلى رأس البر، وكان ينقل أسرته معه فى أواخر الربيع ليقضوا موسم الصيف فى البيع والتجارة على الشاطئ فى تقليد ومهمة سنوية حرص عليها والده، وكان صبرى هو الابن البكر لوالده محمد حسن موسى، وهو الشقيق الأكبر لسبع بنات أتين بعده.

ويبدأ الكتاب، الذى كتب مقدمته إبراهيم عبد المجيد، بحوار للمؤلف مع صبرى موسى أجراه فى منتصف عام ٢٠٠٨، ولم يكن حوارا بالمعنى الشائع على هيئة سؤال وجواب، لكنه كان محاولة من الكاتب للقيام برحلة إنسانية فى عقل موسى تحامل فيها هذا المبدع الاستثنائى ليحكى للحكيم رغم آثار الجلطة التى أصابته فى المخ كثيرا من الحكايات والمواقف فى محطات حياته المختلفة.

الوصف المناسب الذى اختاره الحكيم لشخصية صبرى موسى هو "المغامر".. فهو مغامر منذ طفولته.. كتب أول قصة له وهو فى عمر العاشرة، وصنع مع أصدقاء له خشبة مسرح فى إحدى دور السينما بدمياط ليعرضوا مسرحية لليلة واحدة وفشلت، ثم يقرر أن يترك وظيفته الثابتة كمدرس رسم ليتجه إلى الصحافة، وهى مهنة غير مضمونة تماما فى وقت قرار موسى باحترافها.. بعد أن احتضن كامل الشناوى موهبته وعينه سكرتيرا لتحرير مجلة التحرير.. وقراره بنقل مقر إقامته نهائيا من دمياط إلى القاهرة، وقيامه بشراء بيت فى شبرا له ولأسرته.

 فى عالم السينما

ينتقل أيمن الحكيم إلى مرحلة شديدة الأهمية فى حياة صبرى موسى، وهى دخوله إلى عالم السينما من باب كتابة السيناريو والحوار، والحق أنه كما كان موسى سابقا وسباقا فى عالم الصحافة وفى دنيا الإبداع الروائى والقصصى فقد كان سباقا كذلك فى مجال كتابة السيناريو والحوار.. ويمكن اعتباره بلا تردد ولا تحفظ من أفضل من كتبوا السيناريو والحوار فى السينما المصرية، ويكفى مثلا أن السيناريو والحوار الذى كتبه لفيلم البوسطجى يتم تدريسه لطلبة السيناريو والحوار وللمتدربين والدارسين لهذا الفن السينمائى الرفيع لشدة تعبيره عن بيئة ومجتمع وشخوص العمل السينمائى.

ولدقته واحترافيته ولماحيته.. اصطحب صبرى موسى صديقا صعيديا له اسمه محسن لم يتخلف عن لهجته الصعيدية إلى شاليه يمتلكه برأس البر و فر له طعامه وشرابه وطلب منه أن يعتبر نفسه يعيش فى بلده مع أهله، ومن خلال معايشته لصديقه الصعيدى لمدة شهر كامل استطاع موسى أن يتقن حوار الفيلم بشكل مثالى وأن يستوعب كثيرا من المفردات الصعيدية، وأن يجعل لقصة يحيى حقى دماء وطين روحها السينمائى الخاص والفريد بعد أن أضاف شخصيات جديدة فى الفيلم مثل شخصية الخادمة مريم وشقيقتها رغم أن قصة حقى لم تتضمن هذه الشخصيات.. أوجز موسى الأمر بقوله يحيى حقى يصف سلامة والد الفتاة البطلة جميلة ب الفلاتى، ومن هنا كان علينا أن نخترع شخصية الخادمة مريم ليكون لهذا الفلاتى علاقة بها وشخصيتى شقيقيها اللذين عرفا بالفضيحة.. وسلامة الذى أقام علاقة مع الخادمة انتفض وجن جنونه حين علم بأمر علاقة ابنته وحملها من زميلها وحبيبها الطالب خليل.. الذى جاء لخطبتها فرفضه سلامة فى أحداث الفيلم لمجرد أنه استنتج أنه عرفها بشكل شخصى بينما فى القصة رفضه لاختلاف ملتهما فى المسيحية.. ثم غير موسى نهاية الفيلم التى تركها حقى مفتوحة دون أن يقتل الأب ابنته، ولكن موسى غيرها بقيام الأب بذبح ابنته.. نهاية اعترض عليها حقى المعروف برهافة طبعه، والذى لم يشأ أن يكون القتل هو مصير البطلة، لكن موسى بحسه الشعبى وضع لها تلك النهاية المأساوية لأنها هى الأقرب للواقع والأصدق، وهكذا كان صبرى موسى هو البطل الأول فى نجاح البوسطجى المأخوذ عن قصة دماء وطين التى حاول الكثيرون من المخرجين تقديمها سينمائيا لكنهم كانوا يصطدمون بصعوبة تحويلها إلى سيناريو وحوار حتى جاء صبرى موسى ليفك شفرتها.. ورغم اعتراض حقى على نهاية الفيلم لكنه أقر تماما بقدرة صبرى موسى وقيامه بتقديم القصة فى شكل رائع أسهم فى أن يكون حقى نفسه معروفا فى أوساط كثيرة من الجمهور العادى باعتباره مؤلف القصة المأخوذ عنها العمل..نجح الفيلم نجاحا كبيرا كما نجح أيضا فيلم قنديل أم هاشم المأخوذ عن رواية حقى أيضا.. والذى كان عبارة عن تحفة سينمائية أيضا، لكنها تسببت فى أن كثيرين من العامة ممن شاهدوا الفيلم كانوا يوجهون الاتهامات لموسى بأنه شيوعى لأنه جعل إسماعيل بطل الفيلم يقوم بدخول ضريح السيدة وكسر قنديل أم هاشم المملوء بالزيت، لأنه تسبب فى عمى ابنة عمه فاطمة.

ويستعرض أيمن الحكيم عددا من الأفلام الأخرى التى كتب لها موسى السيناريو والحوار مثل فيلمه حادث النصف متر المأخوذ عن أول رواياته بنفس الاسم، وحيث كتب له موسى السيناريو والحوار أيضا، وقد قدمه المخرج السورى سمير ذكرى فى عمل سينمائى أيضا.. وكذلك فيلم "رغبات ممنوعة" المأخوذ عن قصة لحنيفة فتحى، والذى تعرض للمنع من العرض فى دور السينما ولا يعرض حتى الآن إلا فى القنوات الفضائية، وكذلك فيلم "قاهر الظلام" عن حياة طه حسين الذى تعرض للتشويه تماما وتبرأ منه موسى، حيث تم تنفيذه أثناء سفر موسى وعمله كمدير لمكتب روز اليوسف فى بغداد، وكذلك الفيلم الذى يتحدث عن السد العالى "الحياة تبدأ غدا"، والذى قامت ببطولته نادية لطفى مع أحمد مظهر، واختفى الفيلم لأسباب غامضة.

ويعرض الحكيم فى خاتمة الكتاب لمأساة إصابة صبرى موسى بجلطة فى المخ، بعد مشادة حامية بين روائية وناقد، أثناء جلسة للجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة التى كان موسى مقررها، ولم يحتمل موسى ما حدث، فذهب إلى بيته سريعا ليسقط فاقدا الحركة ويصاب نصفه الأيمن بالشلل.

الكتاب وثيقة تحكى وتسجل محطات من حياة وإبداع واحد من كبار مبدعينا أنجزه مؤلفه بصدق وبمحبة وبكثير من الجهد والقدرة على نسج الحكايات والمواقف والأحداث بشكل يسير وممتع.

Katen Doe

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص