استفادت منها شركات السجائر والدين
ربـــمـــا قـــد تخـــوننـــا حـــــواســنــــا البسيطـــة مثــــلا حــيــــــال مســألة الطبيعة وإرغامها على أن تتكشف لنا، لكن لن تخوننا أبدا حواسنا ولا عقولنا فى الحكم على عصرنا هذا بأنه عصر الغياب التام عن الحقيقة، فهو العصر الذى نصفه بعصر الجهل أو التجهيل بكل جدارة؛ صحيح أننا نملك إمكانية أن يعرف الإنسان أى شىء عن أى شىء، لكن عصرنا فعليا لا يعرف أى شىء على وجهه الحقيقى التام، فهو عصر يجد الفرد فيه نفسه حائرا حقا كإنسان متخبط دائما، ولا يقين أبدا بين الصواب والخطأ.
يرجع الجهل إلى بداية نزول الإنسان على الأرض، حيث كان جاهلا بالضرورة بما يضمن له البقاء فيها، لكن تاريخيا قد أثبتت البحوث والدراسات أن التاريخ الفعلى للجهل بدأ فى العصور الوسطى عندما تحالف الملوك مع رجال الدين ومع طبقة الإقطاعيين لتكريس الهيمنة على المجتمعات وتعزيز السطوة على الشعوب، لكن مع بداية العصر الصناعى، وتحديدا فى الولايات المتحدة الأمريكية، ظهرت تحالفات جديدة أنشأها أصحاب رؤوس الأموال ولم يقدر الحكام ولا ما ظهر من وسائل إعلام وقتها على مواجهتها، حيث مولت هذه التحالفات العديد والعديد من الأنظمة والمنظمات، خاصة العلمية منها، الأمر الذى جعل كل المجالات الحيوية متحكما بها وتحت إرغامها المباشر، وعلى ذلك ظهرت الدراسات المزيفة والمضللة التى كانت فى محاكاة لأسلوب الجهل فى تعمدها البين للتجهيل بهدف جنى الأرباح.
علم الجهلفى أوائل التسعينات
"علم الجهل" ظهر كمصطلح فى أوائل التسعينات من القرن الماضى، وكان العالم "روبرت بروكتور" هو من اصطك ذلك المصطلح الغريب، فهو أول من تحدث عن "علم الأجنولوجي" أو "علم الجهل" عندما عرفه بأنه العلم الذى يدرس حالة الإنسان الجاهل بالأخبار الصحيحة، الأمر الذى يؤدى حتما إلى التيه.
قدم هذا المصطلح أو العلم الجديد أولا إلى الباحثين، حيث ظل محصورا فى ميادين الدراسات والبحث على المستوى الأكاديمى مربوطا بالفلسفة وبعدة علوم أخرى على رأسها علم الاجتماع، لكن بعد عدة سنوات انتشر هذا المصطلح أو العلم وأصبح محلا للنقاش ومطروحا فى الصحافة والإعلام فى محاولة للتمييز بينه وبين كافة العلوم التى قد تعالج ظاهرة الجهل وأسبابها ومدى تأثيرها وكيفية مواجهتها.
"روبرت بروكتور" وآخرون أعربوا عن أفكارهم حول الجهل وإمكانية صناعته أو اكتسابه، وذلك لأن الإنسان بالضرورة يولد جاهلا أو بالأحرى صفحة بيضاء، ومن ثم يمكن بسهولة تطويعه إما بالمعرفة أو بالجهل، وكان الطرح المقدم يشمل بعض الأسئلة، منها: ما الذى يجب أن نعرفه ولماذا لا نعرفه؟، وهل للجهل تاريخ وجغرافيا معينة؟ أم أنه نتاج تشويش فكرى وثقافى وسياسى واقتصادى؟، وهل الجهل وليد أمور لا يريد الناس حقا معرفتها؟؛ وفى محاولة الإجابة عن تلك الأسئلة بدا الشك فى طبيعة الأمور موضوعا موازيا لدراسة الجهل، حتى بدأ العالم "أوليفييه روى" فى طرح الأكثر سوءا فى الموضوع، وهو "الجهل المقدس"، مشيرا إلى أن الاعتقاد الدينى وتاريخه السيئ فى بعض الأوقات ساهم عبر الزمن فى نشأة أصوليات تنافسية فى سوق الدين، وقد كان هذا عملا متعمدا وأصبح عاملا مهما أثر حتما فى عملية صناعة الجهل.
مفارقة الجهل
لا شك فى أن فى العصر الحديث وما صاحبه من ظهور معارف كثيرة وإمكانية الوصول إليها بسهولة جعل أمر الجهل أمرا مشكوكا فيه، ومع هذا ظل الجهل بالنسبة للعلماء موضوعا يسبب قلقا واسعا على البشرية، لذلك أصبح هناك تأكيد بشكل خاص على وظيفة تسمى "مفارقة الجهل" التى تعنى أن للجهل وظيفة دائمة وهى الدفع إلى المعرفة، وبالتالى ينتشر العلم بشكل أسرع فى المجتمعات المختلفة، وقد جاءت هذه الوظيفة من فرضية لزوم وجود الجهل، حيث تكون أية معرفة جديدة بالضرورة تواجه جهلا جديدا يدفع المعرفة للظهور والتواجد.
وفى دراسة تاريخ علم الجهل ما يشرح كيف تم التركيز تاريخيا على منافع أو فضائل وجود الجهل، وبالتحديد ما يعود إلى القرن السادس عشر عندما بدأ الإصلاح البروتستانتى لمساوئ الكنيسة الكاثوليكية آنذاك، وقد اعتمد هذا الإصلاح على أن الجهل الموجود فى المجتمعات حينها يمكن استخدامه كطريقة وحل وأداة من أدوات البحث عن المعرفة، حتى يعمل الإصلاح كشرط يسمح للوصول إلى الحقيقة، وكان لا سبيل لذلك إلا بالإيمان بالتواضع وأن الإنسان يجب أن يعترف بجهله حتى يحصل على المعرفة، وعلى ذلك بدا الجهل واقعا اجتماعيا ودينيا مثل تهديدا للمجتمع، وذلك جراء سطوة الكنيسة حينها، فكان أسلوب ترك الجهل سائدا من خلال اتفاق بين الحكام ورجال الدين يستهدف للوقوف ضد التنويريين المعارضين، وهم الذين كانوا فى حرب مع الجهل الذى مثل ضررا داهما على الحاضر والمستقبل، وكان قد استخدم الجهل آنذاك بما جعله أمرا شائعا وإهانة موجهة من الطرفين ضد بعضهما البعض، فكان بذلك جوهر صراع وقضية حياة أو موت، ولذلك نجد موضوعا أكاديميا لرئيس جامعة "سانت جليز" أطلق عليه "استخدام استراتيجية الجهل" لشرح ما يحدث فى المجتمع بين الأطراف المتنازعة.
حقيقة الأمور تشير أن كلا الطرفين، الكنيسة ومؤسسة الحكم فى جانب والتنويريين فى الجانب الآخر، قد شاركا بشكل أو بآخر فى تثمين دور الجهل، فتارة باستغلاله للهيمنة على الشعوب والمجتمعات، وتارة باعتباره أداة تدفع وتحث على المعرفة، وقد ساعد فى ذلك ظهور مذهب "ديكارت" وفلسفته التى تقول: "أنا أشك إذًا أنا موجود"، والشك هنا حالة من حالات الجهل، وقد استخدم فى الوصول لليقين، وبالتالى أصبح هناك دمج للجهل فى عملية البحث عن المعرفة والحقيقة.
فى القرن التاسع عشر كانت بشائر ظهور مصطلحات تمهيدية لبدء ظهور علم الجهل، وتلك المصطلحات صاغها "جيمس ماير" عالم اللاهوت الذى قصد أن يميز نظرية الجهل ويوضحها لأتباع الكنيسة جنبا إلى جنب مع نظرية المعرفة، لكن مفهوم الجهل ظل رغم هذا فى طور التكوين ولم يحقق الانتشار العلمى ولا المجتمعى، أما فى نهاية القرن العشرين فقد تطور المفهوم على يد من اعتبر رائد علم الجهل و هو "روبرت بروكتور" الذى كان قد قدم المفهوم أصلا فى أبحاثه عن مرض السرطان، وكان موضوع البحث الذى فجر الفكرة: كيف تشكل السياسة العامة ما نعرفه وما لا نعرفه عن مرض السرطان؟ ومع تلك الإشارة التى كانت بهدف صحى فى الأساس اعتبر الأمر تصحيحا للرؤية العلمية للجهل.
نظرية "صناعة الجهل" كانت فى الواقع أعقد من ذلك، حيث كان لها بعد جغرافى سياسى واقتصادى أثر بالفعل فى واقع سياسات المعرفة فى بعض الدول، لذلك احتاج هذا العلم مع القرن الحادى والعشرين إلى عقيدة سياسية جديدة لاستكمال المعرفة والوصول إليها، وبدأ الحديث عن الجهل بجدية كموضوع علمى له أسبابه وعوامله وأعراضه ونماذجه وآثاره وله كذلك آليات لمواجهته بشكل صحيح.
الجهل المقنع
فى عام ٢٠٠٨ صدر كتاب "علم الجهل.. صناعته ومستقبله"، ويتحدث الكتاب عن الجهل واضعا تعريفات محددة له، لعل من أهمها أنه ليس غياب المعرفة كما يتبادر إلى الأذهان، فالجهل يتخطى هذا إلى السير عكس اتجاه المعرفة تماما، وذلك لأن غياب المعرفة أمر طبيعى، فلا أفراد أو جهات تملك كل المعرفة، وقد قال الحكماء قديما: من قال لا أعرف فقد أفتى، لكن المسألة هنا هى الاعتراف بمدى عدم المعرفة، لأن ذلك الاعتراف ينافى الطبيعة البشرية التى قد تصاب بجرح الكبرياء، فهى تود لو ظهرت بأفضل صورة من الكمال دائما، فعندما نستوقف أحد المارة لسؤاله عن عنوان معين قلما نجده يقول ببساطة لا أعرف، والأغلب يرشدنا بعلم أو بجهل، حتى أننا لا نعرف الحقيقة إلا بعد الوصول بتعب إلى العنوان المطلوب، وعليه فإن تعريف الجهل على أنه غياب للمعرفة أو معرفتها على غير الحقيقة أمر خطأ، فأحيانا ما يتولد الجهل من كثرة المعرفة وزيادة سرعة تدفقها عن الحد الطبيعى بما يأتى بنتيجة عكسية تتولد من الحيرة والشك والاضطراب من الدخول فى كثرة التفاصيل والفرعيات التى "تشوشر" على الذهن وعلى وصوله إلى الحقيقة، ولا شك أننا نتعرض فى هذا العصر لذلك التشويش المعرفى يوميا، ربما منذ انتشار القنوات الفضائية التى تعمل ليل نهار، فضلا عن وجود وسائل الاتصال المختلفة التى أتاحت المعرفة والجهل أيضا، ومن ثم ظهر اصطلاح "الجهل المقنع" الذى مثل معضلة خطيرة على من هم أقل ذكاء وإدراكا أو ممن يعانون من الجهل بصفة عامة، والأخطر يقع على من هم لايزالون "صفحة بيضاء" تنتظر من يكتب عليها ما يشاء.
فى خدمة صناعة الجهل
هناك دور هام قامت به العلوم والفنون والثقافة فى صناعة الجهل بالدول والمجتمعات المختلفة، حيث كانت بعض أدوار العلم متعارضة أحيانا مع المصلحة العامة، وذلك حينما يكون المال يمثل تمويلا مباشرا أو غير مباشر فى صورة رشاوى مقنعة لتضليل الرأى العام ولغرس الشك والجهل لصالح طرف لا يهدف سوى الربح، ولعل فى أنفاق شركات التبغ المليارات من أجل فك الارتباط الذهنى بين تدخين السجائر وبين التعرض لأمراض السرطان والقلب دليلا ومثلاً، وكذلك الأمر مع شركات المياه الغازية التى تقوم بصرف الملايين فى الإعلانات فى محاولة لنفى فكرة الارتباط بين تناولها وبين انتشار مرض السكرى والمعاناة من السمنة، كما يظهر للعيان أدوار للفن قدم فيها دورا سلبيا فى صناعة الجهل، وذلك بترويج الأفلام الساذجة والهابطة أو عبر بث الأغانى الخالية من الذوق العام على سبيل الترفيه والمتعة على حساب الكيف والمضمون، ولا شك أيضا أن هناك دورا لبعض المثقفين - ممن أغراهم أصحاب رؤوس الأموال – فى إنتاج محتوى ثقافى تافه لا يرقى إلى الثقافة وليس منتجا معرفيا حقيقيا، وهذه بمثابة ممارسة يتم تنفيذها عبر تاريخ طويل من الأفكار المغلوطة، سواء كان عن عمد أو عن غير عمد، وهكذا فإن مصطلح إنتاج الجهل أو صناعته الذى ابتكره "روبرت فكتور" قد يكون أحيانا غامضا لأنه يشير إلى آلية عمياء تستخدم جميع الوسائل حتى غير المرئى منها كاستراتيجية متبعة لتحقيق هدف محدد معلن أو غير معلن، ولعل هذا ما يشير لضرورة التعريف بقضية تسمى "قضية الدافع العميق" التى تعبر عن لزوم الاعتراف بوجود دوافع لإنتاج الجهل، منها التساؤل حول حجم التغييرات الجذرية مثلا التى يمكن أن تحدث فى موضوع ما فى حال معرفة الناس به.
غطرسة الجهل
"غطرسة الجهل" تعنى أن ملايين الناس فى كل زمان ومكان قد أصبحوا بالفعل مبرمجين على الجهل منذ الطفولة لعيب فى أساليب التربية أو لقصور فى أدوات ومناهج التعليم، لكن الأسوأ أن هؤلاء جميعا لا يدركون ذلك الاختطاف المبكر للمعرفة الذى سيشكل بعد مرور سنوات أفظع مشكلة تواجه البشرية، وهى غياب المعرفة، مما يولد بالضرورة وبالتراكم العداوات والصراعات ويؤدى إلى اشتعال الفتن والحروب دون رادع، حيث ترعرع الإنسان فى ظل الجهل، وذلك ما يفرز إنسانا متغطرسا متحفزا للدفاع عن كل ما تبرمج عليه، ويحرم حاله والمحيطين به من التغذية المتنوعة الضرورية للمعارف التى يجب أن ينمو عليها العقل السليم، لأنه ببساطة حاصر نفسه فى قوالب ذهنية ضيقة على مسلمات وقناعات لا يمكن لأحد التعامل معها بفكر مضاد وهو ما يسمى "الانسداد الفكرى" الذى لن يفيق منه الجاهل إلا على صوت فجيعة أو بعد صدمة مدوية تشل حركته وتقدمه، ولا شك أن مشكلة غطرسة الجهل هذه هى الآفة المزمنة للشعوب، وقد عطلت كثيرا العقول البشرية عبر آلاف السنين، وأعاقت تطور حضارات وعرقلت نوافذ التفاهم بين الثقافات، وغير ذلك من النتائج المؤسفة فى باقى مناحى الحياة، حتى أننا نجد إماما مثل الشافعى يتحدث عن مواجهته للجهل فى زمنه قائلا: "ما جادلت يوما جاهلا إلا وغلبنى" فى إشارة إلى أن هذا العالم الجليل قد وجد نفسه بكل علمه مضطرا للسكوت أمام الجهلة، وبالطبع فإن أشكال الجهل التى واجهها الإمام وغيره من العلماء على مر التاريخ لم تكن مشكلة مع أصحاب الجهل البسيط الذين قد تغلبهم المعرفة فيتحسسون جهلهم، لكن المشكلة كانت مع ذوى الجهل المركب، هؤلاء المتغطرسون بالعلم المزيف الذين لا يلتفتون إلى الحجج والبراهين التى يسوقها المخالفين لهم فى الآراء، وبالتالى لا يمكن أن تنطبق عليهم مقولة الشافعى "رأى صحيح يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب".
الجهل ليس قدرًا
الجهل ليس قدرا على الأفراد والمجتمعات، بل هو نتيجة قرار شخصى للإنسان الذى قرر عدم المعرفة وتسلسل بأغلال التبعية والانسياق وراء القطيع، فالجهل يحدث حتما حين تتعامى العيون بإصرار على عدم المعرفة، وهذا لا ينفى وجود عوامل ومؤثرات تعوق عملية المعرفة مع وجود تيار مسئول عن التحايل المدبر المصر على مواصلة التجهيل، لكن لا أسوء من حياة يحيا فيها الإنسان بتلك اليقينية التامة فى الأشياء من حوله، فيغيب عنه التفكير السليم بعد غيابه عن التأمل والبحث وقد ركن للراحة النفسية الواهمة والخادعة والكاذبة التى تطن فى أذنه قائلة بأنه يقينا يعرف الحقيقة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
البنات الصغيرات مع عائلاتهن، فى خروجة مشمسة مبهجة مع أوائل نسمات الصيف.. لا تعرف الواحدة منهن الأخرى.. لكن النظرات تلاقت،...
ولد في «طيبة».. مدينة الشمس الحارقة والأرض السمراء، نشأ في رحاب المنطقة الأكثر ثراء في التراث والمعابد والقصور، لكنه لم...
درس الحقوق والهندسة والتحق بالحربية فى اسطنبول وحاز رتبة الفريق وتولى تعليم ولى العهد فاروق قواعد العسكرية بتكليف من الملك...
إمام سيرة أخرى أمير العمرى: الشيخ إمام عبقرية.. لا تظهر إلا فى لحظة تاريخية فاصلة كان يغنى خمس ساعات متواصلة...