حكايات عادية جدا - ممنوع القبلات بين الأزواج

فى 2016، سجل شاب يهودى من سكان القدس فيديو، يعلن فيه: "اسمى يهودا كونوفتيسكى، ولدت وترعرت فى بيت متشدد دينيا،

ولكنى لم أتقبل يوما أسلوب حياة الجماعة، كنت أتعطش للانفتاح والاطلاع على كل جديد، وهو أمر محرم طبعًا، وعليه قررت الخروج عنهم، أريد لنفسى حياة أسعد وأفضل".

يهودا كان أصوليًا، تزوج من فتاة لم يكن يعرفها، وكان عليه أن يؤدى واجباته من أول ليلة، شرح له الحاخام الكيفية: "يجب أن يتم الأمر فى ظلام حالك، ممنوع الملامسة باليد، القبلات مُحرمة، عليك فقط أن تستعد، ثم تنتظر لحظة معينة، تتدخل فيها امرأتك وتستكمل العملية".

تخلى يهودا عن ملابسه الدينية، حلق ذقنه وشاربه، ويحاول الآن التكيف مع الحياة العلمانية التى اختارها، لكنه يواجه العديد من الصعوبات، من بينها مثلا أنه لا يجيد اختيار الملابس لنفسه، تتشابه فى عينيه الألوان لأنه اعتاد على ارتداء لباس واحد طوال حياته، الأبيض والأسود، وهو اللباس الذى كان يرتديه يهود أوروبا قبل ألفى عاما، وتحافظ عليه الجماعة الأصولية فى إسرائيل حتى الآن.

*******

قبل أيام، كرر نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلى، كلامه السابق عن استمرار الحرب مع حماس، قال: "نحن فى حرب وجودية، لابد من خوضها حتى النصر، رغم الضغوط والتكاليف".

 يشعر المجتمع الإسرائيلى كله أنه فى أزمة وجودية، كشف عن جزء منها، ما حدث فى  7 أكتوبر الماضى، وما تلاه من أحداث.

فإسرائيل الجميلة، الديمقراطية، المتقدمة، صاحبة ناطحات السحاب، والشواطئ الساحرة، التى تحتفل سنويا بعيد تأسيسها باستعراضات ضخمة، لتؤكد على قوتها العسكرية فى المنطقة، إسرائيل.. الموساد، والشاباك، الدبابات والطائرات، والتكنولوجيا الحديثة التى يتهافت العالم على شرائها، إسرائيل التى تعرف دبه النملة على حدودها، التى تمد ذراعها الاستخباراتية فى دول أفريقيا وآسيا، إسرائيل التى تجعل من أمريكا، أكبر قوة فى العالم، بودى جارد خلفها.. عرتها غزة أمام العالم، فى 6 ساعات.

كان الحدث أكبر من خيال الشعراء، أكبر من الصدمة.. والهزة.. والزلزال، إنه الطوفان، طوفان الأقصى، الذى حول إسرائيل لثور هائج، ينطح فى كل شىء، وشيئا فشيئا، وجدت إسرائيل نفسها فى ورطة غزة، يدها ملطخة بدماء آلاف الأبرياء، وعلى وجوه قادتها أصداء هزيمة لا تريد أن تتوقف.

إنها أزمة الوجود.

*******

فى عيد الاستقلال السنوى لإسرائيل، الذى يوافق 14 مايو، ذكرى إعلان قيام الدولة ونهاية الانتداب البريطانى على فلسطين فى 1948، فى هذا اليوم من كل عام، تخرج إلى شوارع القدس، حركة "نيتورى كارتا" أو "حراس المدينة"، لتحرق علم إسرائيل وترفع علم فلسطين.

و"حراس المدينة" واحدة من التيارات الأصولية اليهودية التى تتمدد فى إسرائيل، لتشكل أزمة وجودية ربما أعمق من خطر "حماس"، قأصحابها لا يعترفون بدولة إسرائيل، إنهم يؤمنون بأن التوراة وعدت بإخراج الشعب اليهودى من التيه، وهم فى تيه من ألفى سنة، وما دام التيه مستمرًا، يحرم على اليهود تأسيس أى دولة فى العالم، ولا مكان لدولة يهودية بدون إرادة إلهية.

يرفض أعضاء "نيتورى كارتا" استخراج بطاقات شخصية،  أو تلقى أية إعانات من الدولة، ويحرصون على التحدث بلغة "الإيديش"، وهى خليط بين الألمانية والعبرية، كانت تستخدم فى ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية.

الحركة تؤمن بوجود فلسطين فقط، لا إسرائيل، بل وصل بهم الأمر أنهم زاروا إسماعيل هنية، القيادى بحماس، ومتى؟، فى وقت حرب غزة مع إسرائيل السابقة،  فهم يؤمنون بأن حل الصراع الدائر، يأتى بإعادة كل الأرض لفلسطين.

والمثير للتساؤل: أن إسرائيل لا تستطيع أن توقفهم.. لماذا؟

*******

"الجزيرة الوثائقية"، عرضت فى 2017، فيلم "إسرائيل.. الانقسام على الذات"، كانت صاحبة أول كاميرا تليفزيونية تدخل حى "مياشيريام" فى القدس، أحد أحياء المتشددين، على مدخله توجد لافتة:"يُمنع الدخول إلى حى مياشيريام بلباس غير محتشم".

يهود الحى، موجودون فى فلسطين قبل نشوء إسرائيل بسنوات طويلة، هرب معظمهم من اضطهاد أوروبا، وعاشوا كما كان يعيش أسلافهم فى الماضى.

يُمنع على الأصوليين، وجود الإذاعة والتليفزيون، ويتم تداول الأخبار عبر ملصقات على الجدران، أما المحمول، فلا يمكن امتلاكه إلا بموافقة الحاخام، تنتظر شركات بيع الهواتف الإذن من الحاخام لبيع تليفون لهذا اليهودى أو الامتناع، بل إن الحاخام يتدخل بعد ذلك فى اختيار التطبيقات المحملة على هذا المحمول.

"الحاخامات" هم أصحاب الكلمة العليا فى هذا المجتمع، مثلا، لا يجوز  تقدم شخص لاستخراج رخصة قيادة دون موافقة الحاخام. وفى هذا المجتمع، الرجال لا يعملون، العمل غير مقدر لهم، شغلهم الأساسى هو تدارس النصوص الدينية طوال اليوم، العمل للسيدات فقط، بشرط الاحتشام، حيث يفرض الشعر المستعار "الباروكة" بديلا للنقاب، على المتزوجات والمطلقات.

ولدى الأصوليين، مدارس دينية موازية، لا تُدرس فيها المناهج الرسمية.

وفى المنازل.. لا مكان للروايات أو الصحف أو الكمبيوتر، ويأتى الاهتمام بالأسرة فى المرتبة الثانية بعد الدين، وهم ينجبون كثيرا، فعكس العلمانيين الذين يفضلون الاكتفاء بطفلين، من العادى أن تسمع 6 أطفال فى أسرة متشددة، الأطفال الأصوليون فى القدس يمثلون 60% من عدد الأطفال فيها، وتتوقع الإحصائيات أن يصبح ثلث سكان إسرائيل من الأصوليين عام 2059، هذا إن استمرت إسرائيل نفسها إلى هذا التاريخ.

*******

فى مارس 2014، خرج آلاف الأصوليين فى شوارع القدس، اعتراضا على محاولة الحكومة إجبارهم على الخدمة العسكرية، فمنذ نشأت إسرائيل، يُعفى الأصوليون من الخدمة الإجبارية. وهو ما يُشعر العلمانيين بالتفرقة.

فى صيف 2015، هاجموا قاعة سينما مفتوحة فى القدس، وتمكنوا من إغلاق السينما نهائيا.

وعصر كل جمعة، تصبح شوارع القدس خاوية، حيث يخرج الأصوليون على أصحاب المحلات المختلفة فى الأماكن العلمانية وينفخون الأبواق لإزعاجهم وإجبارهم على الإغلاق، استعدادا للسبت.

ومع أن القانون الإسرائيلى يمنع عمل المحال فى يوم السبت، غير أنه أعطى الحق لرئيس البلدية فى منح الإعفاءات لبعض المحال، ومؤخرا  لا يستطيع إعطاء هذه الإعفاءات، لأن أصوات الأصوليين هى من تحسم اسم الجالس على كرسيه.

ينصاع الناس لهم، تجنبا للمواجهة والعنف. خاصة أن بين الحكومة والحاخامات اتفاقا بعدم التعرض.

ويتجنب أى رئيس حكومة مواجهتهم، فالأصوليون يمثلون نصف عدد الناخبين فى القدس، إنهم خزينة أصوات مضمونة لأى سياسى، ولهم حوالى 14 مقعدا فى البرلمان، ومن أحزابهم "شاس"، وتسند لهم دائما عدة وزارات أولها "وزارة الشئون الدينية" التى تتحكم فى كل ما يتعلق بالزواج والطلاق، والتى جعلت من مسألة الطلاق صعبة المنال أمام أية إمرأة يهودية.

فى سبتمبر الماضى، وقعت اشتباكات إسرائيلية فى الأقصى، بين يساريين علمانيين وآخرين متشددين أصوليين، على خلفية فصل النساء عن الرجال فى الحيز العام خلال صلاة عشية عيد الغفران، أقدس أيام السنة فى اليهودية. وهو ما دفع الرئيس إسحاق هرتسوغ لأن يصرح: "التهديد الإسرائيلى الداخلى هو الأكثر حدة وخطورة على الإطلاق".

*****

بيد المقاومة أو يد الداخل، إسرائيل إلى زوال، غير أن الله "يمهل ولا يهمل".

 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - كده وكده

بطول الرصيف الواسع الممتد، اصطفت الماشية: أغنام وأبقار تحديداً، وبما أن العيد الكبير، عيد الأضحية، اقترب، فالمنظر يبدو مقصوداً، وغريباً...

مثقفون فى الحج.. رحلة كبار الأدبــــاء إلى الأراضى المقدسة

تركت أثرها فى نفوسهم ووصفوها فى كتاباتهم طه حسين: كانت دعوة من خارج النفس.. دعوة «آمرة» أمير الشعراء خاف من...

السلطان عبد الحميد الثانى.. خَـــذل المصريين بفرمان عصيان عرابى

شخصيات لها تاريخ «102» مذابح الأرمن المسيحيين وقعت فى عهده وبتوجيه منه ورفض إقامة وطن قومى لليهود على أرض فلسطين...

شهادات تذاع لأول مرة «15» جلسة نفسية لتحليل الشيخ وأيامه من شاهد على العصر

إمام.. سيرة أخرى د. خليل فاضل: إمام لم يكن شيخًا ولا مطـــــــــربًا.. كان إنسانًا يبحث عن نفسه الشيخ إمام لم...