صبرى موسى يكتب«الاعترافات الأخيرة»: شاعرة الإسكندرية التى وقعت فى غرامها

أوراق ساحر الكتابة «الأخيرة» هذا هو أكثر كتاب أرهقنى.. وأكثر كتاب أمتعنى.. وأكثر كتاب أحزننى / راضٍ عن مشوارى.. وتركت تأثيرا فى أجيال من المبدعين / لست مظلوما.. أعطانى النقاد حقى.. ومنهم من قارننى بـ «هيمنجواى»

لم يكتب صبرى موسى إلا عن ما يعرفه وعاشه، ولم يقل إلا ما يقتنع به ووقر فى ضميره.. ولذلك كانت حياته صفحة مفتوحة، تجدها فى رواياته وقصصه، وتجدها فى حواراته واعترافاته..

ومن ثم فإن صبرى موسى هو أصدق من يكتب عن نفسه ويعبر عن شخصيته ويروى سيــــــــــــرته، صحيح أنك تجد مئات المقالات والدراســـــــــات والرســــــائل العلمية عن أدبه وحياته، والمؤكد أنها شديدة الأهمية وبالغة الدلالة، لكن لماذا نلجأ إلى الكتابة عن الرجل ما دام هو يتكلم بنفسه عن نفسه..؟

ونتصور أن هذه الباقة من إعترافاته هى أصدق ما يعبر عن شخصيته وحياته: أنا ابن البحر  والنهر والصحراء.

"ولدت فى مدينة رأس البر بدمياط، ومنذ اللحظة الأولى تشكل تكوينى من النهر والبحر ، ثم أضيف إليهما عشقى المبكر للصحراء، ومن البحر والصحراء طغى جانب التأمل على شخصيتى.. ومعهما اكتشفت نفسى".

"الرسم كان أول مواهبى الفنية، كنت أهوى الرسم والتصوير، وأذكر ونحن أطفال فى دمياط كان الأطفال يخرجون بالفوانيس الملونة فى ليالى رمضان بعد الإفطار، وكنت أجلس أنا لأرسمهم وهم يحملون الفوانيس المصنوعة من الصفيح والمضاءة بالشمع.. لا أنسى بهجة الطفولة العارمة فى ليالى رمضان، خاصة فى الليالى القمرية التى كانت تتيح لنا أن نلعب الكرة لساعات طويلة أو ندور وراء المسحراتى نردد معه أغانيه فى بهجة وحماس، وكنت أنسى نفسى ولا أعود إلى بيتنا إلا فى مطلع الفجر، وكثيرا ما كان أبى يعاقبنى على التأخير، لكن عشقى للسهر كان أقوى من أى عقاب.."

أشعر بالحنين لتلك الأيام، فرغم أن ظروف الحياة كانت صعبة، فلا كهرباء ولا تليفزيونات ولا وسائل ومتع الحياة الحديثة، لكن الدنيا كانت أجمل بتلك البساطة وتلك الأُلفة بين الناس وبروح التسامح والصفاء، فالبيوت مفتوحة على بعضها والقلوب عامرة بالمحبة، وهى أمور أفتقدها فى زمن أصبحت فيه أبواب الناس مغلقة ولا تُفتح إلا بعد النظر فى العين السحرية.."

"تمنيت كثيرا فى صباى أن أكون شاعرا، وحاولت كتابة الشعر، وما زلت بعد هذا العمر أطمح لأكون شاعرا، وعندى يقين أن أجمل القصص وأكثرها خلودا وتأثيرا هى تلك تجد روح الشعر حاضرة فى صياغتها.. وحينما فشلت فى الشعر إتجهت لكتابة القصة، وحين جاء زمن السفر والترحال إستهوانى أدب الرحلات وكانت تلك الرحلات تعمقا فى معرفة الأرض والناس ومهربا من نوعية العمل والحياة المعتادين، ولعل ذلك هو ما قادنى إلى الرواية، كما استهوانى فن السينما كذلك، فكتبت عديد من سيناريوهات الأفلام مثل البوسطجى وقنديل أم هاشم ورغبات ممنوعة ورحلة داخل إمرأة، ثم عدت من جديد إلى الرواية مع "السيد من حقل السبانخ".

"بعد تجربتى الطويلة مع الصحافة، من الجمهورية والتحرير والرسالة الجديدة قبل الاستقرار فى روز اليوسف والمشاركة فى تأسيس صباح الخير، يمكننى أن أدافع عن الصحافة من تلك التهمة التى تطاردها بأنها تقتل المبدعين وتلتهم موهبتهم، هذا ظلم، فالصحافة هى التى أتاحت لى السفر والترحال والمغامرة فى رحلات طويلة حولتها إلى إبداع أدبى ونشرتها مسلسلة على صفحاتها وأوصلت كتاباتى إلى جمهور عريض من قراء الصحف.. فكثير من قصصى ورواياتى كانت من مكتسبات العمل فى الصحافة ".

"كان للعمل الصحفى تأثيره الكبير فى توافر العناصر القصصية بحكم تنوع البيئات والأمكنة التى كنت أتحرك فيها، ففى فترة من الفترات بدأت فى العام الأول من الستينات كنت كثير السفر، بل إننى أيضا فى كثير من الأحيان كنت أسافر دونما سبب سوى فكرة الانتقال والرؤية أى السفر نفسه.. مثلا كثيرا ما كنت أتخير عشوائيا بلدا من البلاد المصرية الموجودة فى دليل السكك الحديدية!. بلدة أو قرية أو مركز من المراكز التى يمر بها القطار، فأقضى بها يوما أو يومين حسب إمكانات تلك البلدة، وأذهب إلى الأسواق، وأحتك بالناس، وأستمع إلى حوارات المقاهى، وأتأمل نماذجها البشرية، وغالبا ما كنت أعود من تلك الرحلة بقصة أو بعديد من القصص.. تلك كانت فترة الاختبار والتجريب وقد أنتجت أكثر من مائة قصة اخترت نصفها تقريبا، وأصدرته فى كتاب عنوانه "حكايات صبرى موسى".

"فى قصصى أميل إلى التركيز والتحديد والارتباط بلحظة زمنية مختارة وموقف نفسى محدد تواجهه الشخصية الإنسانية.. لعل هذا قد حدث بحكم طبيعتى التى لا تميل إلى الثرثرة، وطريقتى الذهنية فى مواجهة الحياة والتى تميل إلى التوقف عند التفاصيل الصغيرة، وكثيرا ما كنت أرى فى هذه التفاصيل الصغيرة الدقيقة عوالم حافلة بالعناصر الدرامية".

"كواحد "بحراوى" مثلى، أى من مواليد الوجه البحرى ودلتا مصر، كانت الصحراء بالنسبة لى مصيفا أو بلاجًا، وفى بداية حياتى الصحفية كانت هناك تحقيقات عن الصحراء الغربية، وهى صحراء منبسطة وملتصقة إلى حد ما بالشاطئ، لذلك لم تمنحنى الإحساس الذى كنت أبحث عنه، وأما فى الصحراء الشرقية فالوضع مختلف، دخلت عمقها وعشت مع مهندسى الجيولوجيا وعمال المناجم وعايشت البدو، وعبرت الطرق الصحراوية عبر المسالك التى كانوا يسلكونها، وصرت جزءا من الصحراء، حدث ذلك على مدى عام، والطبيعة فى الصحراء الشرقية قد تبدو خشنة وقاسية، لكن فى أوقات من العام تكتسب جمالا يذكرنا بقصائد شعراء الجاهلية وغزلهم الرائع.. التجربة كانت باهرة وتعثر إخراجها فى رواية فى المرحلة الأولى، فأصدرتها فى كتاب جمعت فيه سلسلة التحقيقات التى أجريتها هناك، وخلصنى ذلك من الدهشة والانبهار والتساؤلات التى بلا إجابات، واستقرت الصحراء فى نفسى، وبعد ذلك كان ممكنا أن أكتب رواية "فساد الأمكنة".

 أنا والنقاد وهيمنجواى

"ليس صحيحا أننى شخص كسول ومقل فى إنتاجى الروائى، هذه تهمة غير صحيحة، فأنا بين كل رواية وأخرى أكتب القصة، وعندى مقالة صحفية أسبوعية، وأعمل فى كتابة السيناريو وأنجزت أكثر من عشرة أفلام، وأصدرت مجلة للمغتربين العرب فى أمريكا، وأمارس دورى فى لجان تحكيم الأعمال الأدبية وفى رئاسة لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة، ولذلك فالحكم عليّ بأننى مقل فى إنتاجى ظالم وغير منصف".

"وجدت من النقاد من يضعنى فى جملة واحدة مع "هيمنجواي" الأديب العالمى، ويرى أن هناك تشابها ما بين أجواء رواياتى وخاصة "فساد الأمكنة"، وبين رواياته وخاصة "العجوز والبحر"، وربما الذى أعطاهم هذا الإحساس بالتشابه أو التقارب هو المغامرة فى الطبيعة، فمعظم أعمال هيمنجواى عبارة عن احتكاك مباشر لأبطاله مع طبيعة قاسية صارمة وهكذا كانت حياته هى نفسه..

"فى تقديرى أن روايتى "السيد من حقل السبانخ" أكثر أهمية من "فساد الأمكنة"، ولكن تظل الأخيرة هى الأكثر شهرة، وهذا يحدث دائما مع كثير من الكتاب، أن عملا من أعماله يشع بريقا ويصادف هوى لدى القراء ويطغى على بقية أعماله".

"لست منعزلا ولا مبتعدا عن الوسط الثقافى والأدبى ولا أتعمد الغياب عن تجمعاته وفاعلياته ومؤتمراته، صحيح أننى غير دائم التردد عليها، ولكنى حريص على الحضور بين الحين والآخر لألتقى بالأصدقاء والشباب، كما أتردد أحيانا على الأتيليه ونادى القصة.. لكن فى كل الأحوال أنا شخص حريص على وقتى.. ولا أذكر أين قرأت هذه العبارة "الليالى طويلة جدا ولكن السنين قصيرة" ولكنها علقت بذاكرتى وتذكرنى دائما بقيمة الوقت".

"ليس لى كاتب مفضل واحد، فهم كثيرون ومتنوعون، فأنا أحب هرمان هسه ولورانس داريل وديستوفيسكى وأمين معلوف ونجيب محفوظ وفتحى غانم وكثير من مبدعى الأجيال التالية لهم مثل محمد البساطى ومحمد مستجاب".

 أنا ومراهقتى

"فى سنوات مراهقتى وقعت فى أسر وسحر "سافو" شاعرة الإسكندرية القديمة.. وفى سحر كتاب "ألف ليلة وليلة" وهو من الكتب التى أعود لقراءتها كل فترة لأنعش خيالى.. ومن أكثر الكتب التى شعرت بالمتعة وأنا أقرأها "أساطير الحب والجمال عند الإغريق" الذى ترجمه درينى خشبة، وأمتعنى فيه هذا المزج الرائع والبسيط بين الخيال والواقع والأسطورة، وهذا الخليط الدرامى لحركة الأبطال - الآلهة - الذين يمارسون نزواتهم على الأرض وبين البشر.. أما أكثر كتاب أرهقنى فى قراءته فهو كتاب "لذة النص" لرولان بارت والذى صدر ضمن المشروع القومى للترجمة، ورغم متعة الكتاب وسهولته إلا أننى أعيد قراءته حتى أستوعب كثيرا من أفكار بارت والمعانى التى يقصدها.. أما أكثر كتاب أمتعنى وأحزننى وأنا أقرأه فهو رواية "البؤساء" لفيكتور هوجو، فقد تعاطفت جدا مع بطله النبيل وتأثرت بمأساته".

"لست مظلوما على مستوى الاهتمام النقدى لأعمالى، ففى هذا الجانب الذى يتعلق بالدراسات الجادة لقصصى ورواياتى فأعتبر نفسى قد فزت بنصيب وافر من الاهتمام، سواء فى مصر أو العالم العربى بل والعالم الخارجى، وهناك مئات الدراسات والمقالات بل والرسائل العلمية التى تناولت أعمالى بعمق، أما إذا قصدت بالظلم غياب ذلك الظهور والتواجد الإعلامى الدائم والملح – بمناسبة وبغير مناسبة – على شاشات التليفزيون وصفحات الصحف والمجلات، فهذا لا يهمنى بحكم طبيعتى ولا أسعى إليه ".

"هناك مبالغة فى الانحياز إلى زمن ما قبل ثورة يوليو فيما يتعلق بالحريات والادعاء بأن هامشها تقلص بعد الثورة، الصورة ليست كذلك ولا بد من تصحيحها، ففى سنوات ما قبل الثورة كانت هناك قيود سياسية ضارية وشديدة، وكانت مصادرات الصحف والمجلات أمرا معتادا، وجاءت ثورة يوليو لتمنحنا قدرا كبيرا من الجرأة والشجاعة على اقتحام قضايا كنا نخوضها فى خوف وتردد.. وفى الخمسينات والستينات وضعنا بذور كل الأشكال الجديدة للقصة والرواية، واجترأنا على الكثير من تقاليد الكتابة.. وإذا كانت الثورة حطمت الشكل السياسى المألوف وإستبدلت الجمهورية بالملكية فقد قمنا نحن بجرأة مماثلة على مستوى الفن، فأنا مثلا إمتلكت الجرأة على هدم التقاليد البالية الراسخة فى رواية "حادث النصف متر"، كذلك فعل يوسف إدريس فى مجموعة "أرخص ليالة".

"نحتاج إلى ثورة جديدة على الأفكار الرجعية المتوطنة التى ترفض الرحيل والتغيير، فما زال لدينا عقول مغلقة خارج الزمن، أذكر أننى شاهدت منظرا فى متحف الأحياء المائية بالغردقة، فقد كان يتصدر المتحف ذكر عروس البحر، وكان الزوار يتكالبون على رؤية هذا المخلوق الغريب الضخم، وكان نصفه الأعلى يكاد يحمل ملامح الإنسان القديم ، ونصفه الأسفل سمكة يتصدره عضو ذكرى واضح المعالم، لكن مدير المتحف قام بقطع هذا الجزء حتى لا يثير الزوار.. وقد أوحى لى المشهد بأسطورة الجنية التى خرجت من البحر وضاجعها أحد أبطال "فساد الأمكنة".

 أنا والقمح وجوائز الدولة

"من أكثر الأمور التى تحزننى أننا نستورد خبزنا ولا نزرع قمحنا، وقد كتبت كثيرًا فى هذا الشأن، فالوادى الجديد وحده كفيل بأن يوفر لنا ما نحتاجه ويفيض، فمساحته نصف مساحة مصر تقريبًا، ويشغل الصحراء الجنوبية التى تمتد من أسوان، وما وراء بحيرة السد العالى إلى السلوم غربًا، وحدودنا مع ليبيا مرورًا بكل ما يطل على الجنوب الغربى من محافظات وأقاليم، وكانوا يسمونه رغيف الامبراطورية، وكانت تلك المساحة مغطاة بحقول القمح، وقد كتبت مقالات عديدة عن قمح الوادى، وبدأت بعض أحلامى تحقق، بزراعة الدولة للقمح بالفرافرة ضمن مشروع المليون فدان، ولو تكررت فى أماكن أخرى من الوادى لأصبحنا من مصدرى القمح واكتفينا ذاتيًا".

"يؤسفنى أن أقول إن كثيرا من جوائز الدولة لا تصادف أهلها،  ذلك أن القائمين عليها من جهات ولجان تحكيم لا يعرفون كل المبدعين ويأخذون الأمور بالشهرة الإعلامية، فالشاعر أو الروائى أو الناقد دائم الظهور فى أجهزة الإعلام يصبح لديهم مستحقا للجائزة، لشخصه لا لأعماله، لشهرته وليس لإنجازه أو عطائه".

"صراع الأجيال الأدبية لا يزعجنى، فهو أمر حتمى ومن طبيعة الأشياء وسنن الحياة، كل جيل يرغب فى تجاوز سابقه، يرفض القديم وينقده ويرى فى تجربته إبداعا جديدا، هكذا كان حالنا حين بدأنا فى الخمسينات وكنا نريد أن نتجاوز كل عمالقة القصة حينذاك.. يوسف السباعى وعبد الحليم عبدالله وأمين يوسف غراب ومحمود البدوى وفريد أبو حديد وحتى طه حسين..وجاء بعدنا من ثار على جيلنا وحاول تجاوزنا.. هذا أمر طبيعى فى دنيا الأدب، لكنه يصبح غير طبيعى إذا تجاوز حدود اللياقة والأدب".

"فى رأيى أن إنتاجى القصصى والروائى قد ترك تأثيرا مهما فى عمليات التجديد والتطور بالنسبة للأجيال التالية لى.. إن كل رواية لها أسلوب وشكل وبناء وصياغة كالدليل الذى يقود الكاتب الشاب والجديد إلى التطوير والإضافة".

"أنا راضٍ عن كل مشوارى الإبداعى والصحفى".

Katen Doe

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نهى يحيى حقى تتحدث عن صاحب القنديل ورائد القصة القصيرة العربية

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص