«فنجان قهوة قبل النوم ».. حكاية الرواية اللغز فى حياة صبرى موسى

أوراق ساحر الكتابة «20» / توفى والده فجأة فقرر عدم استكمال كتابتها/ ماذا كتب فى أوراقه عن نكسة 67 وانتصار أكتوبر؟/ رفض تصنيفه ككاتب يسارى رغم صداقته الوطيدة بكتاب اليسار ورموزه

من الذى قال إن القهوة والنوم لا يجتمعان، وأنه إذا حضرت الأولى طار الثانى؟!.. لقد استطاع كاتبنا الكبير صبرى موسى أن يروّض النقيضان ويقيم بينهما صداقة ويجمعهما فى سلاسة ويسر..

القهوة والنوم كانا من المفردات الرئيسية الحاضرة فى حياة صبرى موسى اليومية، ففنجان القهوة هو مشروبه الدائم طوال الساعات الطويلة التى يقضيها فى مكتبه، والنوم هو علاجه فى حالات الحزن والغضب "لما يزعل ينام"، يعتصم به ويهرب إليه، ويعود منه سليما معافى.

ولذلك لم يستغرب العارفون بصبرى عندما جمع بين القهوة والنوم فى العنوان الذى اختاره لروايته الأخيرة: فنجان قهوة قبل النوم! تمثل هذه الرواية لغزا فى سيرة صبرى موسى، ودائما ما كان يطارده السؤال: أين الرواية؟.. ولماذا لم تصدر حتى الآن؟

والذى حدث أن مجلة "صباح الخير" أعلنت فى ربيع العام 1987عن رواية جديدة لكاتبها الكبير، وتعددت الإعلانات المشوقة عن الرواية المنتظرة، وتسربت الأخبار عن أن أحداثها تتصل بشكل مباشر بحياة كاتبها، وتكاد تكون سيرته الخاصة وتتضمن وقائع تجربته الإنسانية والأدبية.. ثم فجأة، وبعد ذلك الفضول وهذا التشويق، اختفى الحديث عن الرواية، ولأول مرة يخلف صبرى موسى وعده مع قرائه، وتضاربت التفسيرات وتعددت التخمينات عن السر وحل اللغز، حتى كشفه صبرى بنفسه بعدها بنحو 16 سنة، وكانت إجابته بنص كلماته:

 "فنجان قهوة قبل النوم" عنوان الرواية التى بدأت كتابتها عام 1987 وأعلنت عنها المجلة وأنا أكتب حلقاتها الأولى للنشر،  وهى رواية عن مدينة دمياط التاريخية وعن مصيف رأس البر (حيث ولدت وعشت طفولتى وصباى)، وتدور فى جزء كبير منها حول حياة أبى وكفاحه فى الحياة، وقد مات أبى يرحمه الله حينها بعد فترة طويلة من المرض، كنت خلالها أكتب فصول الرواية، ففاجئتنى الوفاة وتوقفت لفترة، وحين عدت إليها اكتشفت أن شعورى المرح وأنا أكتبها – عندما كان أبى على قيد الحياة – قد تحول إلى شعور بالفقد والحزن.. وعلى العموم لدى الآن كوم هائل من الورق الذى كتبته خلال السنوات الماضية أحاول أن أستخلص فيه ومنه "فنجان قهوة قبل النوم".

لكن يبدو أن صبرى لم يستطع أن يستعيد مزاج الكتابة الأصلى الذى بدأ به روايته،  فظلت مشروعا مؤجلا.. الطريف أن عنوانها جرى الاستيلاء عليه واستخدامه فى العديد من عناوين معارض الفن التشكيلى والبرامج التليفزيونية المسائية!

أما هو فاكتفى بأن اقتنص بعض حكايات الرواية ونشرها ضمن مجموعة "السيدة التى.. والرجل الذى لم"، وأما الذى لم ينشره فإنه بقى فى أوراقه حتى الآن، وأتصور أنه يستحق النشر بجدارة.

(1)

تستوقفنى تلك الازداوجية المدهشة فى شخصية صبرى موسى، بين المزاجية والانضباط، الفوضى والنظام، وهو ما يمكنك أن تلمسه بسهولة إذا ما صحبتك فى زيارة نستعيد فيها يوما من حياته.. وفى حياة صبرى ينقلب الليل إلى نهار ونهاره إلى ليل، فهو ينام فى النهار، أما الليل فهو مملكته ووقته المفضل للعمل، أغلب ساعاته يقضيه بغرفة مكتبه، يقرأ كثيرا ويكتب عندما يأتيه مود الكتابة، لا يجرؤ أحد على اقتحام مملكته إلا "هبة"، وهى ابنة زوجته زميلتنا الكاتبة الصحفية أنس الوجود رضوان، كانت طفلة عندما تولى رعايتها، وسرعان ما تعلق بها ورباها على عينه، علمها كيف تكون إنسانة، علمها شغف القراءة، علمها صناعة القهوة، ولم يكن يشربها إلا من يدها، وهى الوحيدة المسموح لها بترتيب مكتبه، فهى التى تعرف ما يريده بالضبط،  فرغم الفوضى الخلاقة التى كان يحياها إلا أنه كان يعرف مكان كل ورقة، ولو تحركت يدرك فورا أن هناك يدا خفية دخلت مكتبه!

وفى لحظة بعينها يفتح البلكونة ليستقبل أول ضوء من النهار، ومعه يستقبل أصدقاءه من العصافير، التى تعرف الموعد اليومى لهذا الكائن النبيل الذى يضع لها ما يكفيها من طعام وشراب على سور بلكونته، فتحوطه بزقزقة عالية مبهجة، لا تحتاج إلى ترجمة ما فيها من محبة غامرة بمنطق الطير.

وعندما يتأكد من ميلاد النهار ومن الصبح إذا تنفس فإنه يدخل لينام، وغالبا بعد أن يلقى نظرة سريعة على عناوين الصحف وهو يشرب شاى بلبن!

ويستيقظ قرب العصر، يقرأ الصحف ويتناول طعامه، ويمكن أن يخرج إذا كانت لديه ارتباطات بالخارج، كالذهاب إلى المجلة أو حضور اجتماع كاجتماعات لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة وكان هو مقررها، ثم يعود ليبدأ طقوسه اليومية مع القراءة والكتابة.

يقرأ كثيرا وبنهم، ولا يكتب إلا بعد أن تختمر الفكرة فى ذهنه وتكتمل،  وحين يكتب فإنه يكتب على ورق ملون وبخط أنيق لا تخطؤه عين، ولسنوات طويلة ظل يكتب بالورقة والقلم، ولما ظهرت أجهزة الكمبيوتر كان أول أديب مصرى يقتنى جهاز كمبيوتر "صخر"، بل وعقد صداقة مع مقدم برنامج تعليم الكمبيوتر فى التلفزيون، وعلم نفسه كيفيه استخدامه والكتابة عليه، ولما ظهرت أجهزة اللاب توب اشترى واحدا، وكان يصحبه معه فى سفرياته، لكنه ظل فى كل المراحل يكتب أعماله بقلمه على الورق أولا ثم يكتبها بعد ذلك على الكمبيوتر!

وفى صومعته، ووسط ساعات القراءة والكتابة الطويلة والمتواصلة كان يقطعها أحيانا بالاستماع إلى مطربته المفضلة "وردة"، وبجوارها فى قائمة الأصوات المفضلة كان هناك أم كلثوم وشادية وحليم وفايزة ورشدى.. وأحيانا سعد عبد الوهاب.

ودائما يؤنسه صوت الراديو، كان الراديو وبرامجه هى الأقرب إليه من التليفزيون وشاشته، مع العلم أن صبرى موسى كان هو واضع أسس الإعداد التليفزيونى فى بدايات إنشاء التليفزيون المصرى عام 1960، وكان أول من استعانت به أمانى ناشد ليكتب لها برامجها، فقد كانت الحلقة فى شكل سيناريو محكم، وصبرى أستاذ فى السيناريو.. وبحكم هذه العلاقة التليفزيونية الوطيدة ربطته صداقات إنسانية ممتدة مع نجوم الشاشة الصغيرة، مثلما كانت علاقته قوية مع نجوم السينما ونجماتها.

(2)

والصداقة عامل حاسم ورئيسى وحيوى فى حياة صبرى موسى.. هى عنده لها قدسيتها وقيمتها وثمنها، وكانت خريطة صداقاته متشعبة وتصل أحيانا إلى مجالات لا تصدق، ففى حين مثلا لم تكن له اهتمامات كروية أو رياضية، إلا أنه كان من أقرب أصدقاء صالح سليم، ومن أجله فقط حصل على عضوية النادى الأهلي، والطريف أن صالح سليم هو الذى تكفل بدفع الاشتراك واستخراج بطاقة العضوية الحمراء!

وبالطبع وبحكم عمله الطويل فى السينما ربطته صداقات بنجومها ونجماتها، خاصة شادية وسعاد حسنى وأحمد زكى وسهير البابلى وكرم مطاوع وغيرهم، وكثيرا ما كانوا يزورونه فى شقته بشارع الصباح بالهرم.

 وقبل ذلك وبعده كانت له شلة يمكن أن نسميها أصدقاء العمر، وأغلبهم كانوا من زملائه فى روزاليوسف، وفى مقدمتهم عبدالله الطوخى، الكاتب والأديب وزوج الكاتبة المعروفة فتحية العسال ووالد ابنتها الفنانة صفاء الطوخى، وجاره فى نفس الحجرة بالمجلة، وكان هناك اتصال يومى مقدس بين صبرى وعبدالله، وكان الأخير لا يرسل مقاله الأسبوعى إلى المجلة إلا بعد أن يقرأه على صبرى فى التليفون كلمة كلمة، وكان لا يمل من تلك العادة، وكان صبرى لا يمل من الإنصات وإبداء الملاحظات.

ومهما كانت مشاغله لا بد أن يتفرغ صبرى لسهرة الأصدقاء يوم الخميس، كل أسبوع كان يستضيفها واحدا منهم فى بيته، لكن فتحية العسال كانت تقاتل لأن تكون صاحبة الضيافة، فقد كانت تعتبر نفسها هى أمهم الروحية وبيتها هو بيت العيلة.. وشلة أصدقاء العمر لصبرى موسى كانت تضم كذلك : إقبال بركة وزوجها م. مصطفى، زينب صادق وزوجها د. سامى رافع، د. سمير سرحان، كامل زهيرى، رسام الكاريكاتير دياب.

وكان لصبرى شلة موازية وسهرة دورية أخرى يستضيفها صديقه رائد الأدب الشعبى فاروق خورشيد بمكتبه فى "باب اللوق" بوسط البلد، وكان من ضيوفها الدائمين الكاتب الكبير مكرم محمد أحمد والمحامى الشهير رجائى عطية.. فى حين كان يخصص قعدة شهرية خاصة لصديقه الناقد الكبير رجاء النقاش.

دوائر صداقات صبرى موسى كانت ممتدة وتتجاوز الحدود، عربيا ودوليا، وكان أقربهم لقلبه د.عاكف النحال الناقد المصرى المقيم فى مانهاتن بأمريكا، وأول باحث يحصل على الدكتوراة فى أدب نجيب محفوظ، وكان يصر أن يكون صبرى ضيفه فى بيته بمانهاتن فى زيارته السنوية لأمريكا، وعندما يأتى للقاهرة مع زوجته الأمريكية "سيسيليا" كان يختار أقرب فندق لبيت صبرى حتى يتمكن من زيارته يوميا.. وهناك كذلك الفنانة التشكيلية العراقية المقيمة فى أمريكا نزيهة سليم، ففى كل زيارة لها للقاهرة لا بد أن تكون زيارة يومية لصبرى موسى على رأس أولوياتها.

ورغم أن أغلب أصدقاء صبرى كانوا محسوبين على التيار اليسارى والناصرى، إلا أنه لم ينتم يوما لأى من التيارين، وكان يرفض أن يحسبه أحد على اليساريين أو الناصريين، وحتى عندما شارك فى تأسيس "العربى" جريدة الحزب الناصرى اليومية فإن قبوله للمشاركة كان بدافع صداقته لرئيس تحريرها محمود المراغى.

وقتها كلمه المراغى فى أمر الجريدة وألّح عليه أن يساعده فى تجربته الواعدة، وأن يُشرف على سكرتارية التحرير والأقسام الفنية، بحكم خبراته المتراكمة منذ أن كان أصغر سكرتير تحرير فى مجلة "الرسالة الجديدة " عندما رأس تحريرها يوسف السباعى، ثم أنه لن يجد أفضل منه ليؤسس القسم الثقافى بالجريدة الوليدة، ودعما لصديقه القديم وافق صبري، لكنه رغم دوره التأسيسى والقيادى فى جريدة الحزب الناصرى فإنه بقى على استقلاله الفكرى ولم يحصل على عضوية الحزب أو ينتمى إليه تنظيميا.

وحتى عند تأسيس حزب التجمع اليسارى التقدمى ذو الميول اليسارية المعلنة، فإن صبرى اكتفى بصداقته لزعيم الحزب ومؤسسه خالد محى الدين، فقد ربطته بالقطب اليسارى الكبير صداقة إنسانية وطيدة، خاصة وأن جذورهما العائلية تمتد إلى دمياط، لكنه  لم يدخل الحزب وقت أن كانت عضويته والكتابة فى جريدته "الأهالى" موضة بين كبار المثقفين.

فى داخله كان صبرى يحمل تقديرا ما للفكر اليسارى ومبادئه، خاصة تلك المتعلقة بالعدالة الاجتماعية، ويحمل تقديرا مضاعفا للرئيس عبد الناصر وتجربته، ويراه بطلا قوميا وزعيما وطنيا له دوره الكبير فى تحرير مصر من الاحتلال وقيادة مرحلة الاستقلال الوطنى وتحويل مصر إلى دولة حديثة ومتطورة.. وكان على قناعة بأن فترة الستينات كانت مرحلة إنتاج وإبداع، ووصلت فيها الثقافة والفن على وجه الخصوص إلى ذروة التألق.. وهى المعانى التى عبّر عنها فى سيناريو "الأسوار"، الفيلم العراقى الذى أسندت إليه مؤسسة السينما العراقية كتابته فى العام 1979، وكان يتناول فيه فترة المد القومى بعد تأميم عبد الناصر لقناة السويس عام 1956، وشارك فى بطولته سامى عبد الحميد وإبراهيم جلال وسوسن شكرى وأخرجه محمد شكرى جميل.

لكن ظلت لديه تحفظات عديدة على التجربة الناصرية، خاصة ما يتعلق بقضية كبت الحريات والإصرار على الصوت الواحد.. وهو ما قاد فى النهاية إلى النكسة المروعة فى 67!

مثل كل جيله كسرته النكسة وجرحته وصدمته وأفقدته توازنه، وفى أوراقه يحكى صبرى:

"مصر عاشت وقتها أياما حزينة وعصيبة، وأذكر يومها أننى كنت فى زيارة لأهلى فى دمياط، وكم كان حزنى شديدا وأنا أرى المهاجرين من مدن القناة وهم يحلون على مدينتنا.. كنت حزينا لهم وحزينا عليهم وحزينا أكثر على مصر كلها.. ويومها كان لدى شقة فى رأس البر فقررت أن أعطيها لأى أسرة من المُهجّرين دون أن يُطلب ذلك منى، وغيرى فعل ذلك بل وأكثر من ذلك، إن الشعب المصرى فى مرحلة ما بين النكسة إلى انتصار أكتوبر كانت له بطولات عظيمة ووقفات تاريخية تعبر عن طبيعة هذا الشعب وعن معدنه الأصيل، وأنا أظن أن هناك صفحات مطوية من بطولات هذا الشعب فى تلك المرحلة لم يُكشف عنها بعد".

وفى سنوات ما عُرف بحرب الاستنزاف سافر صبرى مرات إلى الجبهة مع وفود المثقفين، وأسهم قدر استطاعته فيما عُرف بالمجهود الحربي، وكان على يقين أن الانتصار القادم سيحققه الإنسان المصري، الشعب لا الأشخاص، وهو ما تحقق فى معركة أكتوبر، وعنها يحكى فى أوراقه:

"يوم 6 أكتوبر كنت فى البيت لم أذهب بعد إلى المجلة، وفجأة سمعت الخبر، وبسرعة نزلت إلى المجلة، ووجدت كل الزملاء فى حالة فرح شديد، والحقيقة هى من الأيام التى رأيت فيها القاهرة تضحك من قلبها كما لم تضحك من قبل، لا تنسى أن النصر جاء بعد هزيمة قاسية ومؤلمة، وعندما جاءت هبة أكتوبر العظيم كان الفرح طاغيا، وأذكر وقتها أننا كنا ننام فى المجلة ونتابع أخبار المعركة لحظة بلحظة وفرحة بفرحة".

(3)

لكن يبدو أن الأقدار استكثرت عليه الفرح، فحكمت عليه بمحنة قاسية استمرت 15 عاما متواصلة، ضربته جلطة بالمخ،  فتغيرت حياته وتبدلت رأسا على عقب..

فكيف عاش صبرى موسى محنة مرضه؟.. وكيف كان مشهد النهاية؟

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد